الحاج سليمان من فلسطين 48..حكاية رباط بمسجد مهجور

الحاج سليمان

حبه للعمل الخيري غلب مرضه وكبر سنه.. وتعلق قلبه بالمساجد منذ صغره جعله يجتاز كل العواقب التي كانت توضع أمامه، وجده في العمل ما زال كما هو حتى في هرمه.
 
الحاج سليمان من مدينة باقة الغربية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 أبى إلا أن يعيش حياته مع بيت من بيوت الله، وأي بيت أعظم من بيت الله خاصة هذا الذي يعيش معه الحاج سليمان حياة حلوة مريرة.
 
وعلى الرغم من عمره الذي شارف ألـ 74 عاما إلا أن إرادة الشباب وحبه للعمل الخيري والتطوعي ما زالت تلازمه ولم تثنيه عن مواصله كفاحه في سبيل مسجد سيدنا علي.
 
ويقع مسجد سيدنا علي على أنقاض قرية كانت تعرف عربيا وإسلاميا باسم الحرم أما صهيونيا فقد اتخذت لها المؤسسة الإسرائيلية اسما يليق بصهيونيتها كما فعلت مع باقي المدن والقرى العربية في فلسطين48 فاختارت لها اسم هرتسليا نسبة لمؤسس الحركة الصهيونية بنيامين زئيف هرتسل.
 
اولى الخطوات
وعن بداية مسيرته مع مسجد سيدنا علي يقول الحاج سليمان:" في عام 1988 قررت أنا ورفيقي الحاج محمد أن نقوم بجولات ميدانية للمساجد والمقدسات الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 في خطوة ننظر من خلالها على حال هذه المساجد والمقدسات التي تعد شبه مهجورة لا يزورها احد من الناس".
 
وتابع مجادلة:" خلال تجوالنا زرنا مسجد سيدنا علي ولم تكن مجرد زيارة لأنها تركت آثارا أليمة في داخلي من هول ما رأيت من مشاهد داخل المسجد الذي هو بمثابة بيت من بيوت الله ".
 
اعتداءات في جنح الظلام

مسجد سيدنا علي

وكان مسجد سيدنا علي قد تعرض لسلسة هجمات من قبل مجموعات يهودية متطرفة مدعومة من جهات رسمية صهيونية.
 
وعن حجم الكارثة التي كان يراها يضيف الحاج سليمان لـ" نافذة الخير":" في أول زيارة لي إلى المسجد بدى خرابا وكأنه إسطبل خيول ، حيث أكوام النفايات والأوساخ التي كانت متراكمة بداخله بفعل المجموعات اليهودية المتطرفة التي كانت تعبث فيه ليل نهار".
 
وعن أقذع المناظر التي شاهدها أبو رياض داخل المسجد يقول:" حينما رأيت الدمار الذي لحق بمنبر المسجد انتابني شعور غريب خاصة وانه هجوم على أقدس الأماكن في الأرض إلا وهي بيوت الله ".
 
ولم يسلم المسجد من الكتابات العنصرية التي تدعو إلى موت العرب والقضاء عليهم وطردهم من البلاد إلى جانب زجاجات الخمر ألتي كانت تملئ أركانه حينما كان يرتاده مدمني الخمر والمخدرات.
 
وفي انتهاك صارخ لحرمة بيت الله عمد العديد من الشبان اليهود إلى ممارسة الرذيلة وفاحشة الزنا داخل المسجد في ساعات الليل ليحول إلى مكان للدعارة بعدما كان من أكثر الأماكن طهرا.
 
ولم يسلم الأموات كما الأحياء من إرهاب وحقد المؤسسة الصهيونية فقد تعرض الضريح الذي يضمه المسجد والذي يعود لأحد أحفاد الصحابي الجليل عمر بن الخطاب وهو علي بن عليل بن محمد بن يوسف بن يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
ولم يفكر الحاج سليمان ولو للحظة بان مهاما كبيرة ستلقى على عاتقه من اجل النهوض بالمسجد وإعادته إلى حظيرة الإسلام والمسلمين ومسح الدنس الذي لحق به على يد المؤسسة الصهيونية وأذنابها المتطرفين.
 
تصدي للعدوان
وشرع أبو رياض في إقامة جمعية خاصة تعنى بشؤون المسجد حملت اسم جمعية سيدنا علي ليتسنى لهم العمل من خلالها على ترميم المسجد وصيانته وإعادته إلى سابق عهده.
 
وبدأ الحاج سليمان يرافقه أعضاء الجمعية بجمع التبرعات والأموال من فلسطينيي48 من اجل إعادة اعمار المسجد وكما يضيف أبو رياض": كنا نلاقي ترحابا كبيرا من أهلنا في الداخل الفلسطيني ومؤازرة واسعة على كافة المجالات العينية والمادية، وأول ما بدأنا ترميمه هي مئذنة المسجد التي تعرضت إلى ضربة برق أدت إلى انهيارها ومن ثم إزالة الأوساخ والقاذورات من ساحة وأروقة المسجد ".
 
المسجد يتنفس الصعداء

مسجد سيدنا علي

ومنذ ذلك الحين صار يرفع الأذان في المسجد بعدما كانت أخرسته المؤسسة الصهيونية قرابة الأربعين عاما وصار الأهالي في جميع بلدات وقرى الداخل الفلسطيني يتوافدون إلى المسجد من اجل الصلاة والرباط فيه ليعيدوا إليه مكانته الطاهرة وقدسيته الرفيعة.
 
وكانت العائلات العربية في فلسطين 48 تأتي للمبيت في المسجد لقضاء أجمل اللحظات الإيمانية وللشعور بنوع من الرباط في ظل التهديدات الإسرائيلية المحدقة به.
 
رباط بعيد عن الأهل
وفي خطوة هدفها ترسيخ الرباط في المسجد قرر الحاج سليمان وبعد الانتهاء من ترميم المسجد أن ينتقل وعائلته للعيش في المسجد ، حيث خصص غرفة له ولزوجته مريم من اجل الرباط في المسجد.
 
ويقضي أبو رياض إلى جانب زوجته ام رياض معظم أيام السنة في مسجد سيدنا علي تاركين خلفهما أبناءً وأحفادا هم بأمس الحاجة إلى مجالستهم والاستماع إلى قصصهم ورواياتهم حول نكبة الشعب الفلسطيني التي تتوارثها الأجيال تلو الأجيال في ظل السعي الإسرائيلي لاقتلاع الذاكرة الفلسطينية الشابة.