شتاء بيروت.. حيث تتكشف المعاناة في المخيمات الفلسطينية

أسلاك الكهرباء عشوائية وتهدد حياة ساكني المخيم

هناك مَن ينتظر الشتاء بفارغ الصبر، ليعيش إشراقات اللهب المتصاعدة من المدفأة، وليقرأ قصائد الشعراء التي جسّدت المطر بطريقة رومانسية، فيها الكثير من الأشواق الدافئة والعواطف الجياشة. ولو عاش هؤلاء في المخيمات الفلسطينية في لبنان، لتحوّلت كتاباتهم عن الشتاء إلى قصص من المعاناة.
 
إهمال وضعف في ضعف بنية الصرف الصحي مع إهمالِ صيانة شبكات المياه والمجاري في المخيمات الفلسطينية، مما ينذر بانتشار الاوبئة والامراضِ الخطيرة لدى السكان وبالتحديد لدى الاطفال.
 
وما أن تنهمر حبات المطر من السماء حتى تتحول ازقة المخيم إلى أنهار وبرك من المياه تختلط فيها مياه الأمطار مع المياه الآسنة الخارجة من شبكة المجاري التي أكل الدهر عليها وشرب، وأصبحت قديمة ومهترئة، فيما تقتحم هذه المياه بيوت المخيم من دون استئذان وتتلف امتعتهم التي بالكاد استطاعوا تأمينها.
 
"نافذة الخير" بعدسة كاميرتها.. وبحروف خطها القلم، تجولت داخل هذه المخيمات لتلامس عن قرب معاناة المحرومين من كل المقوّمات الحياتية خلال فصل الشتاء داخل مخيمات الشتات في لبنان.
 
بداية الحكاية
 

أسلاك الكهرباء ملامسة للمياه المتسربة من أنابيب المياه

يشكّل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ما نسبته 11 في المئة من مجموع سكان لبنان، وبحسب احصاءات غير رسمية، يزيد عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عن حوالى اربعمئة الف نسمة يقيم اكثر من نصفهم في اثني عشر مخيماً مسجلاً رسمياً وهي: عين الحلوة، البص، الرشيدية، برج الشمالي، نهر البارد، البداوي، شاتيلا، برج البراجنة، مار الياس، ضبية، ويفل – الجليل، المية ومية.
 
اما باقي اللاجئين، فيقيمون في بعض القرى والمناطق اللبنانية، وفي نقاط او تجمعات سكنية غير معترف بها من قبل الانروا، منها القاسمية، المعشوق، البرغلية، جل البحر، شبريحا، ابو الاسود، عدلون، تعلبايا وغيرها.
 
بيوت الزينكو التي يعيش معظمهم فيها لا تقي من برد الشتاء ولا من حر الصيف، وبين بيوت الصفيح حكايات وقصص إنسانية لا يمكن أن تنساها. بدأت مأساتهم منذ 61 سنة، لأن أهله وسكانه لم يكونوا يعلمون أنهم على موعد مع هذه البقع الصغيرة ليعيشوا بها طوال 61 عاماً من النكبة.
 
وتعانى المخيمات الفلسطينية من الفقر المدقع والحرمان، إذ منذ بداية العمل على إنشاء هذه المخيمات من قبل هيئة الأمم المتحدة وجمعيات الصليب الأحمر الدولي، ولم تزل هذه المخيمات تتمتع بالمواصفات اللا إنسانية.
 
معاناة في كل شيء: شبكة الطرق داخل المخيمات ضيقه جداً لا تسمح إلا لشخص واحد بالمرور من إحدى الأزقة ولا تتمتع إلا بشارع واحد رئيسي للسيارات.
 
ضيق الشوارع والممرات والأزقة في مخيمات لبنان بحاجة إلى تعبيد وذلك بسبب انتشار الحفر، وعدم تساوي منسوب الأزقة مما يجعل المياه الآسنة تتجمع فيها كالمستنقعات وبالتالي تصبح مصدرا دائما للتلوث، ناهيك عن عدم توفر ملاعب وساحات لممارسة الأولاد الألعاب والرياضة مما يؤدي إلى خروج الأطفال إلى الشوارع والممرات والأزقة واللعب بالقاذورات، إضافة لعدم وجود الأشجار داخل المخيم الذي يحرم السكان من أهم مصدر للحفاظ على البيئة.
 
شتاء من نوع آخر..
 

أطفال المخيم يعبرون بركة مياه تكونت بفعل الأمطار

الدخول إلى المخيمات يشبه الدخول إلى مدينة مهجورة للاشباح، تجد الازقه الضيقة التي تحمل القوارض والحشرات مما يزيد من الاعباء البيئية والصحية في المخيم، اما حين تنظر الى الارض  يخيل لك انك ستقع في حفرة لا يستطيع احد ان ينجيك منها، وحين تنظر الى السماء بالكاد تراها لكثرة اسلاك الكهرباء وشبكات المياه التي تتعانق فيما بينها فلا تدرك عيناك من اين أتت او الى أين تذهب نظراً لضعف التنظيم بينها، مما يجعل الموت صعقاً بالكهرباء محتماً للكثيرين ممن يعيشون في هذا المخيم.   
 
أما قنوات الصرف الصحي فغالبيتها مكشوفة على امتداد مخيمات لبنان، خصوصا ً بالزواريب، وقريبة بغالبيتها من قساطل مياه الشرب التي يحصل عليها الاهالي من انابيب شبكة قديمة التوصيل، مما يسبب بفيضانات المجاري في الازقة  شتاء ً ومن الروائح الكريهة صيفا ً. وعندما تتساقط مياه الأمطار يدخل ضيف ثقيل على البيوت دون استئذان أحد، ويجرف معه كل محتويات المنزل المتواضعة.
 
إبادة بيئية جماعية!!
 

شبكة المياه مهترئة

يتعرض الشعب الفلسطيني في لبنان لعملية إبادة متعددة الأشكال حُرم فيها من أدنى مقومات الحياة، ليعيش حالة تمزق لم يعشها شعب آخر دون أن يعرفوا ماذا سيحدث لهم أو متى ستنتهي معاناتهم.. أطفال ينشأون في مخيمات لا توفر أبسط شروط الحياة الكريمة. شباب لا أفق أمامهم. وعائلات تكتظ بها بيوت المخيمات وزقاقها. الأرض المخصصة للمخيمات تضيق بأهلها. لا التوسع الجغرافي مسموح. ولا فرص العيش خارج المخيمات متاحة.
 
عند الدخول إلى أيّ مخيم فلسطيني، أول ما يلفت النظر هو "تعانق" الأسلاك الكهربائية وخراطيم المياه في فضاء المخيمات، حيث تعرض العديد من سكان المخيمات الى الموت صعقا ً بالتيار الكهربائي نظرا ً لتلف الأسلاك وسقوطها على الاسطح، خاصة ً في فصل الشتاء. إذ أنّ شبكات الكهرباء في المخيم غير آمنة وأسلاك الكهرباء متلاصقة وقريبة جدا ً من رؤوس البشر في الازقة. كما أن أسلاك الكهرباء موجودة في قلب التجمعات السكنية, وفوق الزواريب المكتظة بالطلاب والمؤدية إلى المدارس, مما يترتب عنها من مخاطر ومشاكل عديدة.
 
والكثافة السكانية المتزايدة في المخيمات أحدثت عدة مشاكل هامة ابرزها الخلل في البنية الفوقية، من ناحية عدم صلاحية المنازل المأهولة التي لا تصلها اشعة الشمس ولا الهواء مما يتسبب بأمراض صدرية منها الربو والحساسية بالاضافة الى الامراض الجلدية. وهذا الاختناق السكاني ادى الى وجود مشاكل بيئية كبيرة، منها انتشار الحشرات والقوارض بسبب كثافة النفايات التي تتجمع بين البيوت وفي الازقة الضيقة، ولعل الخطر الاكبر يكمن في شبكات المياه الظاهرة للعيان والتي تنتشر على الجدران وفوق الارض، فتختلط مع الاسلاك الكهربائية وتشكل خطراً على السكان.. اما شبكة المجارير والصرف الصحي، فهي لم تعد تستوعب المياه المبتذلة لانها لا تتناسب
 
تشابك المباني
تكتظ المخيمات بساكنيها حتى وكأن الناظر إليها من على مرتفع يشبهها بمدن الأكواخ نظراً للازدحام والمباني المرتفعة فيها بكثرة ساكنيها وتشابكها. وهذا الازدحام السكاني يكشف معاناة شديدة داخل الأسر التي تعيش في المخيمات، حتى أن الباحث لبعض خبايا تلك الأسر التي تعيش في المخيم يجد أن ما يقارب الخمسة عشر شخصا ً يعيشون في غرفة واحدة مساحتها لا تتعدى 4 في 4 أمتار، وهذا التشابك في المباني الذي ضاق بساكنيه ساهم بشكل كبير في انتشار الكثير من الأمراض وخاصة بين الأطفال، وهذا نتيجة تأثير الإقامة في مكان مكتظ، مما ولد أيضاً التوتر الشديد عند الشباب الصاعد الذي لا يجد من يرعاه أو يحاول توجيهه في ظل البطالة المتفشيه نظراً لحرمان الفلسطيني من حق العمل في لبنان التي من المفترض أن تكون من أبسط الحقوق المدنية التي تنص عليها كل التشريعات الإنسانية!
 
قصص من واقع مرير..

عيون الأطفال تطرح أسئلة حول المستقبل

"استبشرنا خيراً بهطول المطر بعد تأخره هذه السنة، ولكن الحمد لله هذا الخير الالهي انعكس معاناة علينا، فالشوارع تحولت الى انهار من مياه الامطار التي اختلطت بمياه المجارير نتيجة عدم استيعاب قنوات الصرف الصحي لها واهترائها، فففاضت المجارير واختلطت بمياه الشتاء ودخلت على البيوت كما ترين"! يقول أبو سعيد، وهو أب لسبعة أطفال من مخيم شاتيلا.
اما الحاجة "ام محمد"، فقد  نظرت الى نهر مياه الامطار المختلطة بالمياه الآسنة وقالت: "انظري الى هذا النهر من المياه , اين عبّارات المياه التي من المفترض ان تستوعب المياه؟ انظري الى طلاب المدارس كيف يضطرون للغوص في نهر المياه لكي يتمكنوا من الوصول الى مدارسهم, وهناك العديد من البيوت دخلت المياه عليها واتلفت اثاثها ومحتوياتها!"
 
وبغضب شديد أنهت الحاجة أم محمد كلامها قائلة ً: "هذا هو واقعنا وهذا حالنا المرير الذى نعيشه والثمن الذى ندفعه جراء النكبة والتهجير ثمن لا دخل لنا به سوى اننا متمسكون بحقنا بحق العودة الى ارض الوطن!!"
 
لم نتجرأ على الدخول إلى منزل "أبو أحمد"، فقد علمنا من الجيران انّ ابنهم البكر "احمد"، قد توفي منذ أسبوعين بصعقة كهربائية في المخيم بسبب الأسلاك الكهربائية المنتشرة بطريقة عشوائية في أرجاء المخيم. 
 
"لديّ شعورٌ قوي بأنني كائنة مفروضة على هذا العالم"، هذا ما تقوله الطفلة "دعاء" (12 سنة)، التي بدأت معاناتها مع مرض الربو منذ 6 سنوات بسبب تلوث الهواء في المخيم والرطوبة في الغرفة التي تعيش فيها مع والدتها وأختيها الصغيرتين بعد وفاة والدها.
 
خلال خروجنا من المخيم، كانت كل من اليتيمة ملاك (4 سنوات) وأختها آمنة (6 سنوات) تحدّق إلينا بابتسامات صفراء، وكأنهما ينتظران من يبدد ظلام طفولتهما. تقول الوالدة إن الطفلتين تعانيان من السخونة والاسهال الشديد عدة مرات شهريا ً بسبب البيئة غير الصحية في المخيم والروائح الكريهة التي يتنشقونها طوال الوقت.
 
ضعف التمويل

ريتشارد كوك

يقول المدير العام للأنروا "ريتشارد كوك": "إن عدد السكان يتزايد باستمرار منذ 61 عاما ً.. الأونروا موجودة منذ 61 سنة. تفاقمت المشكلة في السنوات الأخيرة حيث لم يزد التمويل بنسبة توازي نسبة التزايد السكاني".
 
ويضيوف "إننا نحصل على هبات طوعية من مختلف الدول وإننا نعتمد على هذه الهبات الطوعية لذلك علينا أن نسعى للحصول عليها كل سنة من أجل تمويل أعمال الوكالة. . والتمويل الذي نحصل عليه لا يزداد بوتيرة التزايد السكاني. لذلك تزداد صعوبة توفير خدمات بالجودة التي كانت سائدة في السنوات السابقة، لكننا نعمل جاهدين على إيجاد طرق لحل المشكلة، ومنها أن الوكالة في طور النقاش مع الدول المانحة لتطبيق خطة متوسطة الأجل تحاول تحسين او على الأقل إعادة جودة الخدمات الى ما كانت عليه في السنوات السابقة، وهي تتضمن التعليم والصحة وخدمات الإغاثة".
 
ويوضح أن "ازدياد العبء على خدمات الأونروا في المخيمات هو فعلا مدعاة قلق لكننا نعي تماما المشاكل البيئية التي تواجهنا، و هذه المشاكل لا تؤثر على المخيمات فقط إنما على محيطها أيضا. نحاول حل هذه المشكلة من خلال تمويلنا العادي لكن أيضا من خلال الخطة المتوسطة الأجل التي نناقشها حالياً مع الدول المانحة. لكننا سنحاول تحسين الظروف قدر المستطاع وحيث أمكن".
 
نداء استغاثة

نظرة تختزل الكثير من المعاني

"المعاناة" قد لا تؤدي المطلوب للتعبير عن مدى ما يعانيه اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات، قد عاشوا على مدى واحد وستين عاما ً في حالة من الإذلال والتهميش.
 
يعتقد الكثيرون من لاجئي لبنان أن السبب الرئيسي لتدهور حالتهم وخاصة على المستوى البيئي هو بسبب عدم اكتراث المجتمع الدولي بهم. إن انهاء البؤس في المخيمات حاجة أمنية وحق إنساني. ومن حقهم أن يعيشوا في بيئة صحية آمنة لهم ولأطفالهم. من الظلم أن يـُترك الفلسطينيون على حالهم!
 
"إنّ خير الناس، أنفعهم للناس" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. أول الغيث قطرة، وأولى القطرات يجب أن تكون كبيرة وبليغة.. "نافذة الخير" توصل  نداء استغاثة أهالي مخيمات لبنان إلى كل المعنيين من اجل حماية هذه الفئة المهمّشة من أزمة بيئية خطيرة نتيجة الإهمال الشديد.