المشاركون بالمؤتمر طالبوا بدور حقيقي لتثبيت المقدسيين
على وقع تسارع تهويد القدس بقبضة الاحتلال الصهيوني، لتخنق أهلها وتشوّه معالمها ومقدساتها، مستغلة حالة الصمت والتخاذل الرسمي وتراجع التفاعل الشعبي مع القدس، افتتح لمؤتمر السنوي السابع لمؤسسة القدس الدولية تحت عنوان "تثبيت في وجه الاقتلاع" في بيروت.
ويشارك في المؤتمر شخصيات ونخب دينية وفكرية وسياسية بارزة، بالإضافة إلى شخصيات رسمية وشعبية ولفيف من العلماء من كل أرجاء الوطن العربي فاقت الألف شخصية، وذلك لتدارس سبل مواجهة المخططات الإسرائيلية الرامية لطمس المعالم العربية والإسلامية للمدينة المقدسة، والتي شهدت عام 2009 حملة تهويد غير مسبوقة منذ احتلالها 1967.
حول المؤتمر
و يناقش المؤتمر على مدى يومين وفي ثماني جلسات عمل "التحديات الأساسية في معركة القدس"، وآفاق حماية المدينة المقدسة في القانون الدولي، على أن يختتم ببيان ختامي يعلن في مؤتمر صحفي يتضمن التوصيات التي خرج بها الشماركون.
ويتضمن المؤتمر جلسات مغلقة يستعرض فيها مجلس الأمناء سياسات المؤسسة المستقبلية تجاه القدس والمسجد الأقصى والمقدسات، ويناقشو المشاريع التي يمكن للمؤسسة تنفيذها في المرحلة المقبلة.
وشهدت جلسة الافتتاح كلمات للعديد من الشخصيات ركزت على مكانة القدس والمسجد الاقصى عند المسلمين واشادت بدور المقاومة وانجازاتها، وأكدت على حرمة التخلي عن القدس وحرمة حصار الشعب الفلسطيني، وطالبت بتوفير كل وسائل الدعم لتمكينه من مواجهة مخططات الاحتلال، كما أكدت على الجهاد والمقاومة طريقاً ونهجاً لاسترجاع المقدسات.
القدس لن تتحول إلى "أورشليم"!
افتتح المؤتمر الدكتور "محمد أكرم العدلوني"، أمين عام مؤسسة القدس الدولية، بتقديم عرض موجز لآخر ما آلت إليه الأمور في القدس ولا سيّما الاعتداءات المتصاعدة على المقدسات والأراضي وسكّان القدس، وقال: "إن المؤتمر هذا العام يأتي في جو غير مسبوق من التصعيد ضدّ القدس، حيث حسم الاحتلال أمره واتخذ قراره بتهويد كامل مدينة القدس وتقسيم المسجد الأقصى. إن هذا الحشد من العلماء والمفكرين والساسة هو لتجديد العهد والعزم ببذل الغالي والرخيص من أجل القدس ومن أجل فلسطين".
وأضاف: "هم يريدونها "أورشليم" ونحن نريدها القدس، ولن تكون إلاّ القدس" مشدداً على ضرورة ثبات أهلها في مواجهة مخططات التهويد والاقتلاع.
القرضاوي: القدس قضية حية
أما رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس الشيخ "يوسف القرضاوي"، فقال: "إن الغاية من عقد المؤتمر هي أن تظل قضية القدس حية في ضمير الأمة ووعيها، وأن تأخذ حقها من الاهتمام والبذل والتضحية، لأن القدس هي رمز القضية الفلسطينية، فإذا ضاعت القدس ضاعت فلسطين".
وأضاف القرضاوي أن الواجب على الأمة العربية والإسلامية هو وضع القضية في بؤرة الشعور لا على هامشه، وفي مقدمة القضايا التي يجب أن تكون حاضرة دائما ً. وأكد على مكانة القدس والمسجد الأقصى بالنسبة للأمة الإسلامية، مذكراً بأنّ الله عز وجل قد قرن بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام في القرآن الكريم، وأنّه أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال.
وتابع قائلا ً:"نحن مسؤولون عن هذا المسجد وعن المدينة المقدسة التي تحتضنه، وعلينا أن نعمل على تثبيت أهلها وتبني مشاريعها، وهذه مسؤوليّة دينيّة وقوميّة تفرض علينا أن نوحّد صفوفنا". وأسف لعدم استغلال العرب لقدراتهم وقوتهم سواء العددية او الحضارية والتلهي بالتقاتل فيما بينهم في حين أن الأمة الاسلامية مهددة بأعز ما تملك وهو المسجد الاقصى والقدس المحتل.
ولفت القرضاوي الى تزايد التهديدات للاقصى والقدس عبر الحفريات تحت المسجد والانتهاكات اليومية ومنها منع دخول المصلين الفلسطينيين للاقصى، متسائلا أين الشعوب والقادة العرب للدفاع عن مقدساتهم. وختم قرضاوي بالقول ان القدس هي قضية حق ولا يمكن للباطل ان ينتصر على الحق.
صبري: القدس أمانة
بدوره تحدث في المؤتمر عبر شاشة عملاقة عبر الأقمار الصناعيّة رئيس الهيئة الإسلامية العليا، خطيب المسجد الاقصى، الشيخ "عكرمة صبري"، فدعا المشاركين في المؤتمر للخروج بقرارات عملية، تحفظ لمدينة القدس مجدها الحضاري والتراثي والثقافي، وتسهم في إنقاذ المؤسسات المدنية فيها، وتساعد الفلسطينيين على الثبات والصمود والتمسك بمقدساتهم وبيوتهم وعقاراتهم.
وأشار إلى ما يجري في المدينة المقدسة من سلخٍ للأحياء المقدسيّة عن بعضها بواسطة الجدار الذي أخرج أكثر من 125 ألف مقدسي من مدينتهم.
واعتبر أن مدينة القدس هي أمانة في أعناق العرب جميعا ً دون تفريط بأي ذرة تراب من القدس او المسجد الاقصى، داعيا المؤتمر الى الخروج بقرارات تساعد أهل القدس على الصمود في أرضهم.
حزب الله: هوية فلسطين
أما رئيس المجلس السياسي في حزب الله "ابراهيم أمين السيد" فقد على المفاوضات والتسويات التي تتم على أرض فلسطين المحتلة، وما قد تؤدي اليه هذه المفاوضات من خسارة لحقوق الفلسطينيين، مؤكدا ً أن القدس هي الرمز والمضمون، فهي رمز للحق ضد الباطل، لافتا ً الى أن المفاوضات قد جاءت ثورة من أجل تحرير فلسطين من المقاومة ولتكون حماية للكيان الغاصب وأمنه لا لاستعادة حقوق الفلسطينيين، بل لاسقاطها والتنازل عنها ولتكون غطاء دوليا لكل جرائم الكيان البشعة، اضافة الى تفريغ فلسطين من كيانها وجعلها سلطة دولة لا دولة.
وأشار إلى الجدار الفولاذي المصري، مستنكرا الفتاوى التي أحلت موت الشعب الفلسطيني جوعا ً وعطشا ً، ومؤكدا على ضرورة عدم تصادم الخيارات بل تكاملها، كما لفت الى الاهمية الكبيرة للمصالحات العربية التي تحصل حاليا.
وقال: "لا نريد للثورة الفلسطينية ولا للمقاومين الفلسطينيين عبر كل هذا التاريخ أن تحولهم المفاوضات أو المفاوضون إلى لاجئين أو جالية أجنبية أو مكتومي القيد أو فاقدي الهوية. إن من أشرف هويات الكون هوية القدس وفلسطين. والهوية ليست جواز سفر للخروج من الأرض. الهوية هي جواز عودة إلى الأرض والهوية وإلى التاريخ وإلى الحق".
أبو مرزوق: المقاومة لن تستكين
بدوره طالب "موسى أبو مرزوق"، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بالعمل والضغط لإحداث تغيير لمواجهة تهويد القدس، فقال: "نحن مطالبون بعد ان تخلى الحكام عن القيام بواجبهم، ان نعمل ونضغط في كل اتجاه كي نحدث تغييرا لمواجهة تهويد القدس ولحماية المقدسات ولتثبيت الهوية، والا نترك في بلادنا مكاتب تمثيل للعدو الاسرائيلي وان نكون داعمين للمقاومة وبرامجها". وحيا "اهلنا في موريتانيا لانهم اغلقوا سفارة العدو الاسرائيلي وطردوا السفير". كما حيا "مواقف تركيا بهذا الشأن".
وعلى خلفية التوتر الذي جرى على الحدود بين غزة ومصر بناء على الاحتجاج على عرقلة وصول قافلة "شريان الحياة 3" أكد أبو مرزوق أن "حماس" لا تهدد أمن أحد من العرب ولن تكون رأس حربة ضد أي دولة اسلامية أو عربية، لافتا الى أن أمن هذه الدول هو من أمن فلسطين.
وطالب حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) "بالعودة إلى منطلقاتها الأولى، لأنها كانت من التنظيمات الرائدة في المقاومة، ودعا قياداتها للنظر إلى القدس والضفة الغربية والاستيطان ونتائج التسوية ومدى تحقق شعارها الأساسي ثورة من النصر".
وختم ابو مرزوق بالتأكيد على أن المقاومة لن تستكين ولن تلين حتى تحقق اهدافها كاملة، مشددا ً على التمسك بمبدأ المقاومة، ومشيراً الى ان القدس ستبقى رمز القضية حتى تعود حرة ويعود شعبها الى أرضه.
مخاطر عدة
كما شهد المؤتمر الكثير من الكلمات التي شددت على المخاطر التي تتعرض لها القدس، حيث ألقى الدكتور "رؤوف أبو جابر" كلمة المجلس الأرثوذوكسي في فلسطين والأردن، كلمةً أشار فيها إلى أنّ "إسرائيل" تُهوّد القدس بشكلٍ متسارع، من خلال الاستيلاء على العقارات والأملاك كاستيلائها على أرض الشماعة خارج باب الخليل، ومحاولتها السيطرة على ساحة عمر بن الخطاب، ومن خلال الحفريات التي تنفذها الجمعيات الاستيطانية بدعم من الحكومة في البلدة القديمة وجنوب المسجد الأقصى، فضلاً عن استمرارها في بناء المستوطنات وتوسيعها. لذلك علينا القيام بواجبنا تجاه القدس عبر توحيد مواقفنا، وكشف الاعتداءات التي تتعرض لها القدس، ودعم أهلنا في القدس في مواجهة مخطط التهويد وسحب الهويّات.
وتحدث المفكر الفلسطيني "منير شفيق" قائلا ً: "إن الأماكن المقدسة في فلسطين حين يهجرها أبناؤها العرب تصبح أحجارا ً ميتة، والإنسان هو من يعطيها نبض الحياة، ويكسوها بروح الإيمان، أما الجدار الذي يفصل بين القدس والضفة الغربية، فقد بني ليلتهم الأرض والمياه الجوفية وكي يفصل بين الفلسطينيين". وتابع أن مدينة القدس تتعرض لمخاطر تقسيمها إلى عاصمتين، غربي القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وشرقها عاصمة لدويلة فلسطينية، وقد سلمت السلطة الفلسطينية بهذا التقسيم من خلال المبادئ الستة التي أعلنها الرئيس محمود عباس بعد مؤتمر أنابوليس.
ثم ألقى السفير "محمد صبيح" كلمة جامعة الدول العربية، دعا فيها إلى زيادة المبالغ الخصصة لصالح صندوق القدس، كما دعا الدول العربيّة لتسديد المبالغ التي تعهدوا بها لدعم القدس والتي يصل مجموعها إلى 150 مليون دولار أميركيّ، كما دعا كل عربي ومسلم إلى التبرع ولو بدولار واحد لأجل القدس، وختم بدعوة العلماء إلى التذكير باستمرار التي تُحاك ضدّ القدس وما يجري فيها بشكلٍ مستمرّ.
وأكد الشيخ "محمد مختار المهدي"، الرئيس العام للجمعيّة الشرعيّة في مصر، أنّ الشعب المصريّ كله مناصرٌ للقدس ومستعدٌّ للتضحية في سبيلها معتبراً أنّ القدس هي المحور الذي تتحد عليه كلّ الطاقات والجهود لأن الأمّة إذا اجتمعت فلن يكون بمقدور عدوّها أن يبقى على حاله.
واستنكر الشيخ "أحمد العمري"، ممثل المؤسسات العاملة للقدس في لبنان، واقع النظام العربيّ الرسميّ المتمادي في الضعف ورَفَضَ كل الذرائع التي تُساق لبناء الجدار الفولاذيّ على حدود غزّة، مؤكّدًا على ضرورة العودة للمقاومة بعد إفلاس خط المفاوضات، وعلى ضرورة مؤازرة المقدسيين والفلسطينيين، داعياً في الوقت ذاته إلى رفع الحصار عن أهل غزّة فوراً وإمدادهم بالإمدادت اللازمة للحياة الكريمة، وإلى تثبيت أهل الضفّة الغربيّة والسماح لهم بالتحرك لدعم إخوانهم في غزّة، وختم كلامه بمناشدة الفلسطينيين بتحقيق المصالحة الفلسطينيّة بأسرع وقتٍ ممكن.
ثم قدم المؤتمر درع القدس الذي يُقدّم تكريماً للعاملين لأجل قضيّة القدس في مختلف المجالات إلى كلّ من المناضل الراحل "شفيق الحوت"، المناضل الراحل "رفعت النمر"، الداعية المجاهد الراحل "فتحي يكن"، الشيخ المجاهد "زهير الشاويش"، مؤسسة الشيخ عيد بن محمد آل ثاني الخيريّة، الرئيس السوداني "عمر البشير"، ومعالي الأستاذ "ميشال إدّة".
القدس تنتظر ..
ويرى مراقبون أن مؤتمر القدس السابع ينعقد، بينما القدس حزينة، تفتقد حلاوة الإيمان مع مئات ألوف من المصلين المحرومين منها.
ويعتبرون أن القدس تنظر توصيات المؤتمر السابع، بعد توصيات 6 مؤتمرات سابقة، ظلت بمعظمها حبرا ًعلى ورق بسبب الانقسام العربي. منتظرين أن يكون هذا المؤتمر مختلف عن مثيلاته من المؤتمرات ويخرج بأشياء عملية تطبق على الأرض.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=74893
