تكسير الحجارة.. مهنة أطفال غزة لتحصيل الطعام

الطفل صلاح الحويطي أمام كومة من الحجارة

عربةٌ صغيرة يتكوم عليها جبل من الحصى والحجارة الصغيرة يقف خلفها الطفل حسام نبهان "14 ربيعاً" محاولاً ترتيبها بشكل متوازن ومنمق حتى لا تنهار عليه بلحظة سرعة.. يقف مزهواً بعربته الممتلئة على آخرها للمرة الرابعة على التوالي خلال يومٍ واحد.. وهو يحاول حمل بعض الحجارة اقتربت منه "نافذة الخير" لسؤاله عن ماذا يفعل؟.
 
وبخجل ارتسم على كلماته قال: "أبحث عن الحجارة الصغيرة والحصى لأبيعها للمعامل الكبيرة ليعيدوا تصنيعها من جديد.. حتى استطيع أن أساعد والدتي في مصروف البيت وسد احتياجاته الضرورية".
 
وهو يمسح العرق المتصبب عن وجه أضاف: "رغم المشقة والمخاطر التي أتعرض لها كل يوم والساعات الطويلة من العمل الشاق إلا أنني أشعر بلذة الفرح وطعم السعادة عندما أعود لأسرتي ومعي ثمن العشاء والطعام للأيام القادمة".
 
ظاهرة جمع الحجارة مهنة جديدة لاقت إقبالاً ملحوظاً من قبل الفئات المحتاجة والفقيرة في القطاع، والذين ساءت أوضاعهم بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة والتي حرقت أخضر الأرض ويابسها.
 
وازدهرت هذه المهنة بعد أن نجح الفلسطينيون بالحصول على كميات من الإسمنت عبر الأنفاق لاستخدامها في إعادة تصنيع وطحن الحجارة المستخرجة من ركام البيوت المهدمة.
 
مصدر رزقنا
وهو يهم بمغادرة المكان برفقه شقيقيه مضى يقول بكلمات تفوق سنوات عمره الصغيرة: "إن جمع الحجارة يحتاج لقوة الشباب وعزيمة الرجال.. ولمزيد من الجهد والأدوات والتعب والمنافسة مع الشبان والأطفال الآخرين الذين باتوا يلجئون بأعداد كبيرة للعمل في هذه المهنة".
 
وعلى الرغم من تورم يديه الصغيرتين وتشققهما جراء الجروح من شدة ضرب الحجارة والأسمنت المسلح إلا أنه ماضٍ في عمله ومهنته الجديدة؛ ويقول :أصبحت مصدر رزقهم الوحيد بعد انسداد كل السبل في وجوهم.
 
وعن ماذا يفعل بعربات الحجارة قال: "أذهب بها للبيت ونقوم أنا وكل أخوتي بالتعاون على تكسيرها إلى قطع صغيرة لنبيعها لمصانع الأسمنت التي ترفض شرائها إلا إذا كانت مكسرة وعبارة عن فتات".
 
وقرر حسام أن يأخذ " نافذة الخير" لمنزله المتواضع لنرى كيف يقوم بهذه المهمة هو أشقائه الصغار ليوفروا لقمة عيش كريمة تغنيهم عن ذل الحاجة والسؤال.
 
كانت أكوام الحجارة تصطف في باحة المنزل وحولها الصغار منهمكين في تكسيرها وطحنها لقطع صغيرة مفتته.. وتارةً ينفضون الرمل والغبار عن ثيابهم.. وأخرى يأخذون قسطاً من الراحة ليعودا بكل نشاط وحيوية لإتمام مهمتهم.
 
وكانت تقديرات المؤسسات الإنسانية والإحصائية العاملة في الأراضي الفلسطينية قد أشارت إلى وقوع أكثر من 83% من سكان غزة تحت خط الفقر.
 
ليل نهار
وهي تمسح الغبار عن وجهها قالت مها "12 عاماً": " تكسير الحجارة وبيعها لمصانع الأسمنت باتت عملنا.. فمهمة أخي حسام يقوم بتجميع الطوب ونحن نقوم بتكسيره في المنزل وتحويله لفتات صغيرة".
 
وبحروفٍ قوية أردفت: "نحن نواصل عملنا بالليل والنهار لنجني المال اللازم للحياة بكرامة.. ونوفر البعض منه لإعادة بناء منزلنا الذي قصفه الاحتلال الإسرائيلي خلال حربه على غزة.. فحياتنا لا تطاق في هذه الخيمة المتهرئة والتي لاتقينا لسعات البرد القارس ولهيب الصيف".
 
وبحزنٍ اخترق صوتها أشارت إلى أنها تحلم ببيت صغير يُعيد حميمة الأسرة الدافئة، وترجع لمتابعة دروسها والالتحاق بالمدرسة من جديد.
 
والتقط الحديث شقيقها حسام قائلاً: "ربما سنستغرق سنوات عديدة لتجميع المال الكافي لنعمر بيتنا من جديد ولكننا سنعمل بكل جهد وعزيمة لتحقيق حلمنا.. ولن نرحل عن أرضنا حتى لو أعادوا قصفه وتدميره مرة أخرى".
 
وأشار حسام إلى أنه وأشقائه ينجزون خمسة عربات في اليوم الواحد، ويبعون العربة الواحدة بـ" 20 شيكل" أي ما يعادل 4 دولارات.
 
ويلجأ سكان قطاع غزة إلى الاستعانة بالحجارة التي يُعاد تصنيعها لترميم بيوتهم التي أُصيبت بنيران الحرب الإسرائيلية وأصبحت لا تصلح للمعيشة والحياة فيها,
 
ويعاني قطاع غزة من نقص حاد في مستلزمات البناء خاصة الإسمنت والحديد، بعد أن فرضت إسرائيل حظراً مشدداً على إدخال هذه المواد منذ ما يقارب من ثلاث سنوات ، مما أصاب قطاع البناء بالشلل التام.
 
أساعد والدي

الطفل حسام نبهان يجمع الحجارة

ولم تكن عائلة "نبهان" الوحيدة التي لجأت لهذه المهنة القاسية بعد أن ساءت أوضاعهم الاقتصادية والمعيشة بسبب الحصار المضروب على القطاع منذ ثلاث سنوات والحرب البشعة التي مازلت تقتل تفاصيل الحياة فيها.
 
الطفل صلاح الحويطي "12 عاماً قال لـ"نافذة الخير" أستيقظ منذ السابعة صباحًا وأذهب مع أصدقائي إلى أماكن القصف البيوت المهدمة؛ لنجمع الحجارة والطوب والحديد لنبيعها ونسترزق منها".
 
وبفخر أضاف صلاح :"أتسابق مع زملائي حول من يجمع حجارة أكثر ويبيعها بثمن أكبر".. واستدرك قائلاً: "أشعر بأني أنجزت شيئًا كبيرًا عندما أحصل على مبلغ كبير وأعطيه لوالدتي لتشتري حاجيات المنزل والطعام لنا".
 
وعلى الرغم من عمله، إلا أن صلاح لم يترك مقاعد الدراسة، بل  ينوي أن يكمل دراسته الجامعية ولكنه مضطر لمساعدة أسرته بعد نهاية دوامه الدراسي والأجازة الصيفية، قائلاً: "لجئت لهذه المهنة الصعبة لأساعد أسرتي ولو بأقل القليل، فوالدي عاطل عن العمل وإخوتي صغار يحتاجون للطعام ومصروف للمدارس".