الطفل يوسف والصورة تغني عن الحديث
يتسلق الدرج بصعوبة بالغة.. يزحف ببطءِ شديد حتى يصل لسريره المهترىء.. تنظر له والدته بحسرة والدموع تنهمر من عينيها، تحاول أن تساعده فيرفض بشدة متمتماً: " أنا قادر على الحركة ولكن وفروا لي كرسيا كهربائيا".. تتنهد الأمة بلوعة حارقة فأحوالهم المادية القاسية لا تستطيع توفير أبسط احتياجات صغيرها "المُعاق".
الطفل يوسف أبو شوارب، صاحب الأعوام العشرة، فقد ساقيه ويديه في أولى سنوات عمره، ويقطن في مخيم المغازي وسط قطاع غزة ببيتٍ متواضع لا يلبي أبسط احتياجاته المادية والنفسية.. دموعه وأناته تصم جدران البيت.. أبسط أحلامه بأن يلعب كرة القدم ويتسلق الجدران.
وبحزنٍ عميق تحدثت "أم يوسف" عن معاناة طفلها قائلة :"أصيب يوسف بالتهابات السحايا وهو بالثانية من عمره.. وكانت خطيرة للغاية وسقط بغيبوبة لمدة 42 يوم..".
حزن لا نهاية له
صمتت لبرهة، وبعد آهٍ طويلة تابعت: "لم أكن أدري الخطر الذي يجول حول يوسف.. كنت أدعو الله بكل لحظة أن ينجيه.. فكان فاكهة المنزل ومحبوب من جميع أخوته وحتى الجيران".
وأضافت: "بعد أن استيقظ من الغيبوبة.. كان المرض قد هاجم جسمه حتى وصل إلى أطرافه، فظهرت الالتهابات، ثم تآكلت أطرافه السفلية والعلوية.. فأجمع الأطباء على ضرورة بترها حتى لا تصل الالتهابات لبقية أجزاء جسده".
وبألم عميق مضت تقول: "خلال أيام تحولت ضحكته المضيئة إلى بكاء مستمر وحزن لا نهاية له.. لو كان بوسعي أن أقدم له يدي وقدمي لفعلت ولكن هذه حكمة الله وقدره.. وأفرغ الله على قلوبنا الصبر، ووكلنا شأننا لله".
تشير "أم يوسف" إلى أنه عندما كبر صغيرها أخذت تبحث عن جمعيات ومؤسسات تأهيلية لذوي الاحتياجات الخاصة، ليتعلم القراءة والكتابة وبعض المهارات التي تعينه على التأقلم مع الحياة ووضعه الخاص.
وهي تُعيد ذاكرتها لسنواتٍ مضت أردفت: "بالفعل انتسب لجمعية تأهيلية للمعاقين في مدينة غزة.. وباتت الابتسامة لا تفارق محياة.. ودبت في روحه الميتة الحياة من جديد.. وأصبح شخص آخر تملئه الحيوية والنشاط والطموح يغمر كيانه".
لا يستطيع الحركة
وبغصة اخترقت نبرات صوتها، لتتابع قائلة :"للأسف بعد أقل من عام توقفنا عن إرساله لهذه الجمعية لمصاريفها وتكلفة المواصلات التي لا نقوى على دفعها.. والده عاطل عن العمل منذ سنواتٍ طوال.. وأحوالنا الاقتصادية والمادية قاسية للغاية".
وبأسى أكدت أنهم غير قادرين على توفير أقل احتياجاته، وحتى كرسي متحرك يساعده على التنقل والحركة لم نستطع إحضاره له، أضافت: "مصاريف علاجه كثيرة ويستهلك ملابس بشكل كبير لأنه يتحرك إما زحفاً أو تسلقاً.. بسبب عدم وجود كرسي متحرك يساعده في الخروج والتحرك".
والقهر يملأ صوتها نوهت إلى أن أقصى أحلام يوسف أن يملك كرسيا كهربائيا ليتحرك به كيفما شاء دون مساعدة أحد من أشقائه أو الجيران " فهو حساس جداً ولا يحب أن يقدم له أحد المساعدة.. ويكره نظرات الشفقة في عيون الآخرين.. فأحياناً ينزوي في البيت ويرفض الخروج ويجلس أمام التلفاز بساعات ويبكي ويتحسر على نفسه".
وعن إمكانية تركيب أطراف صناعية له قالت :"بعد أن تم بتر ساقيه تم تحويلنا لمستشفيات إسرائيلية ليكمل العلاج هناك لعدم توفرها في القطاع وأبلغنا الأطباء عن إمكانية تركيب الأطراف ولكن الأمر يحتاج لعدة عمليات ونحن لا نقوى على تحمل مصاريفها والعلاج".
وأشارت أم يوسف إلى أنها طرقت أبواب العديد من الجمعيات الخيرية والمؤسسات المعنية بتأهيل المعاقين لتأمين كرسي كهربائي له يساعده على سهولة التنقل ولكن لم تتلقى سوى الوعود والتمنيات لابنها بالشفاء.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75002
