الدكتور عصام يوسف خلال مشاركته في برنامج في العمق
شدد الدكتور عصام يوسف – نائب رئيس الصندوق الفلسطيني للإغاثة والتنمية (انتربال)- على أن الحرب الأمريكية والدولية على العمل الخيري الإسلامي قد باءت بالفشل، بل وتسببت بكارثة انسانية كبرى، فهذه الحرب التي جاءت تحت مسمى "محاربة الارهاب" لم تمنع ارهاباً، فقد ازداد مستوى الإرهاب خلال الأعوام الماضية، وهو ما يؤكد بأن مؤسسات العمل الخيري ليس لها يد في دعم الإرهاب.
وأشار يوسف خلال استضافته في برنامج "في العمق" الذي تبثه قناة الجزيرة الفضائية، حيث تناولت حلقة الأسبوع الماضي منه الحرب الأمريكية والغربية على العمل الخيري الإسلامي، "بأن مؤسساتنا الخيرية وباقي مؤسسات العمل الخيري قد جاءت لمساعدة الإنسان وانقاذ حياته، وكانت دوماً تعمل ضمن الأطر القانونية، بينما لم يلجأ من أعلنوا الحرب إلى القضاء بل إلى تسييسه، وإلى عدد من القوانين الإدارية التي تعطي صلاحيات لرئيس دولة أو رئيس وزراء او وزير داخلية دون أن يكون لها مستند قانوني وانما تعمل بشكل قائم على الشك والظن في عمل المؤسسات الخيرية".
وأوضح الدكتور يوسف بأن هذه القرارات كانت تعطي المسؤولين الحق في تجميد أعمال الجمعيات الخيرية بقرارات قائمة على الظن على أمل إحالتها للقضاء، وفي أغلب الحالات لم تحال هذه المؤسسات للقضاء، بل أنها عندما كانت تحال لجهات قضائية كان الإنصاف من نصيبها.
وخلال رده على سؤال حول الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية ونفذتها عدد من الدول العربية على الأرض، ومدى تأثيرها على العمل الخيري في العالم الإسلامي، قال الدكتور عصام يوسف بأن تأثيراتها كانت في المجمل سلبية، وللأسف الشديد فإن الحكومات العربية تلقت تعليمات أمريكية، ولم تحاول هذه الحكومات أن تستجمع قواها وتفخر بما أنجزته مؤسسات العمل الخيري، حيث أن هذه المؤسسات لها دور مشرف، وقد رفعت أسهم هذه الحكومات في مختلف بقاع الأرض من خلال إغاثتها للشعوب، ما أكسبها احترام وثقة هذه الشعوب ودولها، وما أرادته الولايات المتحدة هو نزع هذه الثقة وزعزعة المصداقية والسمعة الطيبة التي تميز بها العمل الخيري والإغاثي العربي والإسلامي.
وأوضح يوسف بأنه ليس من أهداف العمل الخيري العربي والإسلامي شراء عقول وقلوب الناس كما تفعل عدد من المؤسسات الخيرية الأمريكية والأوروبية، حيث أن مصادر دعم المؤسسات الغربية هو حكوماتها، لذلك فهي تهدف من خلال جهودها لتنفيذ أجندات سياسية لغرض شراء قلوب وعقول الناس، وهذا ما تتهم الولايات المتحدة الأمريكية مؤسسات العمل الخيري الإسلامي القيام به بعد فشلها في أيجاد أي سند قانوني يثبت تورطها في دعم الإرهاب.
سياسة متناقضة
ولفت الدكتور يوسف النظر إلى سياسة المنع والتضييق وعدم منح الرخص التي تواجهها الجمعيات الخيرية في الدول العربية، في الوقت الذي يزدهر فيه عمل نظيراتها في أمريكا واوروبا والدول الغربية، مشيراً بأن هذه السياسة المتناقضة تهدف لضرب العمل الخيري الإسلامي ما سينشأ عنه اتساع رقعة الفقر في الدول العربية والإسلامية وبالتالي تغذية أعمال الإرهاب.
وفي سياق متصل يؤكد الدكتور عصام يوسف بأن الدول العربية وعلى اعتبار أنها دول متشددة أمنياً، فالرقابة على العمل الخيري فيها موجودة وغير غائبة، كما أن مؤسسات العمل الخيري في الدول العربية تتميز في غالبها بالنظام والمصداقية والمحاسبية والشفافية..
وأوضح بأنه على الرغم من ذلك لا يتم الحديث في بريطانيا وأوروبا عامة عن مؤسساتها الخيرية، بل ينصب الحديث والاتهام للمؤسسات العربية والإسلامية حتى وان كانت تتخذ من دول أوروبية مقراً لها، وخاصة الداعمة منها للمنكوبين في مناطق الصراعات والاحتلال من العالم كفلسطين والصومال وباكستان ..وغيرها، ما يثبت أن هذه الاتهامات سياسية وليست قانونية وهذا ما حدث مع الانتربال كمثال.
وأكد الدكتور عصام بأن الحرب على مؤسسات العمل الخيري الإسلامي في النهاية هدفها هو الإقصاء والإحلال، وهذا ما يظهر جلياً في الحالة الفلسطينية حيث يتم إفقار وتجويع الشعب هناك، والأرقام تشير إلى ما يزيد عن 80% من الشعب الفلسطيني تحت خط الفقر، فيما تتم سياسة التجويع هذه بهدف تركيعهم وإخضاعهم وسلبهم لقرارهم الوطني.
للحرب غايات أخرى
وفي رده على سؤال حول ما اذا كانت قد تسربت أموال للجماعات الإرهابية عبر العمل الخيري، وقيام الحرب على الإرهاب بخفض أعمال العنف التي تمارسها، أكد ضيف البرنامج خالد الفواز – أمين عام المنتدى الإسلامي – بأن أعمال العنف لم تقل بل ازدادت وأصبح هنالك بؤر عنف كالتي في الصومال واليمن والعراق وفي لبنان والمغرب العربي، وأخرى خارج الوطن العربي كباكستان والهند على سبيل المثال، وما حدث هو العكس فالإنسان يقدم واجبه الانساني في المساعدة والإغاثة عبر السبل القانونية فإن أغلقت هذه السبل سيسعى هذا الانسان للبحث عن سبل أخرى، قد لا تكون شرعية وستكون عواقبها غير محمودة.
وأضاف الفواز بأن هذا يثبت ان الحرب على مؤسسات العمل الخيري الساعية لتجفيف منابع الإرهاب قد أتت بنتائج عكسية، فقد زادت من قوته حين منعت المؤسسات الخيرية من أداء رسالتها وفتحت طرقاً متشعبة أدت ربما لوصول أموال المتبرعين بعلمهم أو بدون ذلك إلى الجماعات الإرهابية.
وقال الفواز بأن الحرب على مؤسسات العمل الخيري رفعت شعار الحرب على الإرهاب إلا أنها وظفت لغايات عديدة منها كبح جماح منافسة مؤسسات العمل الخيري الإسلامي لنظيرتها الغربية، حيث ان عمل هذه المؤسسات يتمدد ويتسع رغم قلة إمكاناته ورغم محدوديته، وفي المقابل فإن العمل الخيري الغربي رغم ضخامة إمكانياته إلا انه يواجه فشلاً في أماكن عديدة من العالم.
وحول تأثر مؤسسات العمل الخيري الإسلامي بسياسات التضييق على عملها ألمح الفواز إلى أن درجة التأثر قد تفاوتت من بلد لآخر، فالبعض منها انخفض فيه عدد الجمعيات المرخصة حديثاً بشكل كبير وملحوظ، وبعضها منع من القيام بالتحويلات المالية، والآخر قام بتقييد عملية جمع التبرعات, وأشار في ذات الإطار بأن عملية تنظيم عمل المؤسسات الخيرية لا يعني إعاقة عملها وهذا ما حدث بالفعل تحت مسمى تنظيم العمل الجمعيات الخيرية، ما أدى إلى تضرر المستفيدين من العمل الخيري من الفقراء والمحتاجين والمنكوبين ..الخ، بالإضافة إلى قطع عملية التواصل بين الشعوب، وبالتالي يعد ذلك خسارة كبيرة للدول أيضا.
وقال الفواز بأنه من الممكن إتخاذ التجربة البريطانية كإحدى نماذج تنظيم العمل الخيري، حيث أشار إلى ان المفوضية البريطانية للعمل الخيري عمرها يقرب الـ 150 عام، ولم يسبق لها خلال عمرها المديد أن جمدت أو أغلقت مؤسسة للعمل الخيري والتطوعي، واعتبارها لهذه المؤسسات كمكتسبات للشعب والمجتمع، إلا انها تعد في ذات الوقت من أشد الجهات متابعة ومراقبة لعمل المؤسسات الخيرية بشكل منصف وقانوني.
وحول ما يجب اتباعه من سياسات تنظيمية في الدول العربية لعمل المؤسسات الخيرية يشير الفواز إلى أن الرقابة يجب ان تحصر في ثلاثة أطراف وهي الجهة الحكومية المختصة في الدولة، والمتبرع، بالإضافة إلى المستفيد من هذا التبرع، حيث أن هذا النظام متبع في الدول الغربية. وأما السياسات التنظيمية الأخر فتتركز في بناء هياكل المؤسسات الخيرية، وإيجاد اجراءات داعمة لهذه المؤسسات للقيام بعملها، والاعتراف بها ككيان لا يمكن المس به.
وفيما يتعلق بحجم العمل الخيري في الدول العربية عنه في إسرائيل يوضح الفواز بأنه في عام 1999 كان عدد الجمعيات الخيرية في اسرائيل إلى 27 ألف جمعية، وفي عام 2007 وصل عددها إلى 40 ألف جمعية، بمعدل نمو لا يقل عن ألف جمعية تسجل سنوياً، ما يعني أن كل 175 شخص في إسرائيل يحظون بجمعية خيرية تطوعية واحدة، في الوقت ذاته هنالك جمعية واحدة لكل 60 ألف مواطن في دول الخليج العربي قاطبة.
لا أدلة قانونية
وخلال استضافته في البرنامج أشار ويندل بيلو – رئيس جمعية أصدقاء المؤسسات الخيرية – في رده على سؤال حول ظهور ما يثبت علاقة المؤسسات الخيرية الإسلامية بدعم الإرهاب، بأنه لم يثبت أية أدلة تفيد بضلوع هذه المؤسسات في دعم الإرهاب، وأكد بأن في الولايات المتحدة كان هنالك في حقيقة الأمر محاكمات للمؤسسات الخيرية وليس لدعمها الإرهاب، وهذا ما حدث مع مؤسسة "الأرض المقدسة"، بينما لم تظهر الحكومة الأمريكية أي دليل يثبت وبشكل رسمي وقاطع أي علاقة لها بدعم الإرهاب.
وأضاف بيلو بأن الولايات المتحدة تخلت في هذا الإطار عن العمل بالقانون، وأنها قامت بالإساءة لمؤسسات العمل الخيري الإسلامي، وقد جعلت هذه السياسات العالم أقل أمناً، فقد أدارت ظهرها لأصول المحاكمات القانونية وأحقية أي متهم في الدفاع عن نفسه، بل اعتمدت على أدلة سرية وأشخاص تم تقديمهم كخبراء في العمل الخيري الإسلامي، ولكن في حقيقة الأمر لم يكونوا خبراء بل كانوا أعداء للعمل الخيري الإسلامي، بل وللإسلام بحد ذاته.
وحول ما تعرضت له مؤسسة الحرمين الخيرية السعودية من تضييقات أشار بيلو بأن الولايات المتحدة كانت تصر على تقويض عملها ليس بسبب دعمها لأعمال الإرهاب وإنما لأسس أخرى وهذا ما ظهر أثناء جمع الأدلة والتحقيقات في قضيتها، ما أدى إلى إغلاقها دون ذنب يذكر.
أما فيما يتعلق بشبهة التسييس في العمل الخيري الإسلامي من وجهة نظر بيلو فيقول بأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يستجب للدعاوى المطالبة بتغيير سياسات سلفه جورج بوش ورفع القيود عن العمل الخيري الإسلامي، وأضاف بأن ذلك من شأنه ان يجعل هذه السياسات تستمر بإلحاق الضرر بالعمل الخيري والمدني، رغم مساعينا في هذا الإطار من خلال طرحنا لوجهة نظرنا ولقائنا بالرئيس أوباما، إلا أن الإدارة الأمريكية لا تزال ترفض إبداء الرد حول أية إصلاحات قمنا باقتراحها في هذا المجال.
وعرض خلال البرنامج تقرير يقدم الصندوق الفلسطيني للاغاثة والتنمية – انتربال، ومقره لندن، كنموذج للمؤسسات الخيرية التي عانت من الحرب الأمريكية على العمل الخيري الإسلامي، حيث استُهدفت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وذلك بالتضييق عليها قضائيا عبر رفع دعاوى قانونية متهمة إياها بدعم أنشطة إرهابية في فلسطين، إلا أنه تم تبرئتها في نهاية المطاف من جميع التهم المنسوبة إليها.
لمشاهدة باقي الأجزاء
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75100
