عائلة السيدة هناء
رغم أن الشتاء قد أتى إلى لبنان متأخرا ً هذا العام، إلا أنّ اللبنانيين استبشروا خيرا ً بالأمطار المدرارة، أما الفقراء في مخيمات لبنان فقد جاء الشتاء ليضيف لهم جرعة جديدة من الآلام التي تجتاح حياتهم المجبولة بالفقر والحرمان والمآسي.
انعدام في توفر أساليب التدفئة من دفايات ومحروقات وملابس شتوية وبطانيات، وعدم صلاحية المنازل التي يسكنونها بفعل تسرب مياه الامطار والبرد القارس من فتحات الشبابيك والأسقف والحيطان.
"نافذة الخير" حاولت من خلال جوله لها داخل هذه المخيمات زيارة بعض المنازل لتنقل وقاعها وترسم بعضا من صور الدفء المفقود فيها.
دعاء ما قبل النوم
"صدقيني لا أشعر بالبرد، فالهموم كافية في ان تلسعني بنيرانها، لكنني قلقة على طفلتيّ.. فقد خسرتا حماية الأب، وكانتا في الليل تبكيان بسبب البرد القارس.. لا أعرف ماذا أفعل.. لدينا بطانية واحدة، لكنها رقيقة ولا تكفي لتدفئة طفلتيّ"، كلمات قالتها السيدة "هناء" من أحياء صيدا القديمة، وهي امراة مطلقة تربي طفلتين صغيرتين في منزل هو عبارة عن غرفة صغيرة من دون حمام أو مطبخ.
طفتلها "آية" تقول :"كنتُ أقوم بالدعاء قبل النوم أن لا تمطر السماء. اعرف أنّ هذا الدعاء خاطئ، لانّ المزروعات لن تنمو من دون امطار، لكنني أخاف من المطر كثيرا ً، خاصة في الليل، حيث يدخل من فتحات الشباك، ويلسعنا الهواء البارد".
تأثرت الام بكلام ابنتها، فترقرقت الدموع في عينيها، وقالت :"ذهبتُ إلى سوق البالة لاشتري لهما بعض ملابس الصوف والمعاطف للمدرسة، لكن أسعار البالة ارتفعت.. فأنا لا أستطيع العمل بسبب المرض، ولا معيل لديّ بعد أن تخلى والدهما عنا. كيف لي أن أصف شعوري عندما سمعتُ صوت المطر يطرق على الشباك.. شعرتُ وكأنّ هموم العالم تدق فوق رأسي".
مشاجرة حول البطانيات
عائلة عبد الكريم
أما "عبد الكريم" (14 سنة) من مخيم نهر البارد، وهو البكر بين اخوته الخمسة الذين يعيشون مع أب مختل عقلياً، يقول: "توفيت والدتي في فصل الشتاء منذ سنوات.. لذا الشتاء يذكرنا بفقدان والدتي.. تركتنا وحدنا بلا أحد.. فهي التي كانت ترعى المنزل.. وكانت ترعى والدي المريض واخي المعوق.. لكننا الآن نشعر بأننا بلا أحد.. كانت تخيط لنا كنزات من الصوف لنتدفأ في الشتاء.. وكانت تجلب الحطب وتدفئنا به.. لكننا الآن نشعر بالبرد الشديد.. لا أحد يهتم بنا".
أسرة "غنومي" واحدة من الاسر التي تدمّر منزلها خلال حرب مخيم نهر البارد، ويعيشون حاليا ً في مرآب للسيارات لا يصلح للسكن، والرطوبة تجتاح حيطانه المتشققة.
ويتابع قائلاً: "ليس لدينا بطانيات كافية. في الليل نتشاجر على بطانيتين ممزقتين لا تكفيان 7 أفراد. الشتاء من أقسى الاشهر بالنسبة لنا".
القلوب الدافئة
الحاجة السبعينية "انشراح اسماعيل بلييس" من بلدة يافا، تعيش في مخيم برج البراجنة في بيروت، تغوص في خيالها وتقول :"كم هي جميلة يافا ببساتين حمضياتها وبيارات الليمون ومصانع الصابون النابلسي.. كنا نلقب فصل الشتاء بالشايب لأن الارض كانت تكتسي بالبياض بسبب الثلوج..
تضيف بمرارة: "لو اننا الآن في بلدنا لكان هناك مَن يسأل عنا بشكل دائم.. في الزمان كانت روح التعاون منثورة بين الناس أكثر من الآن.. لم يكن الفقير يشعر بالبرد لأنه كان هناك دائما ً من يطرق بابه ويتصدق عليه بالحطب والملابس والطعام. كانت القلوب دافئة.. لكنها الآن باردة كالثلج البلاستيكي الذي لا يذوب ابداً .. أقول للفلسطينيين في دول الاغتراب أنّ أهالي مخيمات لبنان يحتاجون إلى لفتة كريمة خلال فصل البرد والعواصف".
فجأة تبتسم بعذوبة وتحكي لنا مثلا ً شعبيا ً كان متداولاً في فلسطين حول فصل الشتاء فتقول: "في كانون كن وعلى الفقير حن".
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75153
