مخيم بلاطة.. معاناة اللجوء تزينها تضحية الشهداء

المخيم يعاني من نقص الخدمات

بيوت متلاصقة.. وأطفال يبحثون عن مكان للعب.. تختلط الأصوات هناك.. باعة متجولون، وآخرون وجدوا مكانا صغيرا لهم بين الزقاق لفتح محل لبيع الملابس أو حاجيات الأطفال والألعاب البسيطة.. بينما تجلس النسوة على أعتاب بيوتهن.. بحثا عن أشعة الشمس.. أو قليل من الهواء الذي لا يدخل تلك البيوت.
 
صورة تكاد تشبه في تفاصيلها حياة أناس يعيشون في زمن النسيان.. أصبحت قضيتهم تباع وتشترى في المحافل الدولية، وحقهم بالعودة لأراضيهم المحتلة باتت قضية فيها وجهة نظر!.
 
هي إذا قصة مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين الذي يقع شرق مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، ويعد أكبر مخيم للاجئين داخل فلسطين المحتلة، حيث تحتضن أزقته وشوارعه الضيقة أكثر من 23 ألف لاجئ، يسكنون بمساحة كيلو متر مربع، هي ذاتها المساحة التي أنشأ عليها المخيم منذ عام 1967م.
 
لكن الأجيال التي طردت من أرضها، زرعت أمل العودة لمن بعدها من أجيال، فالحاج أبو نايف (80 عاما)، أكد على تمسكه بمفتاح بيته الذي طرد منه عام 48 في يافا، وأنه لا زال يملك الأوراق الثبوتية التي تثبت ملكيته لمئات الدونمات من بيارات البرتقال.
 
ويقول أبو نايف :"مهما طالت السنوات فأملي أن نعود لأرضنا بيافا.. وإن رحلت عن الدنيا فأبنائي وأحفادي يحلمون بيوم العودة.. وسيبقى هذا الأمل مزروع في وجدان كل طفل فيهم".
 
ويضيف: "حياتنا في المخيمات ليست حياة.. بيوتنا تملأها الرطوبة، ومتلاصقة وضيقة، لا تدخلها أشعة الشمس، هذا عدا عن الفقر الذي يحرم الكثيرين منا من شراء بيوت خارج المخيم".
 
تقليص خدمات الأونروا
ولا يكفي حرمان سكان المخيم من حق العودة لديارهم، بل تتكالب عليهم الصعاب، فها هي معااتهم تزداد بعد أن قلصت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" من خدماتها المقدمة لهم، حيث كان الكثيرون منهم يعتمدون على المواد التموينية التي تقدمها الوكالة منذ سنوات طويلة.

أبو أحمد "55 عاما" والد لستة أبناء، منهم من يدرس بالجامعة ومنهم ما زال على مقاعد المدرسة، يقول لـ"رسالة الاسلام": "منذ أن قلصت الأونروا من خدماتها المقدمة لنا ونحن نعيش وضعا صعبا، فهي بدأت بتقليص المواد التموينية وبعدها قلصت عدد المرات التي توزع بها على المواطنين.. والان باتت خدماتها شحيحة جدا، ونادرا ما تقدم مواد تموينية".
 
ويضيف: "الأونروا مسئولة عنا، فهي أُنشئت لإغاثة المهجرين من أراضيهم، وعليها أن تقدم كل ما بوسعها لنبقى صامدين وقادرين على مواصلة حياتنا بشكل طبيعي، خاصة وأن هناك عائلات فقيرة جدا كانت تعتمد بشكل كلي على المواد التموينية التي كانت توزعها الأونروا".
 
أما أطفال المخيم فلهم معاناة خاصة، حيث لا يجدون أماكن للعب واللهو، فلا متنزهات أو ملاعب لقضاء أوقات فراغهم، ولا يجدون مكان للعب الكرة إلا في أزقة المخيم الضيقة، التي لا يتجاوز عرضها المترين.
 
"لا مكان لنا، لا مكان للراحة ولا للتنزه ولا للعب، لا شيء جميل هنا"، هكذا وصف الطفل قصي "12 عاما" حياته داخل المخيم، وقال : "إذا أردنا أن نلعب لا نجد مكانا مناسبا، وإن وجدنا فلا أحد يسمح لنا باللعب أمام بيته لأننا نزعجه؛ لذلك أصبحنا نفضل الجلوس في البيت أمام التلفاز".
 
مشاكل معيشية

اكتظاظ المساكن يخلق حالة من المعاناة

بدوره أبدى رئيس لجنة الخدمات في مخيم بلاطة للاجئين أحمد ذوقان استياءه من تردي الأوضاع المعيشية داخل المخيم، وقال :"المخيم يعاني من استفحال المشاكل المعيشية بسبب الانفجار السكاني الحاصل في مساحة كيلو متر مربع لم تتغير من عام 67، وهذا يسبب بمشاكل صحية ونفسية لا حصر لها".
 
واستنكر ذوقان تقليص الخدمات التي كانت تقدمها الأونروا لأهالي المخيمات، وأوضح قائلا: "الوكالة قلصت خدمتها المقدمة للاجئين بنسبة 70%، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الصحية والإغاثية، كما تم تقليص المواد التموينية التي كانت تقدم للأمهات الحوامل والمرضعات والمواليد الجدد، ويتم الاكتفاء بتوزيع تلك المواد على عدد قليل من الأسر المحتاجة، وفي فترات متباعدة".
 
وكانت وكالة غوث اللاجئين تنفذ مشروعا لتشغيل العاطلين عن العمل، لكنها قامت مؤخرا بتقليص مدة تشغيلهم من ثلاثة شهور إلى شهر واحد، كما تم تقليص أعداد المستفيدين من هذا المشروع من 500 شخص إلى 300، ما ضاعف من حجم المعاناة".
 
ولفت ذوقان إلى وجود تقليصات في التحويلات الطبية للمستشفيات التابعة للوكالة من 75% إلى 50%، كما تم إلغاء بعض التحويلات المتعلقة بأمراض القلب، والأنف والأذن والحنجرة وغيرها، مما يثقل كاهل اللاجئ بشكل متزايد.
 
وأكد أن أهالي مخيم بلاطة يعانون أوضاعا سيئة، إلا أنهم يرقبون اليوم الذي سيعودون فيه لأراضيهم وبيوتهم الأصلية في يافا وحيفا واللد والرملة، وقال: "نحن ننظر للمخيم بأنه محطة مؤقتة في حياتنا.. لكن ذلك لا يعني أن تهمش هذه المخيمات ولا تجد من ينهض بها وبأهلها لمستوى معيشي أفضل".
 
نموذج للتضحية
وعلى الرغم من ظروف المعيشة الصعبة إلا أن أهالي المخيم قدموا أروع قصص البطولة والفداء في مواجهة الاحتلال الصهيوني، فخرج من زقاق المخيم قادة عظام، رووا بدمائهم الأرض التي جاهدوا من أجلها.
 
وكان مخيم بلاطة من أوائل المخيمات التي أطلقت الشرارة الأولى لانتفاضة الحجارة عام 1987م، كما أنه قدم المئات من الشهداء على مر السنوات، وخاصة في انتفاضة الأقصى التي انطلقت عام 2000م.
 
ولا يكاد أحد جدران المخيم إلا وقد وضعت عليه صور للشهداء والأسرى، بينما بني قبل سنوات مجسم كبير وسط المخيم يحمل أسماء شهدائه، حيث أصبح معلما بارزا من معالم المخيم ووسام يفتخر به سكانه.
 
ومن داخل زقاق المخيم المعتمة، سطرت أسماء المئات من الأسرى الذين اعتقلوا داخل سجون الاحتلال بتهمة مقاومة الاحتلال، حيث يمضي العشرات منهم بأحكام مؤبدة وآخرين لمدى الحياة.
 
المصدر: شبكة رسالة الإسلام