الأسير إياد العرعير
" السجن مدى الحياة" أقسى النهايات وأصعبها على عائلة الأسير حيث تستيقظ العائلة على واقعٍ يُخلفها على قارعة الذهول لا يدرون من الذي ذهب هو أم هم ؟؟ ويبقى الأسير يُحاصرهم بذكريات أنفاسه ونفحات عطره وأصوات ضحكاته ويموتون ألف مرة وهم يتساءلون لماذا ذهبوا ويردعهم إيمانهم بالله وقدره!
بصوتٍ يعود بذاكرته إلى الوراء ما قبل ثمانية عشر عاماً بدأت أم إياد تروي لـ"نافذة الخير" حكاية اعتقال ولدها وقرة عينها :" كان إياد يدرس في الجامعة الإسلامية بكلية الشريعة في عامه الدراسي الأول و كان عمره 19 عاماً، وفي صباح أحد الأيام من عام 1993 ذهب إلى جامعته وخرج كعادته وهو يطلب مني الرضا والدعاء ولما تأخر بدأ القلق يتسرب لقلبي وعندما اقتربت الشمس من المغيب خفت أكثر".
وهنا تصمت لحظات لعل ذاكرتها تُسعفها بفصول تلك الأحداث، تتنهد ثم تتابع :" قبل المغرب بساعاتٍ قليلة اقتحمت قوات من الجيش الإسرائيلي بيتنا وسألوني : أين إياد أين ابنك فأجبتهم بأنني لا أعرف ."
تدمير البيت
وبالطبع لم يقتنع الجنود بالحكاية وأخذوا يعيثون في أرجاء المنزل الفساد قلبوه رأساً على عقب لم يتركوا شيئاً على حاله وخرجوا تاركين حولهم ألف علامة سؤال وتعجب، وفي الليل جاءت جرافات الاحتلال محملة بالحجارة والحديد فوضع أهل إياد أيديهم على قلوبهم , نادى مكبر الصوت يأمرهم بالخروج وأخذ حاجياتهم.
وهنا تروي لنا الأم التي صدمها المشهد الماثل أمامها تلك اللحظات قائلة :" من شدة الارتباك لم نعرف ماذا نأخذ قلت لأولادي اتركوا ملابسكم لا نريدها هاتوا أهم ما لدينا ولنترك كل شيء, كنت أظن بأنهم سينسفون البيت ولكن فجأة أخذوا يردمون الغرف بالحجارة ويُغلقون الأبواب ولم يتركوا لنا غير الدرج والمساحة التي حوله التي استخدمناها فيما بعد مطبخ لنا وسكنا في الخيمة ." ولأن الخوف كاد يقتلها على إياد صرخت بالجنود : لماذا تفعلون بنا ما تفعلون ؟
فجاءتها عبارة ساخرة من أحدهم ألا تعرفين أن ابنك قتل جندي وأراد أن يُفجر نفسه بنا .
ألم وعذاب
كلمات ما أن سمعتها الأم حتى شعرت بأنها على وشك الانهيار لم تصدق فابنها كان عاقلاً كما تقول لدرجة أنه لا يستطيع قتل بعوضة وبدأت دموع قلب الأم تسيل وفي عقلها يدور سؤال : كيف حال إياد وأين هو وماذا فعلوا به.
وفي الصباح الباكر وبعد أن انتهى الجيش من مهمته ذهبت الأم لتسأل عنه في سجن أنصار في مركز السرايا بغزة ووجدت أمامها كل الأبواب موصدة حيث لا خبر وبقيت على هذا الحال ثلاثة أشهر متتالية لم تسمع فيهم غير معلومة ضاعفت من ألمها، إذ خرج أحد المعارف من السجن ليصف لها عذاب إياد وعن ذلك تخبرنا :" خرج أحدهم وأخبرني أن ملامح وجهه لا تكاد تُرى من شدة التعذيب ولا يستطيع الحركة فأحزنني ما سمعت وذهبت للسؤال عنه فقالوا لي لقد تم نقله إلى سجن المجدل ."
وتواصل الأم حديثها : " في أول زيارة رأيته فيها بعد الاعتقال بدا صامداً كنت أسأله عن التعذيب وحالته فيجيبني : قدر الله وما شاء فعل والحمد لله على كل شيء ."
وبدأت سلسلة من جلسات المحاكمة التي حكمت على إياد بالسجن مدى الحياة وهنا تذكر أمه أنه قابل حكمه بابتسامة كبيرة وتقبل الأمر برحابة صدر .
ومرت الأعوام عاماً وراء عام لتضغط الأم على شريط الذكريات حتى يتوقف وتصحو على ألم الواقع حيث نحن الآن ؟ ما أن سألتها كيف مرت الـ 18 عاماً حتى خرج صوتها من حنجرةٍ تعلو نبراتها المرارة والدموع التي كانت كافية للإجابة :" كيف مرت آه مرت وأنا في عذاب لقد ذهب رأس قلبي ونور عيوني لقد ترك فراغاً كبيراً في قلبي وفي البيت ."
ممنوعة من الزيارة
والحزن تشتد نوباته على الأم هذه الأيام حيث رفعت سلطات الاحتلال في وجهها عبارة ممنوعة أمنياً، وبلهجة حزينة تقول :" أشعر بأني سأموت قبل أن أراه فرؤيته الهواء التي أتنفس بها وسماع أخباره هي ما يقويني فمنذ خمسة أعوام لم أزره ولم أرى صورته حسبي الله ونعم الوكيل على الظالمين."
ومن وسط جراحتها همست الأم في أذن ولدها :" مهما طال عذاب السجن لابد أن يأتي الفرج والله يُمهل ولا يهمل ."
حنين الإخوة
وفي لقاء مع أخته الجود العراعير أخبرتنا عن بعض صفاته قائلة :" لقد كان حنوناً وطيبا أذكره كيف كان يُعامل أمي وأبي برقة ولطف وكيف كان يُعاملنا يشتري لنا الحاجات ويلاطفنا في كل لحظة نتذكره لا تمر ثانية دون أن تهفو قلوبنا له ."
وأما أخوه حسين فقد قال :" لقد ترك فراغاً كبيراً في البيت وخلف وراؤه ذكريات جميلة لا تزال تعيش بيننا أذكره كيف كان يحثنا للصلاة وقراءة القرآن والذهاب إلى المساجد , لقد اشتقنا إليه كثيراً ."
وكغيرها من أمهات الأسرى تحلم أم الأسير إياد أن يمن الله على ابنها بالخروج من سجون المـوت وأن يتنسم عبير الحرية وتعلق الآمال والأحلام في انتظار أن يعود الغائب وأمام الحديث عن صفقة تبادل الأسرى يرتفع سقف الأمنيات لدى والدة الأسير إياد ولسان حال قلبها يُردد :" يارب … أمطر على قلوبنا الفرح ".
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75206
