زوجة الأسير (نافذ حزر).. 26 عام من الألم والانتظار

عائلة الأسير نافذ حزر

أحكام عالية ومؤبدات ينطق بها السجان الإسرائيلي، حينها لا يتوقف الأمر عند ذهاب الأسرى إلى غياهب الزنازين وارتمائهم خلف قضبان الموت؛ بل يصطحبون معهم عائلاتهم ليموتوا على قيد الحياة ويقتاتوا نار الفقد ويعتاشوا على فُتات الأمل والصبر.
 فالذين يُسجنون ليسوا هم التعساء، بل الأتعس والأشقى أولئك الذين يُتركون خلفهم معطوبي الأحلام وثكلى مع وقف التنفيذ.
فمن الصعب على زوجة الأسير أن يتركها رفيق دربها ترقب حلم عمرها يموت ببطء أمام عينيها، وتشاهد زوجها تأكله قضبان الزنزانة، ولكن الأصعب والأقسى أن تصارع أمواج الحياة بصحبة صغارٍ يحتاجون لرفقة وحنان أب يستندون إليه لو عصفت بهم الحياة.
"نافذة الخير" عاشت مع زوجة الأسير "نافذ حرز" – المعتقل منذ 26 عاماً والمحكوم عليه مدى الحياة الأسرى- لتنصت لحنينها وتلامس صمودها ووفاءها…
 
ستة وعشرون عاماً
 
وبوجه ملائكي شارد قابلنا زوجة الأسير "نافذ حرز" ذات الخمسين خريفاً كانت ترتدي الصبر وتتحلى بالأمل، مؤكدة أنها تستمد القوة والعزيمة من زوجها الذي يعاني الأمرّين في السجن؛ فهو صامد وصابر رغم تقدمه بالسن، وإرادته قوية وعزيمته حديدية لا تلين.
بنبراتٍ أنهكها الشوق قالت": " منذ ستة وعشرين عاماً وبابي موارباً أنتظر عودته في أي لحظة.. وفي كل سنة جديدة أقول ربما هذا العام يخرج ويحمل عن كتفي حملاً ثقيلاً قسم ظهري".
وأوضحت أن زوجها قبل اعتقاله كان يحاول أن يهيئها لتحمل تبعات اعتقاله وغيابه، ويطلب منها الصبر والثبات، وتحمل مسئولية الأولاد؛ حيث تقول: "كان يتوقع اعتقاله بأية لحظة، وكان يختطف أوقات الفرح من الزمن، فيحاول أن يصبرني، ويقول لي: (غدا ستبحثين عني في كل أرجاء البيت ولن تجديني بجوارك).. ولم أكن أصدقه".
وبعد تنهيدةٍ طويلة مضت تقول: " وها هو قيد الاعتقال منذ ما يزيد عن ربع قرن ومرت ثقيلة كجبل وبطيئة كسلحفاة.. وكلما لاح طيفه أمامي أحزن كثيرًا على فراقه، لكني لا أستطيع أن أقدم له إلا الدعاء بالفرج ليعود لأولاده ولبيته.. والفرج قريب بإذن الله".
نظرت إلى صورته طويلاً وبصوت الألم همست: " ماتت والدته وطيف "نافذ" يلوح بين عينيها واسمه يتردد على شفتيها.. كانت أقصى أمنياتها بأن يودعها, وتحفه بالرضا قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.. ولكن الأقدار أغلقت صفحتها بسرعة ورحلت..".
وبين الفينة والأخرى يفقد أحد الأسرى الفلسطينيين أباءهم وأمهاتهم أو أحد ذويهم؛ المحرومون من رؤيتهم منذ سنواتٍ عديدة حيث تختطفهم أنياب الموت وقد فرقت بينهم قضبان الزنازين الإسرائيلية.
أيام ثقيلة
 
"كالحـلم مرت الستة وعشرون" بتلك الحروف الموجعة وصفت غياب زوجها عن البيت: " طوال تلك السنوات كنت أتنفس الألم والغياب.. وأقتات فتات الفقد والصبر.. أخذوه عنوة من وسط أولاده ولولا رضائي بقدر الله وصبري على بلائي ما استطعت احتمال غيابه".
بمرارة تضيف: "لقد تركني برفقة ستة أبناء أكبرهم لم يتجاوز من العمر سبعة سنوات والأصغر مازال جنيناً لم يرى النور بعد.. وهم الآن كبروا وتزوجوا وأنجبوا الكبرى.. ".
ومبينة أن رحلة الشقاء والمعاناة بدأت منذ لحظة اعتقاله؛ فكانت الأب والأم في آنٍ واحد، وتحملت عبء الحياة ومسؤولية الأبناء وحيدة.
وهي تعود بشريط ذاكرتها للوراء أضافت:  "بعد صدور الحكم على زوجي بمدى الحياة أُصبت بصدمة كبيرة لم أقوى على احتمالها ولازمت الفراش طويلاً.. فلم أكن أعرف كيف سأربي أولادي وحدي دون سند أو مرشد.. فالحياة صعبة".
وبصوت يقطر ألماً استدركت: " وبعد أن استوعبت الصدمة وتقبلت الأمر الواقع.. عاهدت الله وزوجي أن أنتظره حتى يعود وأن أربي أبنائي تربية يفخر بها… وكل ليلة كنت أقوم الليل وأقرأ القرآن وأدعو الله أن يمدني بحبائل الصبر وأن يفرج عن زوجي قبل أن أموت".
وذكرت إحصائية لوزارة شئون الأسرى والمحررين أن عدد الأسرى المتزوجين الذين يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي في ازدياد حيث بلغ عددهم 2535 أسيرًا أي بنسبة 25.1% من إجمالي عدد الأسرى.
سأنتظر كل العمر
 

الصغار والكبار يعيشون مرارة الإنتظار

وتقول الزوجة التي اختارت الصبر طريقا لها: " وفي زيارتي الأولى له رفعت من معنوياته وحثثته على الصبر وأن يحتسب أجره عند الله.. وها هي السنوات تمر عاماً بعد عام وما زلت أنتظر وسأنتظر حتى أخر لحظة من عمري".
وعن أصعب اللحظات التي مرت بها قالت: " أصعب اللحظات عندما بدأ الصغار يكبروا ويسألوا عن والدهم وسبب اعتقاله.. وكلما يدق الباب كانوا يعتقدوا أنه هو.. وفي كل عيد يفتقدونه ويبكون غيابه الطويل.. عند باب المدرسة كانوا يبحثون عنه وسط الآباء فربما يكون بينهم".
وأوضحت أنها وجدت صعوبة كبيرة في تعريف الأولاد على أبيهم فهم كانوا صغاراً جداً حينما اعتقل، قائلة: "عملت لأولادي برنامج لكل زيارة لأنهم كانوا يتشاجرون عليها، فكنت آخذ معي في كل زيارة بنتين وولد.. وخلال الزيارات كان الأب كالغريب لأنه لم يعطهم شيئاً من حنانه".
وتساءلت بحرقة: " ماذا تكفي الساعة كل شهر للطفل كي يرى والده من خلف القضبان الحديدية؟؟ فتارةً يبكون لا يريدونه وتارةً أخرى لا يريدون أن يتركوه بعد انتهاء الزيارة والسجانين ينتزعونهم من أحضانه بقسوة".
 
سبعة سنوات
 
وبابتسامةٍ باهتة أردفت: " الزيارات الشهرية كانت تمدني والأولاد بالصبر والصمود, ولكن منذ أزيد عن سبعة أعوام وبسبب التعنت وبطش الجيش الإسرائيلي لم أنعم بزيارته ولم ألتقي به".
وأشارت إلى أنه أصبح لديهم الآن 21 حفيداً أكبرهم عمره سبعة أعوام وأصغرهم لم يتجاوز البضعة أشهر, مضيفة: "هم لا يعرفون جدهم إلا من خلال الصور.. فلم يسمح لأحد بزيارته بحجج أمنية واهية".
وأوضحت أنه في عام 2005 سُمح لبنتها الصغيرة التي اعتقل والدها وزارته وهي تحمل على يديها طفلتها حيث كانت في ذلك الوقت قد تزوجت وأنجبت بنتا, مضيفة: "حينها أصيب زوجي بالصدمة وقال لها أنت جئت زرتيني قبل 20 عاما حينما كنت رضيعة، وقد قمت بحملك ومداعبتك، وها أنت تزورينني مرة أخرى وأنت تحملين ابنتك الرضيعة وها أنا احملها وأداعبها كما حملتك قبل عشرين عاما".
عائلة الأسير "نافذ حرز" ليست الوحيدة التي فقدت سندها منذ ربع قرن والمحروم من زيارة , بل هناك أكثر من 920 أسير من قطاع غزة محرومين من الزيارة بعد اختطاف فصائل المقاومة للجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" في 26 حزيران 2006.