جانب من الورشة
لم تستطع الأمم المتحدة الممثلة بصندوق السكان ومنظمة الصحة العالمية الوصول إلى الهدف الخامس الذي وضعته عام 2000 ضمن الخطة الإنمائية لقمة الألفية، والرامية إلى تخفيض وفيات الأمهات بمقدار 75% بين عام 1999وعام 2015، أي بمعدل 5.5% في كل عام إلا انه حدث فقط بمقدار1.3% في العام.
أسباب ومعطيات تهدد حياة ملايين النساء بالعالم، ومن بينها فلسطين التي تظهر النسب فيها إلى معدلات خطيرة تهدد حياة أمهاتها، وتحت شعار "من حق كل أم أن تحمل وتنجب وتبقى على قيد الحياة" عقدت اللجنة الوطنية لوفيات الأمهات حلقة بحث لتضع الأمور بنصابها وتعيد تقييم ما يجري لتدارك الأمر.
انتهاك حقوقي
وقالت الدكتورة خديجة جرار عضو اللجنة الوطنية لوفيات الأمهات أن حجم المشكلة كبير فهو ليس موضوع طبي تقني فقط، وإنما هي قضية حقوقية تنموية، فحسب الإحصائيات هناك أكثر من نصف مليون امرأة تموت كل عام في العالم خلال الحمل أو الولادة أو النفاس لأسباب تتعلق في أنظمة الرعاية الصحية وجودة الخدمات وإمكانية الوصول إليها.
وتعتبر انتهاك صارخ لحقها الإنساني الأساسي في الحياة، طالما أن هناك تقصير في اتخاذ التدابير لوقف الإهمال في المحافظة على صحتها وحياتها.
أما في فلسطين وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية لوفيات الأمهات في فلسطين فان عام 2008 قدرت بـ46 لكل100 ألف ولادة حية، مقارنة بالعام 1990 التي قدرت 92 لكل 100 ألف ولادة حية، وهذه التقديرات تضع الأراضي الفلسطينية في الموقع 83 بين دول العالم من حيث حجم وفيات الأمهات، وفي الموقع 12 من بين الدول العربية وتسبقنا دول الخليج جميعها والأردن وتونس وليبيا ومصر.
وتتابع جرار شرحها، وبناء على المعطيات ان نسبة الانخفاض 3.8% في كل عام وهي اعلى من معدل الانخفاض العالمي 1.3% ولكن اقل من معدل الانخفاض المطلوب حسب هدف الألفية وهو 5.5%.
أرقام تتحدث
فيما أظهرت التقارير الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في السنوات الماضية-كما تؤكد جرار- إلى أرقام غير حقيقية حول وفيات الأمهات حيث من عام 2000-2007 لم يكن هناك تبليغ عن الوفيات ولم تسجل سوى حالات قليلة، أما عام 2008 وبآخر 3 شهور بعد تشكيل اللجنة الوطنية لوفيات الأمهات ابلغنا عن 11 حالة فقط بثلاثة شهور وبعام 2009 كان هناك 23 ناهيك على أن هناك حالات لم يتم التبليغ عنها ولم توثق، وهذه يرجع إلى الإهمال في هذا الموضوع وعدم التبليغ.
وتوضح أنه بعد تشكيل اللجنة الوطنية لوفيات الأمهات في فلسطين المشكلة من وكالة الغوث ووزارة الصحة وجمعية أخصائيي النسائية والتوليد والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية/ الأمم المتحدة، تقرر باستخدام نظام تقصي عدد الوفيات المبلغ عنها 23 وعدد المواليد الأحياء 63 ألف ونسبة وفيات الأمهات تصل إلى 36 لكل 100 ألف ولادة حية خلال عام 2009 فقط بالضفة الغربية وكانت مدينة الخليل فيها أعلى رقم وأعلى نسبة وفاة كانت بطولكرم.
والسبب الأول للوفاة هو الجلطة والثاني هو وفيات الأمهات والثالث هو سرطان الثدي، وبينت التقارير أن المستشفيات الحكومية لا تشكل فرقا كبيرا عن المستشفيات الخاصة بنسبة الوفيات، وان كثير من العوامل منها العمر والتعليم ووسيلة النقل.
ومن التحديات لخفض الوفيات في الأراضي الفلسطينية هي تكرار الحمل والحمل في سن متأخر (40 سنة أو أكثر) حيث تتعرض لاحتمالية الوفاة أربع مرات من الأصغر سنا، والزواج المبكر والحمل في سن مبكر والخصوبة العالية بالرغم من انخفاضها إلا أنها لا تزال مرتفعة مقارنة بمعدل الخصوبة في الدول العربية، وقلة التنسيق بين مقدمي الخدمات الصحية المتعددين وعدم وجود بروتوكولات موحدة، كما أن احتمالية الوفاة المرتبطة بالعملية القيصرية أكثر من ست مرات من احتمالية الوفاة المرتبطة بالولادة الطبيعية.
كما أن قلة وعي المجتمع بعلامات الخطر خلال الحمل والولادة وما بعد الولاة من التحديات التي تواجه اللجنة وانعدام خدمات المشورة ما قبل الحمل، وقلة اهتمام القطاع الخاص في المشاركة في رسم السياسات الصحية في البلد، وانتقائهم الكامل إلى تحقيق الربح دون الاهتمام بقضايا الصحة العامة.
وبعد الدراسة والتقييم التي قامت بها اللجنة الوطنية أظهرت النتائج أن بنسبة 57% من الحالات المدروسة كان يمكن الوقاية منها وإنقاذ حياتهم و26% بحاجة إلى معلومات أكثر و17% لا يمكن الوقاية منها.
إجراءات وتدابير
وأشارت عضو اللجنة الوطنية لوفيات الأمهات التوصيات التي تحتاج إلى تدخل سريع بناء على نتائج الدراسة والتي كان من المفروش تطبيقها خلال العام الماضي ولكنها لم تنفذ، ويجري العمل حاليا على وضع خطة وطنية لتطبيقها من قبل وزارة الصحة، ومنها الحاجة إلى التدقيق في المعايير القائمة وإدخال معايير إضافية لإجراء العمليات القيصرية وذلك للحد من الزيادة غير المبررة فيها، لارتباطها بزيادة المخاطرة على حياة الأمهات.
وهذا يتطلب-كما تتابع جرار توصيات اللجنة- إلى سياسة واضحة تبقي استخدام الجراحة القيصرية في نطاق الاحتياج الحقيقي لها، وأيضا إدخال الإجراءات الوقائية للتقليل من حدوث الجلطة الرئوية خلال أو بعد الولادة، وذلك بتحديد الحالات الأكثر عرضة للإصابة بالجلطة الرئوية وتوفير ما يلزمهن.
كما سيتم العمل على تدريب مقدمي الخدمات بحيث يكونوا قادرين على تمييز التغيرات عند بدء حدوثها والتصرف السريع المبني على المعرفة والخبرة والمهارة، والتعميم للأطباء في جميع القطاعات حول التعامل مع الحوامل في حال عودة انتشار عدوى أنفلونزا الخنازير خاصة أن الحالات التي سجلت كان من أكثر أسبابها هذا المرض في عام 2009، وتحسين مستوى التوثيق لوفيات الأمهات على جميع المستويات.
بروتوكول عام
وعلى الصعيد نفسه، تحدث الدكتور علي الشعار المدير الإقليمي لخدمات الصحة الإنجابية في صندوق الأمم المتحدة للسكان على ضرورة أن تعمل وزارة الصحة والمؤسسات المعنية بتطوير برامج صحية متكاملة متعلقة بالصحة الإنجابية، حيث النظر إلى جودة الخدمات بأهمية بالغة وبجدية كبيرة حتى ترتقي إلى المستوى الأمن وعلى مستوى يرضي من يتقدم لها، وأشار أن كل طبيب يظن نفسه على صواب وهذا أدى إلى عدم اتخاذ قرار منسجم حول الحالة ويؤدي إلى إرباك الطاقم والمريض ويعرض حياة الأم للخطر.
وذكر الشعار "أننا نحتاج إلى بروتوكول يطبق بكافة المؤسسات ومراقب من وزارة الصحة يضمن الجودة المتمثلة بسلامة مكان الخدمة والعمل على منع انتقال العدوى داخل المشفى وتوفير أجهزة على مستوى راقي، وتحسين أداء الطاقم العامل وجانب آخر ومهم هو السلوكيات وتعرف السيدة والعائلة وتوعيتهم على علامات الخطر حتى نقلل من إمكانية المضاعفات، وهذا تحدي لنا نطمح إليه خلال السنوات الثلاث القادمة.
وأشار الشعار إلى أهداف المنظمات الدولية من اجل الوصول إلى أهداف الإنمائية الألفية وان المجتمع الدولي قد صرف مبالغ طائلة من اجل تحسين الظروف الصحية والطبية في دول العالم إلا أننا نرى أنها لم تستطع أن تغير الكثير من اجل تحسين الوضع العام، وكان من المفارقات هي انه ورغم التطورات التي حصلت على المستوى العالمي في تلك الخدمات إلا انه من استفاد منها هي طبقة الميسورين والطبقة الفقيرة بقيت كما هي بل ساء وضعها وهي الشريحة الأكبر كما هو المثال في أفريقيا، لهذا طرح موضوع العدالة في توزيع الخدمات والتعليم والعدالة الاجتماعية، كما هو موضوع الجندر وتنظيم الأسرة.
آثار كبيرة
أما الآثار النفسية التي تتكبدها الأسرة تشير إليها الدكتورة يعاد غنادري الأخصائية نفسية الإكلينيكية في مركز الإرشاد الفلسطيني بأنها خطيرة وطويلة الأمد، فالبعد النفسي لا ينتهي عند وفاة الأم، بل يبقى مستمر حتى يكبر الطفل، ناهيك إن كانت الأم لديها أطفال آخرين ليصبحوا أيتام، ويعيشون حالة الفقدان بكل آلامها، ولا ننسى الزوج والأثر النفسي الذي تكبده والخوف الذي يشعر به وهو يعتقد أن زوجته ستخرج سالمة ليعيش حالة من الصدمة بوفاتها.
وتضيف غنادري، فالأسرة تعيش حالة من البلبلة والشعور بالذنب والاكتئاب الذي يشعر به الزوج والعائلة، فقدان الأم أصعب حالات الفقدان عن الأطفال.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75276
