في خطوة هي الأولى من نوعها، قامت السلطات الرسمية في جمهورية الشيشان بحملة خيرية لجمع تبرعات لمساندة الأيتام لديها، وبحسب السيد سليمان صاليحوف مدير الصندوق الجمهوري للمساندة الاجتماعية لمواطني الشيشان فإن الحملة بدأت في 10 يوليو وتستمر إلى نهاية الشهر نفسه.
وأشار صاليحوف لوكالات الأنباء المحلية "أن عدد المساهمين والمشاركين في الحملة قد بلغ أربعة آلاف شركة ومؤسسة شيشانية، تبرع موظفوها بأجرة يوم عمل كامل لمساندة الأيتام في الجمهورية" حسب تعبيره.
ووفقاً للإحصائيات الرسمية فإن عدد الأيتام، الذين فقدوا الأب والأم قد بلغ الألف طفل لم تتعد أعمارهم 18 سنة، وستصل المساعدات جميع الأيتام المسجلين في السجلات الرسمية من الذين لم يبلغوا سن 23 عاما.
ورأت ليليا محمد ياروفا رئيسة جمعية التضامن الخيرية الإسلامية ظاهرة مشجعة، وأكدت في حديثها لـ"إسلام أون لاين" أن "هذه الأمثلة تبعث على الفرح، خاصة إذا كان سكان الشيشان قد ساهموا عن طيب خاطر".
جمهورية بدون دور أيتام
ليس غريبا أن يكون هناك أيتام في جمهورية الشيشان، فالحروب التي جرت في تلك الجمهورية القوقازية الواقعة في منطقة شمال القوقاز، خلفت وراءها الآلاف من الضحايا، والمئات من النساء الثكلى والأطفال اليُتم، لكن المستغرب في الأمر أن الشيشان هي الجمهورية الوحيدة في الاتحاد الروسي التي لا توجد فيها دار أيتام واحدة.
فمنذ شهر يناير من عام 2007 تم توديع مفهوم دور الأيتام في الجمهورية، وأحد الأسباب الرئيسية في انتهاء هذه الدور من تراب الجمهورية يعود إلى القرار الذي اتخذته السلطة في نهاية عام 2006، بضرورة القيام بإصلاحات جذرية في المؤسسات الاجتماعية المتخصصة في شؤون الطفل، وقامت الدولة بإعادة تنظيم نظام الدور بحيث قضت على ما يسمى بدور الأيتام في الجمهورية، التي كانت بحسب الإحصائيات الرسمية تحتوي على 373 طفلاً يتيم الأبوين.
وتشتهر الشيشان بالتكافل الأسري الحميم، ذلك أن الطفل اليتيم ينتقل مباشرة إلى أحد أفراد أسرته ليعيش بينهم كأحد أبنائها.
وقد أشار الرئيس الشيشاني رمضان قديروف في حديثه عن ظاهرة إنهاء ما يسمى بدور الأيتام بقوله: "إن الشيشانيين لم يعرفوا أبدا طوال حياتهم كلمة ملجأ للأيتام، نظرا إلى أن ذلك لا يتماشى مع عاداتهم وتقاليدهم الموروثة".
وحسب التقاليد الشيشانية، فإن الطفل إذا مات والداه تنتقل مسئوليته وتربيته إلى أحد أفراد الأسرة، ويعد وجود الطفل في دور للأيتام في مجتمع شديد الترابط الأسري والعشائري نوعا من العار وقادحا في الأسرة نفسها.
ومما ساعد في إتمام هذه الخطوة، دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2006 أمام الجمعية الاتحادية إلى ضرورة العمل على تقليل أعداد الأيتام في الدور المخصصة لهم ونقلهم إلى أسر يعيشون فيها، ليتلقوا فيها التربية اللازمة.
وشجع ذلك السلطة في جمهورية الشيشان بأن تعلن عن إغلاق الدور وإرسال جميع الأطفال إلى أقاربهم، وتحويل تلك الدور إلى مراكز لإعادة التأهيل سميت "بمراكز إعادة تأهيل المراهقين" حيث يتلقى فيها اليتيم كل المساعدات الاجتماعية المطلوبة من علاج وغيره ومن ثم تتم إعادته ليلا إلى بيته الذي يعيش فيه.
وتشير السيدة خديجة مدايفا رئيسة قسم "مشاكل الأسرة و الطفل" في وزارة العمل والتطور الاجتماعي في جمهورية الشيشان إلى "أنه مع بداية شهر مارس 2007 لم يبق في مراكز التأهيل من الأطفال سوى سبعة أطفال.. هؤلاء هم ممن لم يعثر لهم عن أقارب، وهم من قوميات غير شيشانية، من الأذريين والروس والأرمن واليهود، فقد ساعدناهم على إيجاد أسر تبنتهم من خارج الجمهورية" حسب قول مدايفا.
تجربة فريدة
بعد النجاح الملموس الذي لقيته هذه التجربة في إعادة الأطفال إلى أحضان الأسر والرعاية المباشرة من طرف الأقارب، وتقديم الدعم المادي واللوجستي لهم، تسعى اليوم القيادة الشيشانية إلى تصدير هذه التجربة إلى الجمهوريات الاسلامية القوقازية المجاورة والجمهوريات الروسية الأخرى.
وقد دعت السلطة إلى الاستفادة من التجربة الشيشانية في رعاية الأيتام وتمكنيهم من حياة أفضل بين أحضان الأقارب.
إلا أن المراقبين يعتقدون أن التجربة الشيشانية لا يمكن أن تكون مثالا جيدا، فالجمهورية تاريخيا لم تعرف نظام دور الأيتام كما هو الحال في المناطق الروسية الأخرى.
وتقول ليليا محمد ياروفا "لا يمكننا الحديث عن تجربة فريدة في الشيشان، فدولتنا مليئة جدا بدور الأيتام وهو ما لا ينطبق على الشيشان، فهناك علاقات أسرية قوية وهو أمر تختص به منطقة القوقاز كلها".
وتضيف "كنا نعتقد أنه مع إغلاق دور الأيتام، كان من المفروض أن يصاحب ذلك حملة إعلامية في الجمهورية عن حقوق وكيفية التعامل مع اليتيم من الناحية الإسلامية، فبالرغم من وجود اليتيم في أحضان عائلته لكننا نراقب أمثلة كثيرة في التعدي على حقوقهم وعدم التعامل معهم بطريقة جيدة".
ومع وجود اليتيم في أسرته، إلا أن الدولة حسب القانون مطالبة بتأمين مسكن لهم بعد بلوغهم سن الثامن عشر، وهو ما قامت به الحكومة الشيشانية في عام 2010، بتقديم شقق سكنية مجانية لأكثر من 300 طفل يتيم.
فيما قامت الوزارة المعنية بشؤون الطفل بالتعاون مع مركز التربية الروحية والتطوير بعمل مجموعة من البرامج التربوية الممتعة بتوجيه الطفل من الناحية الأخلاقية والروحية وتأهيله اجتماعيا بحيث يكون عنصرا فاعلا ونافعا لمجتمعه.
وتشير السيدة زينب الدورخانوفا مديرة قسم التنسيق بين المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني أن المركز يولي اهتماما كبيرا بتوجيه الشباب الى الطريق السوي بعيدا عن الافكار الغريبة عن المجتمع الشيشاني ولا تتوافق مع ما يسمى بـ "الاسلام التقليدي" الذي عرفته الشيشان طيلة هذه العقود.
وتقول "نحن نقوم بالتعبئة الفكرية وتوجيه الشباب، ونساعدهم على بناء استكمال شخصيتهم والقيم الصحيحة المبنية على العادات والتقاليد الشيشانية والثقافة الروحية".
المسلمون في روسيا والعمل الخيري
وتعد هذه الظاهرة التي تبنتها الحكومة الشيشانية بادرة فريدة من نوعها، إذ إن مثل هذه الحملات لا تكون عادة إلا في المصائب الكبرى التي تجتاح روسيا كلها أو أحد المناطق الروسية المنكوبة.
إلا أن التجارب أثبتت أن تعامل الشعب مع هذه المبادرات غالبا ما يكون سلبيا، لوجود فساد كبير لدى المسؤولين المشرفين على مثل هذه الحملات، فالناس لا يثقون بوصول هذه المبالغ الى مستحقيها، وهو ما يدعوهم الى العزوف عن المشاركة وتقديم الدعم لمثل هذه الأعمال الخيرية الهامة.
وهو ما أشارت إليه ياروفا محمد لـ"إسلام أون لاين" بقولها "المشكلة الأساسية ليست في جمع المال، ولكن في طريقة توزيعها والشفافية التي ترافق هذا التوزيع، وإذا استطاع الشيشانيون أن يقدموا للمجتمع أدلة على حسن التوزيع فإن ذلك سيفرح المتبرعين بالتأكيد".
لكن الوضع صعب كما تؤكد رئيسة جمعية التضامن الخيرية الإسلامية، إذ ترى أن هناك "نقص فظيع في الجانب الإعلامي من أجل نشر الدعوة للعمل الخيري، لو كان ذلك متاحا لغيَّرنا الوضع ولتغير تعامل المسلمين جذريا مع هذه الظاهرة، لكن ذلك مفقود لدى الأمة المسلمة في روسيا".
وتضيف ياروفا "النسبة إلى جمعيتنا فإن لدينا العديد من الشباب المتحمس المتطوع في العديد من المناطق الروسية، وهم يقومون بجهود مضنية عبر الشبكات الاجتماعية لرفع الوعي، نعتقد أن هذا الجيل الذي تربى على فكرة مساعدة الآخرين هو الذي سيغير المعادلة في المستقبل".
وشقت جمعية التضامن الخيرية طريقها منذ سنوات بصعوبة بالغة، إذ تطلب الأمر سنوات طويلة من أجل إقناع المسلمين بتوجيه مبالغ صدقاتهم وزكواتهم إلى المؤسسة التي تشرف على مساعدة العديد من المرضى بالأمراض المستعصية التي يتطلب علاجها مبالغ طائلة، كما أنها تقوم بتنظيم حملات لدعم الأيتام في المناطق الروسية المختلفة.
المصدر: إسلام أون لاين
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75325
