التكنولوجيا من الأدوات التي يوظفها الشباب لتحقيق حلمه
جهاز كمبيوتر.. وهاتف محمول.. وخط نفاذ إلى شبكة الانترنت، هذه الركائز الثلاث التي يعتمد عليها الشباب الفلسطيني في كسر دائرة الحصار التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي عليه للتواصل مع العالم الخارجي أو حتى التعبير عما يدور بداخله من أفكار ومواهب ومهارات، وقد يكون قهر الاحتلال نفسه الدافع لجعل نسبة كبيرة من هؤلاء الشباب يبحثون عن أي وسيلة يبثون من خلالها همومهم.
الشاب معاذ حامد (26 عاماً) يجلس قرابة 15 ساعة يوميا أمام جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به، يتصفح مواقع اخبارية وأخرى ثقافية، بينما يتقاسم مع مئات من الجمهور في العالم الافتراضي أفكاره وحتى يشاركهم ويشاركونه مناسباته الجميل منها والمحزن.
ينهمك أمام شاشه الكمبيوتر، وتغمر عيناه في أمواجه المتناثره، ويتحدث بعمق عن تجربه سجلها عبر 4 أعوام من هذا الانغماس فيقول :"ربما لتجبرتي الخاصة بالحياة طعم آخر، عشت غالبية وقتي اسكن بعيدا عن عائلتي، فظروف الاحتلال المفروضه على مدن الضفة جلعتني اعيش لوحدي بمدينة نابلس، فيما تسكن عائلتي بمدينة رام الله، وعلى الرغم من قرب المسافة بين المدينتين (قرابة 50 كيلو متر) إلا أن حواجز الاحتلال كانت تجعلني لا ازور عائلاتي إلا بالشهر مرة او حتى تمر 3 شهور دون زيارتهم".
يتبادل النكات احيانا مع اصدقاء عرفهم عبر غرف الحوار والمنتديات ويتمنى في يوم من الايام ان يراهم عن قرب، ويتابع بالقول :"تخيل عندما تعيش في وطنك ولا تستطيع أن تكون بين أهلك كل يوم، ما بيني وبين والدتي مسير نصف ساعه بالسيارة، لكن واقع الحياة الصعب يجعلها عندي تزيد 4 ساعات، وربما في احيان أخرى اكثر من ذلك بكثير، وهذا دفعني للبحث عن البديل في التواصل معهم".
ويضيف معاذ بالقول :"كل افراد البيت اصبحوا يملكون جهاز هاتف محمول، حتى أخي الصغير الذي لا يزال بالمدرسة يملك هذا الجهاز والسبب اننا في واقع لا يعلم احد ما الذي يخبأه له القدر إذا ما خرج من منزله إلى الشارع".
وكنتيجة لواقع الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية، وخاصة في اعقاب انطلاقة انتفاضة الاقصى في سبتمبر2000 فقد عمد الاحتلال على تقطيع الاحتلال أوصال الضفة من خلال وضع الكثير من الحواجز التي باتت تشكل معابر رئيسية لا يمكن تجاوزها إلا بشق الانفس، وهو ما كان حافزا لدى غالبية الفلسطينيين البحث عن وسائل متعددة لقهر هذا الواقع.
إحصائيات تكشف
وفي تقرير أصدره الاحصاء الفلسطيني الشهر الجاري(اغسطس 2011)، أظهرت البيانات المتعلقه بتكنولوجيا المعلومات خلال الخمس سنوات الماضية أن تطورا ملحوظا قد طرأ على مؤشرات النفاذ والاستخدام لأدوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بين فئة الشباب (15-29) سنة.
وأشار التقرير أن بيانات عام 2009 تظهر أن نسبة الشباب الذين يستخدمون الحاسوب قد بلغت 87.9% في الأراضي الفلسطينية بواقع 87.4% في الضفة الغربية مقابل 88.6% في قطاع غزة، مقارنة مع 47.6% للعام 2004 على مستوى الأراضي الفلسطينية. هذا وقد انحسرت الفجوة بين الذكور والإناث فيما يتعلق باستخدام الحاسوب، حيث تبلغ نسبة استخدام الحاسوب بين الذكور 91.0%، مقابل 84.4% للإناث لعام 2009.
كما بلغت نسبة الشباب الذين يمتلكون بريد إلكتروني 32.9% في الأراضي الفلسطينية، بواقع 36.0% في الضفة الغربية، و27.9% في قطاع غزة في العام 2009، مقارنة مع 14.3% في العام 2004، فيما بلغت هذه النسبة في العام 2009 للذكور والإناث 40.9% و24.5% على التوالي.
ويشير التقرير أن بيانات عام 2009 تظهر أن نسبة الشباب الذين يمتلكون هاتف نقال تبلغ 63.2% في الأراضي الفلسطينية بواقع 67.0% في الضفة الغربية، مقابل 57.0% في قطاع غزة، مقارنة مع 34.9% في العام 2004، وتتفاوت هذه النسبة بشكل ملحوظ بين الذكور والإناث حيث بلغت 72.7% للذكور و53.3% للإناث في العام 2009.
دوافع الاستخدام
أسباب ودوافع عدة، رأها سامي المصري، الخبير بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وراء ارتفاع نسبة استخدام الشباب الفلسطيني للتكنولوجيا الحديثه، وهو ما جعله يتحدث عن "طفره على مستوى الشرق الأوسط إذا ما قورن الواقع الذي يعيشه الشباب الفلسطيني بنسبة الاستخدام وانتشار التقنية الحديثه بين يديه".
ويشير المصري إلى أن العامل الاساس المتمثل في الاحتلال شكل نوعا من التحدي أمام شباب فلسطين، فالشاب منذ بداية حياته يعيش ظروفا من المعاناة والقهر وبالتالي هذا خلق نوع من التحدي جعله يبحث عن كل أداة جديدة للوصول للعالم او ليحارب من اجل البقاء ويقول للعالم إنني هنا".
أما العامل الثاني، كما يراه المصري، فهو يتمثل في أن "إسرائيل كدولة محتلة تعتبر من أكثر دول المنطقة تطورا في مجال التقنية، وهذا ايضا ساعد في خلق حالة من التأثر والتأثير، فالانسان الفلسطيني ينظر إلى الاحتلال انه متطور تقنيا ومعلوماتيا وبالتالي يخلق لديه دافع المعرفه أكثر من عدوه".
وإلى جانب ذلك، يرى المصري أن الدافع الثالث يتمثل في "منع الاحتلال للشباب الفلسطيني من التواصل المباشر مع العالم، فهناك حواجز واجراءات معقده ومنع من السفر، إلى جانب إمكانيات متواضعه لدى الشباب، وهذا كله يدفع بالشاب الفلسطيني أن يعمل بكل ما أوتي من جهد للبحث عما يوصله للعالم، بل ايضا مشجعا للابتكار ليسجل اسمه عالميا، فقد شهدنا في السنوات الخيرة سلسلة من الاختراعات التي يقوم بها الشباب سواء على مستوى برامج الحاسوب او الادوات المرتبطه به او ادوات الاتصالات وغيرها".
ولا ينكر المصري أن "يكون لتطور عالم التكنولوجيا والقفزات في الاختراع إلى جانب توفر كميات كبيرة من انتاج الادوات التقنية في السوق العالمي، دورا مهما في سهولة توفر التكنولوجيا بين يدي الشباب الفلسطيني، فاليوم أصبح امتلاك الهاتف النقال يمكن ان يكون بمقابل مادي بسيط بعكس الماضي، وكذلك جهاز الكمبيوتر وغيرها من الادوات".
ويختم المصري بالقول :"اذا ما أردنا أن نقارن واقع الشباب الفلسطيني بالشباب العربي من خلال النظر لواقع كل منهم فإننا نلاحظ أن الشباب الفلسطيني يمتلك زمام المبادرة في الحصول على الجديد بعالم التكنولوجيا، وهذا ربما يكون ايضا نابعا من خلال ارتفاع نسبة التعليم إلى جانب أن المجتمع الفلسطيني بطبيعته مجتمع شبابي وبالتالي يحفز بعضه بعضا".
استخدمات عدة
وحول طبيعة الاستخدامات الاكثر انتشارا لوسائل التقنية الحديثه، يتحدث أسامه راضي، مهندس الاتصالات والتقنية بالقول :"هناك تفاوت في طبيعة استخدام هذه الادوات من قبل الشباب الفلسطيني، كماهو الحال لدى شباب العالم ككل؛ فالاستخدام الابرز قد يكون انطلاقا من باب المعرفه والعلم، وهذا نتيجة الارتباط بشبكة المعلومات "الانترنت" التي من شأنها ان تمنح المستخدم الكثير من المعرفه بمختلف أشكالها".
ويتابع بالقول :"الجامعات الفلسطينية تشجع كثيرا في توجه استخدام التكنولوجيا، وهذا ربما يحسب لها بشكل ايجابي، فالملتحق فيها اصبح يتعامل بغالبية معاملاته من خلال الكمبيوتر وشبكة الانترنت، وبالتالي هذا يخلق حالة من الاجبار للمعرفه في عالم التقنية".
أما الاستخدامات الاخرى، فيرى راضي أنها تتمثل في "التسلية والترفيه لدى شريحه جيدة من المستخدمين، كما أن هناك من يوظفها في مجال العمل، وآخرون من اجل الاتصال والتواصل".
ولدى سؤالنا عن قدرة هذه الوسائل في التأثير برسم شخصية الشباب الفلسطيني، يوضح راضي بالقول :"أعتقد ان الجيل الجديد اصبح أكثر تأثرا من اي الاجيال السابقه، وأصبحت لغة الهاتف النقال والحاسوب المحمول وشبكة الانترنت الاكثر انتشارا بينهم".
ويضيف "هذه الادوات وجدت متنفسا لدى الشباب الفلسطيني الذي عايش ويعيش تحت ظروف احتلال ومعاناة، إلى جانب حرمان من الوصول للعالم الخارجي سواء نتيجة الظروف التي يعيشها أو حتى نتيجة واقعه المالي، وهذا كله يجعل الشباب البحث عن بدائل للتفريغ عن انفسهم".
وكان تقرير سابق نشره جهاز الاحصاء الفلسطيني أظهر أن المجموع السنوي لما ينفقه الشباب الفلسطيني على التكنولوجيا بلغ ما يقارب 46 مليون دولار سنويا.
تعزيز حرية التعبير
وأظهرت دراسة أعدها المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى" بعنوان "علاقة الإعلام الجديد بحرية الرأي والتعبير في فلسطين.ـ الفيسبوك نموذجًا" أن المجال التقني ساهم بتعزيز حرية التعبير وإعطائها متنفس وطريقة للنشر لكنه لم يبنِ ثقافة الاختلاف واحترام الرأي الآخر.
وأوضحت الدراسة التي نشرت قبل نحو أسبوع فقط، وتكونت من 224 صفحة من القطع المتوسط أن هناك ارتباكًا في الشارع الفلسطيني حول العلاقة بين تقنيات التواصل الاجتماعي وحرية التعبير رغم أن هناك نسبة كبيرة ترى أنه يعززها.
وعمدت الدراسة إلى رصد واقع حرية الرأي والتعبير في فلسطين ومدى التبادل والاستفادة التي من الممكن أن يوفرها المجال الاتصالي الجديد للحركات الاجتماعية الفلسطينية في تنظيم ذاتها والتعبير عن أحلامها في قضايا كبرى أهمها الاحتلال وليس آخرها الانقسام السياسي الداخلي.
وقامت الدراسة بقراءة متأنية لعينة من المجموعات الفلسطينية على صفحة الفيسبوك لمعرفة مدى انعكاس مفرداتها ومضامينها وحتى أشكالها على الحالة الفلسطينية في مواضيع مهمة وساخنة مثل الانقسام السياسي والمطالبة بحرية التعبير والشفافية.
وعدّت الدراسة أن الجهد الفلسطيني استغل الإعلام الجديد لبناء رأي عام لكنه لم يستطع تجاوز طرق العمل التقليدية في الأداء الفلسطيني في كافة حقوله، مشيرة إلى أن منظمات المجتمع المدني عجزت عن خلق قاعدة جماهيرية كافية لتحقيق التوازن مع البنى التقليدية بشكل حد من قوة فاعلية التواصل الاجتماعي.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75346
