دبي.. عبق فلسطين في القرية العالمية

فلسطين وقضيتها حاضرة في معرض القرية العالمية بدبي

رائحة الزعتر والزيتون تعانق أريج زهر اللوز وتتمازج مع شذا تراب غزة المغلف بعرق الشعب الفلسطيني المكافح.. كنوز من عبق التاريخ تتلألأ فيها أمجاد الحضارة العريقة وقصص الاجداد، وتحيي التراث والعادات والتقاليد، بمشهد فاق كل التوقعات، بطريقة اصرار هذا الشعب على اظهار صفحات مشرقة من التاريخ باعتزاز محافظين على الإرث الحقيقي.
 
إنه الجناح الفلسطيني في القرية العالمية في دبي، والذي يحتوي على الكثير من المنتوجات الفلسطينية من مطرزات، ولوحات فنية، ومنحوتات يدوية، ومأكولات شعبية، كلها تحكي مجدًا عظيما ً، وتجسّد الحلم الفلسطيني بالحرية،  وتهدف إلى تذكير الفلسطينيين وربطهم بأرضهم، فضلا عن تعزيز العلاقات بين الشعب الفلسطيني الذي يعيش في الخارج وبين فلسطينيي الداخل.
 
"إنسان أون لاين" تجولت في ازقة الجناح الفلسطيني ورصدت مشاهدات مؤثرة، حيث بكت العيون وهي تحمل زجاجة فيها حفنة من تراب الوطن، وتشمّ زعتر "البلاد" وهو التعبير الذي يستخدمه فلسطينيو الداخل والشتات في الاشارة الى بلدهم فلسطين. 
 
فلافل أبو علاء
"تفضّلوا تذوّقوا فلافل فلسطين مع الشطّة الحمراء.. أشهى فلافل في العالم.."، هكذا يستقبل "أبو علاء" المارّة، وهو يضّيفهم الفلافل الطازج. ويروي قصّته لـ "إنسان أون لاين"، قائلا ً بابتسامة حزينة: "اسمي أحمد فقيه من مواليد جنين عام 1960، هاجرتُ مع عائلتي إلى عمّان خلال النكسة، وجئتُ إلى هذا المهرجان لأقول أنّ الفلافل اصلها فلسطيني من عكا، من ثم انتشرت في سائر بلاد العالم.. ورثتُ هذه المهنة عن أجدادي، وسأورثها لأحفادي.."، ويختم حديثه بنبرة ألم: "انظري كيف انكمشت فلسطين في قرية صغيرة تماما ً كما انكمشت قضيتنا".
 
سرعان ما تجذبنا رائحة السحلب الساخن، فنتّجه نحو الشاب "محمد لطفي ناصر"، وهو شاب ولد في عمان عام 1990، ومقيم في الإمارات، ويعمل في بيع السحلب الفلسطيني، فيقّدمه لنا مع القرفة وجوز الهند والمكسّرات. وعلى بعد عدة أمتار، نسمع صوت شاب آخر يقول: لذيذة يا نابلسية"، ويقدّم الكنافة النابلسية المشهورة للمارة، ويتباهى عندما يقولون له: "إنها حقا ً لذيذة.. شعارك في محله".
 
الثوب الفلسطيني

التراث الفلسطيني يحمل الهوية للعالم

"رام الله للثوب الفلسطيني" و"بوابة القدس".. زاويتان تظهران جمال الثوب الفلسطيني من خلال تطريزه المتقن وخصائصه ذات الجودة العالية التي تظهر أصالته لتخلّد الحضارة العريقة والثقافة المتوارثة.
 
وفي حوار سريع من "إنسان اون لاين"، يقول "بسام توفيق احمد" وهو من الرملة لكنه مقيم في رام الله: "الإقبال ممتاز هذا العام، خاصة ًمن قبل النساء الفلسطينيات اللواتي يعشن في دول الشتات.. يسألن عن الكثير من التفاصيل المتعلقة بنوع الزيّ والمنطقة التي يمثلها، وطريقة تطريزه، ويبدو أنهنّ يتعطشن للمعرفة أكثر من الشراء.. والطلب الاكبر هو على الزي الأسود المطرز بالأحمر المصنوع في القدس أو يافا".
 
 اما "حسين يوسف حسين"، فهو لم يعرف فلسطين، بل ولد وعاش في الشتات، يبتسم ويقول: "أصلي من ساحل عرب السلالمة من يافا.. ولقبنا هو أبو كشك.. ورثت تلك التجارة عن والدي.. أعيش منذ ولادتي في عمان.. ورغم أنني لم أسكن فلسطين، إلا أنها تسكنني بكامل تفاصيلها.. وأريد أن أحافظ على تراث فلسطين من خلال المطرّزات والزي الفلسطيني الذي يؤكد هويتنا وتراثنا.. وما اجمل اللقاء مع الجالية الفلسطينية المقيمة في الامارات، حيث انهم متعطشون ليلمسوا القماش والمطرزات".
 
بينما الطفلة "سارة فائق" (11 سنة)، وهي فلسطينية مقيمة في عجمان، تتباهى بزيّ فلسطيني اشترته لها والدتها، وتقول بلهفة: "سأرتديه في المدرسة وأقول لرفيقاتي أن الزي الفلسطيني هو الأجمل".
 
خلطات أم بلال
من يمرّ أمام محل "أم بلال"، لا بدّ أن يشعر بالجوع امام ما تعرضه من أجبان وألبان وزيتون وزيت ومخللات وزعتر ومفتول وفريكة. "ام بلال" امرأة ودودة، توزّع لقيمات منتوجاتها على المارة بفخر وثقة، وكأنها تعرف أنها الأفضل وتبتسم عندما تسمع المارة يقولون "ما أطيبها" وهم يتذوقون ما تضيّفه لهم. لم نستطع التحدث معها إلا بعد انتظار طويل، فالزبائن كثر، ويسألون عن تفاصيل بعض المنتوجات ومكوّناتها وطريقة صنعها.
 
تقول لـ "إنسان أون لاين" بفخر واعتزاز :"اسمي (فاطمة عارف محمد) من قرية كفر راعي في محافظة جنين.. هذه المنتوجات هي من صناعتي وصناعة نسوة فلسطينيات يعملن بجهد من أجل تقديم الأفضل تحت اشراف والدتي وحماتي. الهدف من هذا المعرض هو أن نري الناس خير بلادنا.. وهي تجارة رابحة، فأنا أدفع مصاريف دراسة أولادي في الجامعة من مدخولي في بيع المنتجات الفلسطينية.. وعندما ينتهي اولادي من دراستهم الجامعية، سينشئون تجارة مماثلة على مستوى أكبر وأكثر تطوّرا ً".
 
 وتروي لنا حادثة مؤثرة، فتقول: "للسنة الثالثة يأتي الى القرية الفلسطينية شاب فلسطيني يعيش في أميركا.. يبقى في محلي لأكثر من ساعة، يتأمل المنتوجات ويبكي قائلا ً: الله يرحمك يا حنونة.. ويقول ان كل منتوجاتي تذكره بوالدته التي كانت تشتهر بصنعها.. وهو يشتري في كل سنة كمية كبيرة وأعتبره أفضل زبائني، حيث أنه ياتي من أميركا إلى دبي خصيصا ً لكي يشتري منتجاتي، فهو لا يستطيع الذهاب الى فلسطين".
 
الكوفية
 مصنوعات "أشرف سمارة" هي فلسطينية 100 % على حدّ قوله، ومعظمها من صناعته الخاصة.. فهو يمتهن هذه المهنة منذ سنوات طويلة. يقول لـ "إنسان أون لاين": "أنا فلسطيني من مواليد بلدة بيت امرين في نابلس عام 1965.. لم أرث هذه المهنة عن احد، فقد تخرّجت من الجامعة في اختصاص ادارة الأعمال، لكنني لم أجد فرصة عمل، ورأيت في نفسي موهبة حفر الخشبيات والزخارف، علّمتُ نفسي بنفسي.. وهي تجارة مربحة، وفي الوقت نفسه تنشر ثقافاتنا وتراثنا".
 
ويتابع قائلا ً: "زبائني ليسوا فقط من الفلسطينيين، بل هم من العرب والأجانب المتعاطفين مع القضية الفلسطينية، وأكثر ما يطلبونه هو الكوفية الفلسطينية، ويسألون عن الفرق بين السوداء والحمراء وكيفية ارتدائها".
 
 ونخرج من القرية الفلسطينية على مشهد يجسّد القدس، ويقف أمامها "حمزة عيّاد"، الذي يخبرنا أنها مصنوعة من المرمر، ورغم أنه يعيش في أبو ظبي منذ أكثر من 30 سنة، إلا أنه يقوم بإحياء التراث الفلسطيني، حيث شكّل لجنة فلسطينية تعنى بالتواصل مع الجالية الفلسطينية في الامارات.
 
تجدر الإشارة إلى انّ القرية العالمية في دبي هي مهرجان سنوي يجمع أكثر من 45 دولة عربية وأجنبية، بهدف جمع مختلف الثقافات والحضارات وتراث العالم على أرض واحدة  تحت شعار "عالم واحد.. عائلة واحدة"، حيث تعرض كل دولة منتوجاتها وفنونها وتراثها في مبادرة خلق جو من الألفة والتواصل بين مختلف الحضارات.