أثار قرار لجنة الشؤون الدينية والاجتماعية والأوقاف بمجلس الشعب المصري بتشكيل لجنة لإعداد قانون لإنشاء "بيت المال" كهيئة مستقلة تقوم بجمع الزكاة وتوصيلها إلى الفقراء ردود أفعال واسعة بين الأوساط الإسلامية نفسها، حيث اعتبر البعض أن التحمس للفكرة لا يكفي وحده، بل يجب التأني ودراستها جيدا قبل البدء في تنفيذها.
وقد جاء قرار اللجنة خلال مناقشة الاقتراح الذى تقدم به النائب السلفي محمد طلعت، بشأن إنشاء بيت مال تجمع من خلاله الزكاة والعشور، وتوزع على الفقراء وتعمل على توفير فرص عمل لمشروعات صغيرة ومتوسطة، على أن يحل بيت المال محل مصلحة الضرائب".
الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الجمهورية الأسبق، الذي حضر اجتماع اللجنة أكد أنه كان قد تقدم بمشروع مماثل لجمع الزكاة عام 1997، عن طريق الاكتتاب فى أسهم تدخل فى مشروعات تنموية لصالح المحتاجين، لكنه اختفى فجأة بجميع أوراقه ومستنداته.
وعلى طريق التنفيذ طالب واصل بتشكيل هيئة أمناء من المتبرعين تدير هيئة الزكاة المستقلة، دون الإخلال بمنظومة الضرائب القائمة، وأن توجه فى بداية عملها لأطفال الشوارع وتشغيل الخارجين عن القانون والبلطجية والأشخاص الذين هربوا من السجون بعد الثورة، متوقعا القضاء على البطالة خلال 10 سنوات بسبب هذه الهيئة.
جهة الاشراف
لكن ثمة اختلافات بين أعضاء البرلمان حول آلية عمل الهيئة والجهة التي ستتولى مهام إدارتها، حيث أشار النائب حسن علي إلى أن بيت المال حلم يراودنا منذ فترة طويلة، مقترحا أن تقوم الجمعية الشرعية بمسئولية توزيع الزكاة فى مصاريفها الشرعية، لما لها من باع طويل فى هذا الصدد، قائلا: "العالم كله يشهد بممارساتها فى الداخل والخارج".
أما النائب محمد نوفل فقد نادى بضرورة إنشاء هيئة تخضع لإشراف الأزهر، مع وضع الآلية القانونية لتطبيق الزكاة بما يتناسب مع العصر الحديث. وما بين الجمعية الشرعية والأزهر كان هناك رأي ثالث عبر عنه النائب جمال متولي، مشيرا إلى أنه يجب أن تكون الهيئة مستقلة، ولا تتبع جهة حكومية على غرار تجربة بيت المال بدولة الكويت، على أن يكون الإشراف المالي عليها من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات.
إلغاء مصلحة الضرائب!!
وشدد النائب محمود عبد المرضي على أن الزكاة أمر واجب شرعا، ولا ينبغي أن نحيد عنه، مطالبا بإلغاء الضرائب على أن تعمم الزكاة بجميع أنحاء البلاد، مع التوعية بكافة أنواع الزكاوات المختلفة عبر المنابر ووسائل الإعلام، واتفق معه النائب علاء عامر مطالبا بإلغاء مصلحة الضرائب وتحويلها إلى مصلحة الزكاة، على أن تتحول مع الوقت إلى وزارة للزكاة، موضحا أن التحصيل فى الزكاة يكون على الأصول وليس على الأرباح فقط كما فى الضرائب، مما سيعود على البلاد بحصيلة مادية أكبر، مما يقضي على الفقر بالبلاد.
كما أكد النائب محمود غريب أن التقديرات لحجم الزكاة ربما يصل الآن إلي نحو 20 مليار جنيه مصري سنويا، وربما يزيد وهو ما يكفي لسد حاجة المحتاجين وإغناء الفقراء والمساكين، والخروج بنحو 40% من الشعب المصري من تحت خط الفقر.وأضاف: هذا المشروع الضخم الذي يكفي لسداد ديون مصر وإغنائها عن الاستدانة من الخارج والمساعدة في الاستغناء عن المعونات الخارجية التي تؤثر علي القرار السياسي
بل والمساهمة في النهوض بمشاريع قومية من شأنها أن ترفع شأن مصر بين الأمم.. مشيراً إلي أنه سيستعين في بلورة هذه الفكرة بشكل قابل للتطبيق، من خلال التواصل مع الحزب والاستعانة بأفكار ورؤى أهل الخبرة في هذا المجال.
واقترح النائب فوزي عبد العزيز أن تخضع الأموال المحصلة من الزكاة تحت سيطرة لجان الزكاة بالمحافظات، قائلا: "كل قرية أدرى بفقرائها"، مضيفا "مع ضرورة وضع معايير لاختيار هذه اللجان". وقال النائب السلفى عادل عزازى، صاحب مشروع قانون حد الحرابة، إنه انتهى بالتنسيق مع الدكتور رفعت العوضي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، من وضع مشروع قانون متكامل بمواده، لكل من الزكاة والوقف الأهلي.
بينما أشار النائب الإخواني يسري هاني وكيل اللجنة، إلى أن "محاربة الفقر تكون بأمرين أولهما العمل من خلال توفير آليات للمشاريع متناهية الصغر، مما يوفر فرص العمل، والثاني الزكاة التى تعد وعاء مستقلا، وتطبيقها لا يعني إلغاء الضرائب بالدولة".
الزكاة مختلفة عن الضرائب
من جهته انتقد الدكتور ناجح إبراهيم المفكر الإسلامي والمنظر الأول للجماعة الإسلامية تناول الفكرة بهذا الشكل، الذي يغلب عليه الطابع الحماسي دون التطرق إلى المعوقات والتحديات التي قد تواجه المشروع، كما هاجم الدعوات إلى الغاء مصلحة الضرائب بحيث يحل"بيت المال" محلها، وقال: إن الضرائب ليست بدعة علمانية كما يروج البعض، لكنها موجودة منذ العصر العباسي.
وأضاف أن الزكاة لها ثمانية أوعية حددها القرآن الكريم للإنفاق وهي للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل. في حين أن للضرائب أبواب مختلفة تماما للإنفاق فهي تمول كل القطاعات التي تصرف عليها الدولة كالتعليم متمثلا في المدارس ورواتب المدرسين والوزارات ورواتب عمالها، وصولا إلى عمال النظافة الحكومية والسياسات الاقتصادية كدعم سلع وقطاعات معينة أو الصرف على البنية التحتية كبناء الطرقات والسدود.
تسمية اصطلاحية
كما انتقد الدكتور ناجح إبراهيم تسمية" بيت مال المسلمين"، وقال: إنها تسمية اصطلاحية وليست فرضا أو جزءا من العقيدة، مضيفا أن الفاروق عمر بن الخطاب" رضي الله عنه" كان على سبيل المثال يسمي الوزارات بالدواوين، ونحن غير ملزمين شرعا باتباع تلك التسمية، فمصطلح" "بيت مال المسلمين" ينطوي على اشكالية كبيرة، قد يراها البعض تصل إلى حد التمييز بين المسلم والمسيحي من أبناء الوطن الواحد في حين أن الزكاة يجوز أن يعطي منها للفقير غير المسلم.
شروط النجاح
لكن الفكرة نفسها "إنشاء مؤسسة لجمع الزكاة وتوزيعها وفقا للضوابط الشرعية" هي فكرة ممتازة حسبما يؤكد د.ناجح، الذي أضاف أنها لن تنجح إلا وفق معايير محددة، خاصة وأن هناك كثير من التحديات تقف في وجه الفكرة.
الشرط الأول بحسب المفكر الإسلامي الكبير، هو أن تكون هناك مؤسسة مستقلة غير تابعة للأزهر ولا للجمعية الشرعية، تقوم بجمع أموال الزكاة من الذين بلغ عندهم النصاب الشرعي، وحال عليهم الحول، ويتم إنفاقها في الأوعية الثمانية التي سبق الإشارة إليها.
وتابع د. ناجح إبراهيم أن هناك شقين لنجاح التجربة يجب توافرهما، الأول النجاح الشرعي، وهو أن يتم جمع الزكاة وتوزيعها بالطريقة الشرعية السلمية، والثاني هو النجاح الإداري والذي يجب أن يكون نتاج عمل مؤسسي راق على أعلى مستوى، يتبع أحدث الأساليب العلمية والرقابية. بكلمات أخرى فإن نجاح المشروع من وجهة نظر د. ناجح مرتبط بالجمع بين ما هو شرعي وما هو علمي.
ودعا القيادي بالجماعة الاسلامية إلى الاستفادة من الخبراء في هذا المجال رغم قلتهم، حيث يمكن الاستفادة من تجربة الملياردير السعودي صالح كامل في إدارة الزكاة، وهو أول من طرق أبواب هذا المجال بتأسيسه مركزا للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بالقاهرة. ومن الناحية الشرعية هناك عدد من العلماء على درجة كبيرة من الإلمام بمختلف قضايا الاقتصاد الإسلامي مثل الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور محمد سليم العوا وغيرهما.
المصدر: رسالة الاسلام
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75474
