الفلسطينيون يحررون رفات شهدائهم

رفات الشهداء لدى وصولها إلى مبنى المقاطعة في رام الله

تستقبل أم صفوت حنني نبأ استلام رفات ابنها الشهيد بالدموع، تنظر إلى صورته وكأنها تلقت خبر استشهاده لأول مرة، تحتضن ملابسه وتقرأ وصيته التي تركها خلفه مخبرا إياها انه سيكون أول عريس تزفه من إخوته، تتقلب الأم المثكلة بذكريات استشهاد ابنها زيد إسماعيل حنني من بلدة بيت فوريك شرق مدينة نابلس، تصلي لله ركعتين حمدا بأن من على عائلتها بدفن ابنهم الشهيد بعد عشر سنوات من احتجاز رفاته.
تقول أم صفوت (56 عاما) "تلقينا اتصال من قبل الجهات الرسمية يفيد بأن إسرائيل وافقت على تسليم جثة ابننا، لم تتحمل قدمي الخبر وكأنني تلقيت خبر استشهاده لأول مرة، فجروحي لم تلتئم بعد، فمنذ عشر سنوات وأنا أدعو الله أن نكرم ابني وندفنه بأرضه، كنت أدعو دائما أن يكون له قبر واستطيع زيارته".
وجع يتكرر
تتنفس أم صفوت عميقا، تمسح دموعها وهي تشير إلى أنها كانت باشتياق دائم لاحتضان رفات ابنها، وأنها كانت قلقة بأن لا يتم دفن ابنها كما يليق بكرامته وحسب أصول الشريعة.
وتضيف والدة الشهيد حنني وهي تمسح دموعها "انتظر منذ سنوات حتى يكون لابني قبر وأقوم بزيارته، ومنذ يوم أمس لم يذق احد من أفراد العائلة النوم، فنحن ننتظر هذه اللحظة منذ سنوات، وإخوة الشهيد قد قدموا من السعودية لاستقبال رفات أخيهم".
وتستعد عائلة الشهيد حنني لاستقبال رفات ابنها من مدينة رام الله ونقله إلى مسقط رأسه ببيت فوريك، ودفنه بمقبرة جماعية تضم خمسة رفات شهداء من البلدة كانت إسرائيل تحتجز جثامينهم لسنوات طويلة.
وتذكر عائلة الشهيد التي توجهت مع ساعات الصباح الباكر إلى مدينة رام الله لاستقبال الجثامين والمشاركة  بالمراسيم العسكرية والرسمية التي ستجرى هناك، أنها تشعر بارتياح كبير بعد أن تحرر جثمان ابنهم الشهيد منذ تاريخ استشهاده عام 2003، واعتبرت العائلة اليوم رد لكرامة الفلسطينيين ورد اعتبار لكرامة شهدائهم.
وسلمت إسرائيل اليوم الخميس رفات 91 شهيد فلسطيني احتجزتها بمقابر الأرقام منذ عشرات السنين، حيث وصل 79 جثمانا إلى مدينة رام الله وتم نقل 12 منهم إلى قطاع غزة مباشرة.
ضغوط عالمية
وعن الترتيبات التي ستجرى بمدينة رام الله بعد ظهر اليوم، قال سالم الخلة منسق الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، انه تم تسلم الرفات وتم التدقيق بسجلات وزارة الشؤون المدنية الفلسطينية مع المعلومات الإسرائيلية وهويات الشهداء.
وسيجرى ترتيبات عسكرية رسمية تأبينية للشهداء بعد ظهر اليوم، وستقام الصلاة على أرواحهم الطاهرة، وتطلق 21 طلقة ضمن المراسيم العسكرية التي ستنظم وسيعزف اللحن الأخير، وستكون هناك كلمة للرئيس الفلسطيني، بعدها سيتم نقل الرفات كل حسب مسقط رأسه بمحافظات الوطن، وبالنسبة للجثامين التي تحمل أسماء نضالية ولا تعرف عائلاتهم ونسبهم وعددهم 17 جثمانا سيتم دفنهم بمقبرة جماعية في رام الله وإقامة نصب تذكاري لهم يخلد ذكراهم.
ويصف الخلة عملية تسلم جثامين الشهداء بعد مفاوضات حثيثة وطويلة مع الجانب الإسرائيلي، بأنها خطوة نوعية ومتوقعة من قبل قيادة الحملة، فالمعطيات التي كانت قائمة أشارت إلى رضوخ إسرائيل لمطالبنا الإنسانية، خاصة مع الضغوط الدبلوماسية والسياسية والحقوقية من قبل الدول العربية ممثلة بجامعة الدول العربية والوسيط المصري، والإحراج الدولي الذي حققناه بمساعدة المؤسسات الحقوقية الدولية التي ساعدتنا بالوصول إلى محكمة لاهاي، وبمساعدة اتحادات البرلمانات الأوروبية، والأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان بجنيف.
استعادة الكرامة
وقال الخلة، أن الحملة نجحت بتحقيق جزء من أهدافها بعد إعلان مركز القدس للمساعدة القانونية بإطلاق "حملة استرداد جثامين الشهداء" عام 2008، واستطعنا جعلها قضية رأي عام وطني وعالمي بعد أن كانت مهملة ومنسية.
وأعلن منسق الحملة أن حديث يجري عن إطلاق سراح 70 رفات من الشهداء بحدود منتصف شهر حزيران القادم، وهما خطوتان نوعيتان استطعنا من خلالهما تحرير جزء من جثامين شهدائنا الأبرار، وسيلي ذلك خطوات قادمة أن شاء الله تعالى.
مضيفاً "إسرائيل استجابت أمام الضغوط التي ولدتها الحملة قانونيا وحقوقيا وأخلاقيا ودبلوماسيا وسياسيا للمطالب الفلسطينية وليس كما أشار نتنياهو أنها بادرة حسن نوايا اتجاه الرئيس الفلسطيني، فنحن نرفض مثل هذا التعبير، فإسرائيل لم يكن لها بيوم الأيام أي بادرة حسن نية اتجاه الفلسطينيين، فقد امتهنت كرامة الإنسان في مماته، ووضعته في مقابر لا تليق إطلاقا بالكرامة الإنسانية، ووضعتهم بقبور لا يتجاوز عمقها 50 سنتمر بصفوف متراصة غير آبهة باختلاط عظامهم وتكشفها، بل أيضا مارست عقابا جماعيا على عائلاتهم وحرمتهم من إكرام أمواتهم، وهي جريمة عنصرية وإنسانية ولا يمكن أن تكون بادرة حسن نية".
يذكر الخلة أن هناك ما يزيد عن 300 جثمانا فلسطينيا وعربيا في مقابر الأرقام الإسرائيلية موزعة على ثلاثة مقابر احدها بمدينة طبريا واثنتين بمنطقة الأغوار.