السرسك مرفوعا على الأكتاف
عـلى الملعب الأخضـر المستطيل وأمام آلاف أعين الكاميـرات كانت كوكبة من الخبراء الرياضيين والمعلّقين يتفنون فـي إهداء أجمـل الأوصاف والألقاب لهدافي ولاعبي بطـولة كأس أمم أوروبـا "2012" والتي أسدل الستار على نهايتها قبـل أيام بفوز المنتخب الأسباني بالبطـولة غيـر أن بطـلاً فلسطينيا اسمه "محمود السرسك" أصاب قاموس الكـرة ومفـردات الإعلام والإنسانية بالدهشة ونسيان الحروف.
فاللاعب الفلسطيني "محمود السرسك" نقش فصلا خياليا من فصول الحكاية الكروية إذ حقق إنجازا هو أقرب للمستحيل إذ عانق الحريـة وصافحها بعد إضراب عن الطعام دام لـ"94" يوما متتاليا مصراً على ارتداء شارة الكرامة لكي يُسجل أغلى وأثمن الأهداف.
وكان المحرر السرسك قد وصل إلى قطاع غزة عبر معبر بيت حانون شمال القطاع، بعد ثلاثة أعوام من الأسر، وخوضه معركة الأمعاء الخاوية على مدار ثلاثة أشهر متتالية.
واستقبل مئات المواطنين وممثلي الفصائل الفلسطينية المحرر السرسك بالهتافات الحارة قبل أن يُنقل إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة لإجراء الفحوصات الطبية للاطمئنان على صحته.
وقالت إدارة مجمع الشفاء الطبي إن المحرر يعاني آلامًا في المعدة وزغللة في العيون ومن فقر في الدم، إلا أن الوضع الصحي العام له جيـد، ويستطيع المشي.
وخرج السرسك إلى الجماهير المحتشدة لاستقباله وهو يعانق كرة القدم في إشارة بليغة لتسجيله أثمن الأهداف في مرمى الاحتلال ومعانقته للحريـة.
الرياضي الأسير
وقد اعتقل السرسك، وهو من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة في الثاني والعشرين من تموز/ يوليو 2009، على حاجز بيت حانون خلال توجهه إلى الضفة الغربية، للاحتراف في نادي مركز شباب "بلاطة" الرياضي.
وخضع السرسك البالغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، للاعتقال دون محاكمة أو تقديم لائحة اتهام ضده، حيث تعتبره إسرائيل "مقاتلاً غير شرعي".
وقد استحدثت إسرائيل هذا المصطلح في أعقاب حرب غزة (كانون أول/ ديسمبر 2008- كانون ثان/ يناير 2009)، والذي يمكنها من اعتقال الفلسطينيين من دون محاكمة.
وقد بدأ اللاعب إضرابه عن الطعام في التاسع عشر من آذار/ مارس الماضي، احتجاجاً على تمديد اعتقاله لمدة ستة شهور للمرة السادسة على التوالي.
ولمع نجم السرسك رياضيا منذ نعومة أظفاره، حيث لفت الأنظار لمهارته العالية في لعب كرة القدم، ولعب في صفوف نادي خدمات رفح.
وبسبب مهارته كان السرسك أصغر لاعب في الدوري الفلسطيني الممتاز، حيث شارك فيه، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
ونظـراً لمهاراته العالية قام المنتخب الأولمبي الفلسطيني باختياره لاعبا بين صفوفه إذ شارك في عدة بطولات ومباريات دولية.
رحلة عذاب
وكانت قضية السرسك قد حازت على تضامن كبير على الصعيد المحلي والدولي وعبر شبكات التواصل الاجتماعي وقد أبرزت أشهر الصحف الرياضية العالمية خبر الإفراج عن السرسك مستنكرة اعتقال الاحتلال للرياضيين.
وفي حديث لـ"إنسان أون لاين" وبصوتٍ أعيّت نبراته أيام الإضراب الطويلة عن الطعام وعذابات السجن تعهد السرسك بالعودة إلى مصافحة الملعب المستطيل ومعانقة الساحرة المستديرة من جديد وأضاف :" تعرضت لأقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي ..غير أن ذلك لم يزدني إلا قوة وإصرارا على المضي في مسيرتي وإكمال حلمي..وسأعود للعب من جديد وبكل قـوة..الاحتلال يريد حرماننا من كل شيء..من الحياة ومن اللعب ومن الحلم حتى، لكننا بإرادتنا سنكون أقوى ..".
وشدد السرسك الذي احتل الإعياء وجهه وصوته على أن انتصاره لا يعني أن قضية الأسرى انتهت، واستدرك بالقول :" يجب تفعيل قضية الأسرى وخاصة المضربين عن الطعام أكثر وأكثر والعمل على تحريرهم بكل السبل والوسائل وأن نتوحد خلف قضية الأسرى ومعاناتهم ..".
ولفت المحرر إلى إنه "ترك خلفه أسرى بمستشفى سجن الرملة في ظروف صحية قاسية جداً وهم على مشارف الاستشهاد في أي لحظة" واستدرك بالقول :" هو ليس مستشفي إنه مسلخ ..كانت لحظات صعبة وأنا أودع الأسرى ..كانوا ينظرون إليّ بحزنِ شديد ..لم يكونوا قادرين على معانقتي من شدة الإعياء …".
وأشار إلى أن جميع الأطباء هناك يتعاملون مع الأسرى بشكل غير إنساني، وهم عبارة عن محققين يتعاملون بقسوة أكبر من نظرائهم في السجون مع الأسرى المضربين عن الطعام، ويستغلون ظروفهم الصحية للضغط عليهم بكل السبل لوقف إضرابهم".
حملات التضامن
الأسير المحرر محمود السرسك عقب الافراج عنه
وشدد على أن الأسرى في سجون الاحتلال يعيشون ظروفاً صحية ومعيشية صعبة، مناشداً المؤسسات الحقوقية الدولية للتحرك العاجل لإنقاذ حياة الأسرى وخاصةً الذين يواصلون إضرابهم عن الطعام في "مستشفى سجن الرملة"، أمثال الأسرى أكرم الريخاوي، وسامر البرق، وحسن الصفدي.
وبعد أن تمكّن منه التعب أنهى السرسك حديثه برسالة وجهها إلى أحرار العالم بضرورة تنظيم وقفات احتجاجية وتضامنية للضغط بكل السبل على الاحتلال للإفراج عن الأسرى المرضى المضربين عن الطعام.
ومن جهتها قدّمت وزارة الشباب والرياضة في غزة تهنئتها للأسير المحرر محمود السرسك بمناسبة الإفراج عنه من سجون الاحتلال، واعتبرت نيله الحرية انتصارًا للشعب الفلسطيني، وإنجازًا يحسب للأسرة الرياضية التي تضامنت من أجل مساندته خلال معركة الأمعاء الخاوية.
وفي بيانٍ وصل "إنسان أون لاين" نسخةً عنه دعت الوزارة إلى مواصلة حملات التضامن مع الأسرى ودعم صمودهم حتى تحقيق مطالبهم العادلة بالحرية.
وفي بيانات منفصلة وصلت "إنسان أون لاين" نسخاً عنها تقدمت كافة الفصائل الفلسطينية ومسئولي الحركة الرياضية للسرسك بالتهنئة لانتصاره في معركته ضد الاحتلال.
وبدورها رحبت منظمة العفو الدولية في بيان لها بالإفراج عن السرسك لكنها اكدت أن ذلك "لا يعكس أي تغيير جوهري في استخدام سلطات الاحتلال للاعتقال الاداري".
وطالبت منظمة العفو بالإفراج عن اسيرين آخرين مضربين عن الطعام هما سامر البرق وحسن الصفدي.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75572
