في غـزة..المساجد تتكفل بفقرائها

المساجد في غزة تجسد مفهوم التكافل الإجتماعي- أرشيفية

ما إن فرغ المصلون من صلاة الجمعة حتى ارتفع صوت الإمام منادياً الجموع بأن يتبرعوا بما تجود به أنفسهم ليتم ترميم بيتٍ يقطنه أيتام في الحي قبل أن يعصف به المطر وتقتلعه رياح الشتاء.
وفي كل يوم الجمعة يعلو الإمام المنبر في مسجد علي بن أبي طالب وسط مدينة غزة ليطرح مشكلة على المصلين ليساعدوا أهالي حيهم الفقراء ولو بشيٍء بسيط.. فمرةً يكفلون يتيم وأخرى يدفعون الأقساط الجامعية لأحد الطلاب وأخرى يساعدون عائلة مستورة.
ما يقوم به أهالي مسجد علي بن أبي طالب يفعله عشرات المساجد الأخرى المنتشرة في كل أحياء قطاع غزة, فيتم بها التكافل بين كل أفراد الحي لمساعدة العائلات الفقيرة والمحتاجة دون أن يمدوا يدهم أو يشعروا بذل الحاجة.
وبعد أن فرغ "أبو أحمد" من جمع النقود من المصلين قال لـ" إنسان أون لاين": " ما نقوم به في مسجدنا هو لنشر روح التكافل بين أهالي الحي.. وليساعد الأغنياء الفقراء ويقوموا بواجبهم تجاه جيرانهم في الحي".
وتابع: "هذا المشهد التكافلي هو جزء من إسلامنا وما يدعونا إليه رسولنا الكريم.. ويعمل على تعزيز الثقة في نفوس الفقراء سد احتياجات أسرهم التي تعاني الفقر والمرض جراء الحصار الإسرائيلي المستمر منذ أعوام طويلة".
 
حالات إنسانية
الصغير "أنس عطا الله " 7 سنوات" لا يتوانى عن حضور صلاة الجمعة مرة واحدة ويخبأ مصروفه في ذلك اليوم ليتبرع به في المسجد ويساعد أحد الحالات الإنسانية التي يتم عرضها حتى يكسب الأجر والثواب.
وبكلمات أكبر من سنوات عمره السبع قال أنس لـ"إنسان أون لاين": "في كل مرة أتبرع بها بمصروفي أشعر بفرح كبير لأني ساهمت في مساعدة طفل أو عائلة فقيرة.. واستطعت أن أدخل الفرحة في بيتهم".
ويلتقط والده طرف الحديث قائلاً: " ما يقوم به المسجد من تكافل اجتماعي بين أهالي الحي يشعرنا أننا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. يجعل التآلف بين الناس يزداد ويكبر".
وكشفت مؤسسات إنسانية وحقوقية في قطاع غزة أن 80 في المائة من سكان قطاع غزة يعيشون تحت خط الفقر, وأشارت إلى وجود عشرات الآلاف من العمال يجلسون على رصيف البطالة بدون عمل، ومليون فلسطيني يعيشون على المساعدات الإنسانية من الجمعيات الخيرية ومعدل دخل الفرد اليومي دولارين فقط.
 
وضع صعب
وعن فكرة التبرعات الأسبوعية التي تنشط بها أغلب المساجد في قطاع غزة قال "أبو سائد" المسئول عن التبرعات في مسجد السدرة لـ" إنسان أون لاين: "في ظل الوضع الاقتصادي المتردي والأحوال الاجتماعية السيئة وامتداد الحصار لأكثر من خمس سنوات خرجت الفكرة إلى النور لمساعدة أسر العائلة المنكوبة والفقيرة وكل من يحتاج للعون ويطلب المساعدة".
ويضيف "أبو سائد": من خلال التبرعات التي يتم جمعها نستطيع مساعدة الأسر الفقيرة وتنفيذ مشاريع صغيرة تستطيع أن تعتاش عليها دون أن تحتاج لمد يدها للآخرين.. كما أن الطالب الجامعي الفقير له حصة.. فكل الطلاب الذين لا تستطيع أسرهم الإنفاق عليهم وتحمل رسوم كلياتهم نساهم في تكفل جزء من نفقاتهم".
وعن آلية صرف التبرعات إلى المحتاجين قال: "من يحتاج للمساعدة يقوم بكتابة طلب للجنة المتخصصة بذلك في المسجد، والتي تقوم بدورها بالتحقق من مصداقية الطلب ثم ترفع تقريرها إلى المسئولين عن التبرعات الذي يقرر في مسألة منح المساعدة، وقيمتها".
ورغم تنامي هذه الظاهرة في قطاع غزة إلا أنها بحاجة للتنظيم أكثر وتوسيع نطاقها خاصة في ظل تزايد وطأة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الأهالي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
 
سأواصل الدراسة
الطالب الجامعي "محمد رشيد" لم يتمكن من التسجيل بالجامعة لسنته الأخيرة لعدم حصوله على المبلغ الكافي وبسبب الضائقة المالية الكبيرة التي يعاني منه والده ولذلك قرر أن يوقف دراسته إلا أنه تمكن من العودة بعد تكفل مسجده بكافة سنته الدراسية.
وعن تجربته قال محمد لـ" إنسان أون لاين": " ما أن أنهيت عامي الدراسي حتى شعرت بغصة كبيرة لعدم تمكني التسجيل للفصل القادم لكي أباشر بحث تخرجي ووالدي عاطل عن العمل لا يستطيع تحمل أعباء ونفقات الدراسة.. وأنا لا أستطيع الدراسة والعمل في وقت واحد".
وتابع: "اقترح على أحد أصدقائي أن أطرح مشكلتي على اللجنة الاجتماعية في المسجد وأطلب المساعدة ويساهموا معي بدفع رسوم الجامعة ونفقات الدارسة.. وبعد عدة أسابيع جاءت الموافقة وتكفلوا بكافة المصاريف".