اللاجئون السوريون في لبنان يعيشون أوضاعا معيشية صعبة- أرشيفية
ارتفع عدد اللاجئين السوريين في لبنان في الآونة الأخيرة مع تصاعد وتيرة العنف في كافة نواحي سوريا ليتجاوز عددهم المئة ألف نازح فروا إلى بلد الجوار الإقليمي هربا من مطر رصاص يعصف بشتاء سوريا.
ويعيش هؤلاء وسط ظروف معيشية قاسية وأحوال مأساوية تجمع بين لوعة الغربة والخوف من المجهول وصعوبة الحياة في اماكن لا تليق بساكنيها، في اماكن متعددة من لبنان تترافق مع عدم إيصال المساعدات الإنسانية للعديد منهم خاصة في ظل إعلان الجهات الرسمية اللبنانية ان اعداد النازحين السوريين في لبنان اصبح يفوق قدرة لبنان على تأمين احتياجاتهم.
ويتأرجح اللاجئ السوري في لبنان بين نار القذائف في سوريا ونار الغلاء في لبنان وصعوبة تأمين ضروريات الحياة بسبب صعوبة تأمين مسكن لائق بأجر معقول حيث يتراوح ايجار المسكن كحد ادنى بين200 و400 دولار في ضواحي العاصمة بيروت، على الرغم من سوء حال معظمها، إضافة الى ما يعانيه النازحون جراء افتقارهم إلى الاوّلويات الحياتية كالماء والكهرباء نظرا لصعوبة وغلاء الحصول عليهما في لبنان.
مراسلة وكالة الأنباء القطرية "قنا" قامت بجولة ميدانية في ضواحي بيروت وفي بعض الاماكن التي يتواجد النازحون السوريون فيها في مناطق مختلفة من لبنان لترصد واقع وظروفهم المعيشية.
مشهد مؤثر طغى على كل من التقيناهم من النازحين هو مشهد رجل كبير السن يبكي وطنه، بعيون دامعة وبحسرة ولوعة على فراق موطىء القدم، على الدار التي بناها بعرق جبينه، في كلمات شبه مفهومة وعيون تبكي دما قال اللاجئ السوري الى لبنان محمود صيدي (من جبل الزاوية) وهو في العقد الثامن من عمره "نحمدالله ونشكره على النعمة التي نحن فيها".
وعدنا وكررنا السؤال كيف هي اوضاعكم المعيشية في ظل وجودكم في هذا المسكن غير اللائق يقول"الحمدلله العالم هنا طيبين"..قرأنا في عيونه أن حزنه على بلده أكبر من أن يتكلم، أكبر من أن يفكر بالمكان الذي يأويه، أكبر من أن يفكر بما يأكله وما يشربه، وعند قولنا له "إننا قرأنا ما تريد أن تقوله بعينيك" دمعت عيناه وبدأ يضرب بعصاه وقال بحسرة "همي بلدي وليس نفسي".
من جهتها قالت السيدة أم محمود التي بدت منهمكة بتحميل ركام من الأثاث المتواجد في المكان "لا مدارس لاولادنا ونسكن في بيت يضم 9 أفراد والأولاد الخمسة لا يذهبون إلى المدرسة وزوجي لا يعمل منذ ثلاثة أسابيع وهو ما اضطرنا لأن نرحل إلى مكان آخر لا ندفع فيه إيجار، الإيجار غالي هنا 200 دولار وسننتقل الى مكان آخر".
وما لفت انتباهنا أثناء الجولة الميدانية في ضواحي العاصمة بيروت ان البيت الواحد كان يأوي 3 أو 4 عائلات وتتراوح قيمة الإيجار ما بين 200 إلى 500 دولار كحد أدنى وهي بيوت غير مجهزة ولا تناسب عائلات يتواجد فيها أطفال ورضع خاصة مع اقتراب موسم الشتاء.
وقال محمد خليل إن ما يشغل باله أن أخاه تم اعتقاله اثناء عودته من سوريا إلى لبنان الأسبوع الماضي، وعند السؤال هل ستعودون إلى بلدكم قال "لم يبق لنا بيوت"، وأشار إلى أنهم يسكنون 3 عائلات في نفس المنزل حيث يتقاسمون الطعام بما تيسر، لافتا إلى أنه يعمل ايام معدودة في الشهر حيث لا تتوفر له الفرصة للعمل نظرا لتزايد أعداد العمال السوريين في المنطقة التي يسكن فيها، مضيفا وهو النازح من منطقة ادلب أن الظروف المعيشية صعبة وهو ما يحول دون إرسال أولاده إلى المدارس خاصة مع ارتفاع إيجار المسكن وهو "200" دولار شهريا.
أما فادي مصطفى فيقول بحسرة ولوعة "أتمنى العودة إلى بلدي ولكن بلدنا أصبحت خراب"، وأضاف أنه يحصل وعائلته على بعض المساعدات من بعض المؤسسات الخيرية المعنية بذلك. وأشار مصطفى إلى أنه لم يتم تسجيل عائلته لدى أي من اللجان المعنية بشؤون النازحين السوريين بلبنان، مؤكدا قيام بعض الجمعيات الخيرية في المنطقة بتقديم المساعدات لهم.
من جهتها تقول السيدة وفاء (أم لاربع بنات) ولديها حفيدان انها جاءت إلى أهلها في لبنان بعد أن تهدم المنزل الذي كانت تسكنه مع زوجها وابنتها في إحدى البنايات قرب العاصمة دمشق، وأضافت أنها انتقلت من منزلها الذي كان قد شهد أحداثا أمنية في محيطه وانتقلت إلى منزل أقارب زوجها لكونه أكثر أمانا، وقالت ولكن لسوء الحظ "لم يمض سوى أسبوعان على انتقالنا للمكان باعتباره أكثر أمانا حتى تحطم الحلم بالاستقرار بانهيار شبه كامل لبناية اقارب زوجي"، وتطرقت إلى سوء الأحوال المعيشية وإلى مخاوف من استمرار الأزمة التي يصعب معها الانتقال حتى إلى مكان العمل لزوجها أو حتى لشراء الحاجيات.
وتطرقت السيدة التي لجأت إلى أقاربها في إحدى قرى جبل لبنان إلى نهار الانفجار الذي حصل قبل ثلاثة أسابيع وهز مكان أقامتها في سوريا، لافتة الى انه قد تم انتشالهم من تحت الانقاض هي وحفيدها ومن كان في البناية، وقالت"لم أكن خائفة على نفسي كنت خائفة على حفيدي الذي كان عندي"، وقالت "إن حالة الفقر والعوز تضاهي بصعوبتها الخوف والإرهاب الذي نعيشه".
وأشارت إلى أنه على الرغم من أن معظم سكان المبنى نجوا من الانفجار الذي راح ضحيته عشرة قتلى كانوا أمام المبنى إلا أن خطر الاختناق من الدخان كان يهدد الناجين من الانفجار، قائلة "لم أعرف وجوه من انقذوني أنا وحفيدي وكنت أصرخ نحن هنا حتى سمع من كان يسعف من كان في المبنى"، لافتة إلى أن المبنى كان يضم عائلات من طوائف ومذاهب مختلفة رافضة أن يتم تصنيف الحرب في سوريا على إنها ضد طائفة معينة حسب ما يتم الترويج له.
وعند سؤالنا عمن هو المسؤول عن الانفجار الذي وقع في مكان سكنهم قالت "لا يهم ولا أعرف ولا أريد أن أعرف ما أعرفه أننا نريد الأمان حرام ما يحصل لنا والله وحده يعيننا".
وتقول أميرة غوشي (أم لستة أطفال) إنهم لم يسجلوا لدى الجهة المعنية بتسجيل اللاجئين السوريين خوفا من مواجهة مشاكل أمنية عند عودتهم إلى بلدهم في ظل وجود أقاويل أن من يتلقى مساعدات أو يتم تسجيله على أنه لاجئ يمنع أو يواجه صعوبة بالعودة إلى بلاده.
وأشارت إلى صعوبة أوضاع اللاجئين السوريين غير المسجلين لدى الجهات المعنية وهو ما يحول دون تقديم مساعدات لهم خاصة أن كل بيت يسكنه 3 أو 4 عائلات يتكفلون إيجار المسكن وتأمين ضروريات الحياة التي تشهد ارتفاعا مطردا في الاسعار في لبنان.
وقالت "رفضنا تسجيل اسمائنا على اننا لاجئون لانهم سيعملون لنا مشكلة على الحدود السورية وبالتالي مشكلة من العودة في حال تسجيل اسمائنا كلاجئين".
وأضافت أن الأولاد لا يذهبون إلى المدارس وأن النفقات من عمل زوجها محصورة بالصرف على الطعام والايجار "300" دولار، وأكدت أن عدم تسجيل أسمائهم للحصول على مساعدات من الجهات المعنية بذلك في لبنان يعود إلى مخاوف سياسية وعدم تمكنهم من العودة الى بلدهم.
أما السيدة هاجر المحمد التي تقطن في إحدى المخيمات الفلسطينية في بيروت مع إبنها وعائلتها المؤلفة من خمسة أفراد تقول إن هناك تعاطفا مع النازحين في لبنان في المكان المتواجدة فيه، وترفض أن يطلق عليهم اسم لاجئين وتقول "نحن في بلدنا وإذا حصلت حوداث مماثلة للبنان أنتم أيضا ستكونون في بلدكم سوريا ولن تكونون لاجئين لاننا كلنا عرب".
وقالت إن أحفادها الأربعة لا يذهبون إلى المدارس وأن العائلة تحصل على مساعدات من بعض الاشخاص فقط، وأنهم لم يقصدوا أي جهة معنية بشؤون النازحين في لبنان.
من جهتها تقول السيدة مطرة شعبان (من شرق حلب) وهي أم لسبعة أولاد أن عائلتها لا تتكلف نفقة إيجار لأنها تكفلت بما يسمى "ناطور البناية" (راعي العمارة) لتأمين التواصل مع قاطني البناية من اللاجئين السوريين وصاحب الملك، وأشارت إلى الصعوبات التي تعانيها الأسرة نتيجة محدودية الدخل وفي ظل ارتفاع الأسعار في لبنان.
وأضافت أن هناك العديد من المؤسسات الخيرية والدول التي تقدم مساعدات انسانية ولكن نحن لا نسجل أسماءنا للحصول على تلك المساعدات خوفا من مواجهة صعوبات عند العودة إلى سوريا.
وقد تجاوز عدد النازحين السوريين في لبنان الـ106280 نازحا، من بينهم ما لا يقل عن 77000 مسجلين بالإضافة إلى حوالى 30000 شخص في انتظار حلول موعد تسجيلهم.
وأوضح التقرير الاسبوعي لمفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين ان المفوضية قامت بتسجيل أكثر من 20000 نازح خلال الأسبوع الماضي في مراكزها في كل من طرابلس وبيروت، ومن خلال عملية التسجيل المتنقلة في عرسال والقاع، وذلك مع افتتاح مركز في الغازية في جنوب لبنان. بحيث يتم تسجيل ما معدله 1000 نازح في اليوم في مختلف أنحاء لبنان.
وأشار التقرير إلى أن النازحين السوريين المسجلين يتوزعون حاليا على الشكل التالي: شمال لبنان: 41648، البقاع: 32217، بيروت: 3149.
ويشكل تزايد أعداد النازحين السوريين في لبنان محط انظار من قبل شتى الجمعيات والمؤسسات الدولية والمحلية المتابعة لاحتياجات النازحين، إضافة إلى الهيئة العليا للإغاثة ووزارة الشؤون الاجتماعية، اللتين يتركز اهتمامها بشكل أساسي في القرى والبلدات الحدودية الشمالية، في حين يسجل تنظيم شؤونهم وتسجيلهم للحصول على مساعدات في مناطق متعددة بحاجة الى متابعة اكثر وهو ما لمسناه في جولتنا الميدانية.
ويتمحور دور تلك المؤسسات على إحصاء أعداد النازحين بشكل دوري، من أجل رصد الوافدين الجدد، وتلبية احتياجاتهم، ولكن السؤال يتمحور إلى أي حد تستطيع الجهات المعنية في لبنان مواكبة احتياجاتهم حيث فاق عددهم المئة الف وهو ما استدعى طلب مساعدة المسؤولين اللبنانيين من الدول الخارجية لمساعدة لبنان على ذلك.
وقال العميد مروان شربل وزير الداخلية والبلديات اللبناني قبل أيام أن أعداد النازحين السوريين المتزايدة اصبحت تفوق قدرة لبنان على تلبية احتياجاتهم في هذه المرحلة الصعبة.
وتشير المعطيات إلى أن أعداد النازحين في ارتفاع مطرد، بين أسبوع وآخر، حيث يستمر النازحون بالتوافد إلى لبنان.
وقد شكل لبنان لذلك لجنة للبحث في موضوع النازحين السوريين اللجنة المكلفة بمتابعة أوضاع النازحين السوريين في لبنان، التي يرأسها رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي ويشارك فيها وزير الصحة علي حسن خليل، ووزير الداخلية والبلديات مروان شربل، ووزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور، ووزير الدفاع الوطني فايز غصن، ووزير التربية حسان دياب، والأمين العام لـ الهيئة العليا للإغاثة العميد ابراهيم بشير.
وتتولى اللجنة توزيع المسؤوليات على الوزارات المعنية. ويضطلع فيها كل من وزارات الصحة والشؤون الاجتماعية والتربية، والهيئة العليا للاغاثة بدور اساسي، إضافة إلى دور وزارتي الدفاع والداخلية في القضايا المتعلقة بالإجراءات الإدارية أو ببعض الإجراءات التي يحتاجها بعض النازحين السوريين الذين يأتون الى لبنان بشكل غير شرعي.
أما عن عدد النازحين السوريين إلى لبنان، أن الدولة تعتمد على الأرقام التي تعلنها المفوضية العليا للاجئين، وهي الجهة المعنية بتسجيل النازحين حيث تهتم بكل الشؤون الحياتية المتعلقة بالنازحين من جهة توزيع الحصص الغذائية، وتأمين الدواء والاستشفاء إضافة إلى مواكبة التحاق الطلاب السوريين بالمدارس الرسمية.
وأكد السيد وائل أبو فاعور وزير الشؤون الإجتماعية اللبناني خلال لقائه مع السيدة إيركا فيلر مساعدة المفوض السامي في الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين شهر نوفمبر الجاري على ضرورة "توفير الدعم الدولي المستمر للدولة اللبنانية لتمكينها من متابعة العمل في ملف اللاجئين السوريين، خصوصا مع ارتفاع عددهم والتزايد المطرد في احتياجاتهم مع بدء فصل الشتاء".
ويتوقع عدد من المراقبين بتزايد اعداد النازحين في لبنان خلال الفترة القادمة مع تصاعد وتيرة العنف في سوريا والتي ادت الى فرار أكثر من 11ألف سوري إلى تركيا ولبنان والأردن في الأيام القلية الماضية استنادا إلى الأمم المتحدة التي اعتبرت أن هذه كانت كبرى موجات اللجوء منذ بدء النزاع قبل أكثر من 20 شهراً.
ويبقى السؤال إلى أي حد يستطيع لبنان تأمين احتياجات هؤلاء في ظل ارتفاع الأسعار في لبنان، إضافة الى صعوبة احصاء أعدادهم نظرا لعزوف أعداد كبيرة منهم عن التسجيل لدى الجهات المعنية بذلك لمعطيات خاصة بهم كالخوف من تسجيلهم لاجئين كما هو الحال مع بعض من التقيناهم وخاصة مع بدء موسم الشتاء في لبنان وما تحتاجه العائلات من مستلزمات تدفئة وما إلى ذلك.
ويبقى الأمل أن تسارع الجهات والمؤسسات العالمية الى مساعدة لبنان على تلبية احتياجاتهم خاصة أن المسؤولين اللبنانيين اصبحوا يطلقون نداءات لمساعدتهم لدى اجتماعاتهم مع مسؤولين من مختلف دول العالم، فيما يبقى الجواب رهن الأيام القادمة على كيفية تعامل لبنان بمساعدة المجتمع الدولي لمواجهة الموجات الوافدة من النازحين السوريين إلى لبنان وتلك المتوقعة وسط تنبؤأت بتضاعف الأعداد بما يفوق قدرة لبنان على الوفاء بمتطلبات الرعاية الاجتماعية والصحية خاصة مع قدوم فصل الشتاء اضافة الى تأمين شروط السلامة والأمن.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75714
