هل صار الغذاء الرخيص شيئاً من الماضي؟

الجفاف احد تداعيات الإحتباس الحراري- ارشيفية

حين يختفي رغيف الخبز من فوق مائدتك، أو تعجز الام عن إسكات صراخ طفلها الجائع الباحث عن إفطاره اليومي، فتأكد يقيناً أن العالم يواجه ازمة في الغذاء، فلا سنابل القمح تنبت في الحقول ولا عيدان الذرة قادرة على الوقوف في وجه الحرارة اللافحة، حرارة تزداد درجتها يوماً بعد يوم وعاماً تلو الاخر تهدد العالم بالجفاف وتنذر الفقراء بالمجاعة.

في ادبيات الشعوب يطلقون عليها "الجوع"، وفي مراكز الابحاث يعرفونها بـ"ظاهرة الاحتباس الحراري"  فقد باتت موجات الحر الناتجة عن تغير المناخ تمثل تهديدا لإمدادات الغذاء من الحقول إلى المتاجر، بسبب الحرائق وموجات الجفاف، التي تضرب العالم .

وتطرح  "أزمة الغذاء" نفسها  كواحدة من القضايا الساخنة على طاولة النقاش في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن عشر للتغير المناخي " COP18/CMP8"  الذي ستستضيفه دولة قطر خلال الفترة من 26 نوفمبر و حتى 7 ديسمبر 2012، والذي يمثل منصة علمية مهمة لمواجهة تحديات التغير المناخي، وتبني المسائل الحيوية التي تعنى بمستقبل الأجيال القادمة.

ومن المعروف أن أسعار القمح والذرة والأرز وفول الصويا، وباقي المواد الغذائية الأساسية تضاعفت في السنوات الأخيرة إلى ضعفين، أو إلى ثلاثة أضعاف، بل تصاعدت بشكل مقلق في الأشهر القليلة الماضية، فإذا كانت الأسعار المرتفعة للمواد الغذائية ترهق سكان الدول الأكثر رفاهية، فإنها "مدمرة " بالنسبة للبلدان الفقيرة، حيث تنفق العائلات أكثر من نصف دخلها على الغذاء.

آنا كارلا لوبيز، هي خبيرة بإدارة تحليل مشروعات الأمن الغذائي والمشروعات الزراعية في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، تقول "إن تغير المناخ ناجم عن نشاط الإنسان بما في ذلك الإنتاج الصناعي، وعوادم السيارات، وقطع الأشجار، وهذه الأنواع من الأنشطة تزيد في تركيز غازات ثاني أكسيد الكربون، الميثان، الأكسيد النتري في الجو، مما يساعد على تسخين الأرض، وبالتالي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري أو ما تسمى بـ "الاحترار العالمي".

لكن علمياً ما هو الاحتباس الحراري الذي يشارك ملايين البشر في قوتهم اليومي؟ برزت ظاهرة "الاحتباس الحراري" كخطر حقيقي مع الثورة الصناعية التي شهدتها البشرية، وتراكم ملايين الأطنان من الغازات السامة في الغلاف الجوي للكرة الأرضية، وتعرف بأنها الزيادة التدريجية في درجة حرارة أدنى طبقات الغلاف الجوي المحيط بالأرض فمنذ بداية الثورة الصناعية، وغازات ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروز والأوزون تلعب دورا مهما في تدفئة سطح الأرض حتى يمكن الحياة عليه، فبدونها قد تصل درجة حرارة سطح الأرض ما بين 19 درجة و15 درجة تحت الصفر، لكن مع استمرار الاتجاه الراهن في انبعاثات الكربون، فإن درجات الحرارة سوف تزيد بنحو درجة مئوية واحدة بحلول عام 2030 وبدرجتين مئويتين في نهاية القرن القادم، وأنه – ربما- سيكون لهذه الزيادة تأثيرات متباينة باختلاف الأقاليم.
 
ومع منتصف عام 2012 تقريباً، وهي الفترة التي بدأت تلوح فيها مجدداً أزمة غذاء عالمية على غرار سابقتها التي وقعت عامي 2007 و 2008، خاصة بعد تضخم أسعار السلع الغذائية خلال شهر يوليو العام الحالي بدرجة كبيرة.

ففي هذا الشهر، ارتفعت أسعار الذرة وفول الصويا بنسب تجاوزت مستوياتها السعرية القياسية 25 و 17 بالمائة على التوالي، وهو ارتفاع غير مسبوق منذ الأزمة الماضية، حيث تحرك سعر القمح مدفوعاً بتحرك أسعار الذرة وقارب نسبة ارتفاع الأخير.

وقد دفع هذا الارتفاع منظمة الأغذية والزراعة "فاو" إلى التوقع بتراجع الإنتاج العالمي من الحبوب نتيجة الجفاف، والتغير المناخي، واستخدام الغذاء في إنتاج الوقود البيولوجي، ما سيؤدي إلى تراجع المخزون العالمي بنهاية عام 2013.

ويعني ارتفاع الأسعار أن المبلغ الإجمالي الذي تدفعه البلدان ثمنا للأغذية المستوردة في هذا العام سوف يتجاوز المليار دولار للمرة الثانية فقط، حسب تقرير أصدرته هيئة الأمم المتحدة.

ففي عام 2010، ارتفعت فاتورة شراء الغذاء بنسبة 15بالمائة تقريباً عن العام السابق له، وقريبة من أعلى مستوى وصلت إليه وقدره 1.31 مليار دولار خلال أزمة عام 2008.

وفي عام 2011، دقت "فاو" ناقوس الخطر، حيث حذرت من ارتفاع الأسعار في الأعوام التالية، فيما حثت المزارعين على توسعة المساحات التي يزرعونها بشكل كبير. وقالت "ما لم يكن الطقس مواتياً، ينبغي أن يستعد العالم حتى لأسعار أعلى".

ووفق تقرير حديث أصدرته "فاو"، فإن الإنتاج العالمي من الحبوب تراجع بنحو 23 مليون طن في يوليو الماضي فقط، بسبب استمرار حالة الجفاف، وارتفاع درجة الحرارة عن المتوسط في مراكز إنتاج الغذاء بالعالم، خاصة في الولايات المتحدة وروسيا، وهو ما دعا المنظمة إلى تخفيض توقعات الإنتاج من الذرة، في الوقت الذي كان متوقعا فيه حدوث زيادة كبيرة في الإنتاج العالمي من الحبوب الخشنة (مثل الذرة) هذا العام.

ويحذر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة "إيفاد" من أن صدمات أسعار الغذاء قد تضر عشرات الملايين في الأشهر المقبلة، مطالبا زعماء العالم بالقيام بتحرك "سريع ومنسق" ليضمنوا عدم تحول الصدمة إلى كارثة.

وقال الصندوق، في تقرير حديث صدر مؤخراً، "إنه يتعين على الزعماء أن يعالجوا المشكلة الآنية المتمثلة في ارتفاع الأسعار والمسألة طويلة الأجل المتعلقة بكيفية إنتاج الغذاء واستهلاكه في ظل نمو السكان والطلب والتغير المناخي".

وتشير تقديرات لمنظمات دولية إلى أن نحو 16 بالمائة من الأراضي الزراعية عالميا لم تعد صالحة للزراعة بشكل جزئي، أو كلي، ولأسباب متعددة، أبرزها التغييرات المناخية التي ساهمت بشكل كبير في تصحر الأراضي الزراعية، خاصة في قارتي إفريقيا وآسيا، كما ساهمت في تأخير تحول كثير من الغابات في العالم إلى أراض زراعية، وذلك لأن المحافظة على الغابات أصبحت استراتيجية دولية لمكافحة ارتفاع حرارة الأرض، ومقاومة التغيرات المناخية، إلا أن الأبحاث القائمة على تطوير طرق وآليات للزراعة غير التقليدية التي تمكن من استخدام الغابات لسد الاحتياجات الغذائية للعالم مع الحفاظ على وضعها كغابة، سيخفف من تأثير منع تحول الغابات إلى أراض زراعية تقليدية.

كما تشير التقديرات إلى أن الطلب على أنواع الحبوب المختلفة لإنتاج الوقود البيولوجي ستساهم وحدها في رفع الأسعار بما نسبته 15 بالمائة في الأعوام القليلة المقبلة، وهنا يطرح طلب التراجع عن استخراج هذا النوع من الوقود نفسه حلاً للمساعدة في أزمة الغذاء التي يعانيها العالم.

فقد شددت منظمة الأغذية والزراعة "فاو" على ضرورة التراجع عن استخراج هذا الوقود، والكف عن اقتلاع أشجار الغابات لزراعة نباتات بعينها يستخرج منها مثل "قصب السكر"، ومساعدة الدول الفقيرة في دعم مشاريع القطاع الزراعي فيه، محذرة من خطورة السير في طريق استخراج هذا الوقود من النباتات، وأن الحصول على غذاء رخيص قد يصبح شأنا من الماضي.

وتتوقع دراسة أعدتها "فاو" مؤخراً انخفاض إنتاج إفريقيا من الحبوب عام 2020 ما بين 2 إلى 3 بالمائة، وهو الانخفاض الذي قد يعرض 10 ملايين شخص للأخطار، بسبب تأثيرات تغير المناخ على إنتاج الأغذية، والتي تبدو ملموسة فعلاً، بل تطرد وتيرتها بسرعة أعلى مما كان متوقعاً من قبل.

فارتفاع درجات الحرارة يتسبب في إجهاد المحاصيل والماشية، حيث إن ارتفاعها في الليل يمكن أن يؤثر بصورة سلبية على تكوين الحبوب، وعلى الجوانب الأخرى لنمو المحاصيل، فضلا عن احتمال انخفاض منسوب الأمطار في بعض مناطق انعدام الأمن الغذائي، كالجنوب الإفريقي والمنطقة الشمالية من أمريكا اللاتينية، وزيادة معدلات التبخر، وهبوط مستويات رطوبة التربة، وتمركز هطول الأمطار في عدد ضئيل من الفترات المطيرة، والزيادة في عدد أيام الأمطار الغزيرة، مما يؤدي إلى أخطار الانجرافات والسيول.