غالبية الغزيين لا يستطيعون تأمين تكاليف العلاج في العيادات الخاصة
يصعد المسن السبعيني جهاد أبو عيشة "متثاقلاً" درج إحدى عيادات الغدد الصماء والسكري، بعدما أثقله المرض وأضعف بصره وأنهكته مراجعات المشافي العامة في مدينة غزة.
جلس أبو عيشة (70 عامًا) وتنهد ممسكًا بمحفظة نقوده استعدادًا لدفع مبلغ 50 شيكلا "كشفية" العلاج وقال: "لم أعد أقوى على الانتظار طويلاً في المستشفى حتى مجيء دوري، ولم أعد قادرًا على دفع تكلفة الكشفية والعلاج بالعيادات الخاصة".
ويشتكي مرضى من ارتفاع تكلفة الكشفيات في العيادات الخاصة في قطاع غزة التي تتجاوز أحيانًا 50 شيكلاً والتي يعتبرها الكثير منهم عبئًا ماديًا إضافيًا على كاهلهم، خصوصًا إذا كان هناك عدة مرضى في العائلة الواحدة.
وأشار المسن الذي يعاني من مرض السكري إلى أن المرضى يلجأون للعيادات الخاصة بحثًا عن علاج سريع، مضيفا أن "أطباء تلك العيادات الخاصة يُدركون تلك الحقيقة فهم يفرضون الرسوم التي يريدونها وهم على ثقة أن المريض لن يتردد بالدفع".
شيرين أبو حطب إحدى المراجعات لعيادة أسنان خاصة، قالت إن العيادات الخاصة غير ملتزمة بتسعيرة علاجية معينة.
وأضافت أبو حطب (41 عامًا) لوكالة أنباء "صفا": "راجعت العيادةً وبعد معاينة الطبيب لحالتي فوجئت بالمحاسبة تطلب مني 500 شيكل، وعندما أبديت دهشتي من ارتفاع المبلغ اتصلت بالطبيب الذي قرر خفضه، فتأكدت حينها أن الرسوم العلاجية في القطاع الخاص يتم تحديدها وفقاً لمزاج الأطباء".
تُجار لا أطباء
من ناحيته، قال طبيب الأسنان أحمد الشقرة (32 عامًا) إن "اتهام" الأطباء بتعمد إهمال مرضاهم المراجعين بالمستشفيات الحكومية ليس دقيقًا تمامًا، موضحًا أن المستشفيات الحكومية غير قادرة على توفير كل ما يلزم من علاج وعناية يحتاجها المريض".
ولفت الشقرة في حديثه لوكالة "صفا" إلى أن بعض الأطباء في عملهم الحكومي يسيئون التعامل مع مرضاهم "وهو ما يدفع المرضى لاعتبار أنهم ليسوا أطباءً، بل تجار يمكن مساومتهم".
واستدرك بالقول إن أطقم وزارة الصحة لا تنفذ حملات مراقبة دورية على العيادات للتأكد من التزام أطباء العيادات بالتسعيرة الكشفية التي حددتها الوزارة، ما يفسح الباب واسعًا أمام أي طبيب لرفع سعر الكشفية والعلاج دون رقيب.
وأضاف الشقرة أن ارتفاع إيجارات العيادات والمعدات والمواد الطبية المستخدمة في العلاج تسهم أيضًا في زيادة التكلفة على المراجع.
ولفت إلى أن بعض الأطباء في العيادات الخاصة يلجأ إلى استخدام تقنيات وعلاجات وأجهزة أقل كفاءة من نظيراتها المتطورة، تماشيًا مع عدم رغبة المرضى بدفع تكاليفٍ عالية ورغبةً من الطبيب في "زرع الثقة" بينه وبين المريض للتخفيف من الجانب المادي على حساب الألم.
وقدم الشقرة بعض أسعار تكلفة بعض جراحات الأسنان في العيادات الخاصة وفق ما حددتها نقابة الأطباء وهي على النحو التالي: 40 شيكلا لحشوة الضرس، و350 شيكلا لتركيب ضرس، و50 شيكلا لخلع جراحي للضرس، و200 شيكل لخلع ضرس العقل الجراحي.
ودعا طبيب الأسنان إلى رفع مستوى الخدمات التي تُقدمها المستشفيات الحكومية لترقى لألم المرضى وعدم الاكتفاء بتقديم الأساسيات فقط.
يشار إلى أن 13 مستشفىً حكوميًا في قطاع غزة بسعة تزيد عن 1500 سرير، وتقدم خدماتها سنويًا لما يزيد عن 156 ألف حالة مرضية في أقسام المبيت وبمدة مكوث تبلغ ثلاثة أيام للحالة.
إساءة الظن
من ناحيته، قال طبيب الأمراض الجلدية وهيب شحادة (42 عامًا) إن المرضى يجهلون حقيقة الفرق بين العمل الطبي الحكومي والخاص، وهم لا يحبذون الدفع النقدي ويساومون على علاجاتهم في معظم الأوقات، على الرغم من أنهم يزورون العيادات الخاصة بإرادتهم".
وأوضح شحادة لوكالة "صفا" أن كثيرًا من العقاقير التكميلية غير متواجدة في مخازن وزارة الصحة، في حين "يتذمر" المريض المراجع للعيادات الخاصة حال وصف الطبيب له دواءً عالي التكلفة نسبيًا.
وأشار إلى أن بعض المرضى يعتقدون أن توصيف الطبيب في المشافي الحكومية لعقارٍ معين، يعني أن الطبيب "يُلمح له" بمراجعته في عيادته الخاصة وعدم مراجعته ثانيةً في عمله الحكومي، "وهو ما يثير دعاية الطب التجاري للعيادات الخاصة".
ولفت شحادة إلى أن المرضى الذين يلزمهم عمليات جراحية بالمستشفيات الحكومية لا يقدرون "التكدس" اليومي لعدد المراجعين واضطرار الأطباء إلى تنظيم العمل عبر مواعيد معينة وفقًا لخطورة الحالة، الأمر الذي يُساء فهمه من قبل باقي المرضى بأنها "مماطلة" وعليهم مراجعة العيادات الخاصة لإجراء العملية بتكاليف إضافية قد تفوق قدرته المادية".
رقابة وملاحقة
من جانبه، قال مدير وحدة الإجازة والتراخيص ومدير عام ديوان الوزير بوزارة الصحة ماهر شامية إن طواقم التفتيش التابعة للوزارة تنظم حملات مفاجئة على العيادات لمراقبة قانونيتها وأسعارها العلاجية، مشيرًا إلى أن تسعيرة الكشفية للأطباء الاختصاصيين تبلغ 50 شيكلاً، و20-30 شيكل لغير الاختصاصيين.
وأضاف شامية لـ"صفا" أن وحدته تتابع بشكلٍ مستمر أسعار الكشفيات والعلاجات المقدمة من القائمين على العيادات الخاصة، مؤكدًا ضبط عدة حالات مخالفة سُجلت ضد عيادات وتم تصويب أوضاعها.
وقال "تمكنت طواقم التفتيش في الوزارة من ضبط طبيب متخصص في أمراض الجلد والتجميل بعد ورود شكاوى من مريض بمحاولة ابتزازه، وتلميحه بوجوب مراجعة الطبيب في عيادته الخاصة، وتدخلت الطواقم عبر إلزامه بتعهد وإنذار نهائي بإغلاق العيادة حال تكرر الشكوى وثبوت الجناية عليه".
وأقرّ مدير الوحدة بتسجيل شكاوى ضد بعض الأطباء العاملين في المشافي الحكومية وتعمد "اهمال وابتزاز" مرضى.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75893
