تعبيرية
يقولون إنَّ لكل إنسان من اسمه نصيب، و"أمل" التي يظن البعض أنها افتقدت بريق اسمها، بعد أن اجتمع عليها مرض نادر وغربة وحرمان من العمل في آن واحد، تصر أن ترسم لحياتها طريقا يحمل معنى "الأمل"، بروح وثابة وهمة متقدة.
عادت "أمل توفيق محمد أبو عبدو" (47 عاما) إلى غزة قبل أيام، بعد سنوات من الغربة الجبرية فرضتها إجراءات العلاج في ألمانيا، حيث البلد الذي حصلت على جنسيته بعد زواجها هناك عام 2001، قبل أن ينفصل عنها زوجها، الذي لم يصبر على أنينها.
صناعة الحلم
لم يمنع مرض "أمل" الذي تعاني منه منذ 27 عاما ومأساة الغربة والحرمان من أن تبني في داخلها حلما جميلا، وأن تشارك بعمل في محيطها المجتمعي بألمانيا يكون في ميزانها عند الله، تنسى من خلاله بعض آلامها.
وفي طريقها نحو "الأمل"، ساهمت "أمل" بشكل كبير ببناء مدرسة لتعليم اللغة العربية والتربية الإسلامية للمسلمين الجدد في المنطقة التي كانت تعيش فيها في إحدى ضواحي العاصمة الألمانية برلين.
هذه المدرسة توسعت، وباتت الآن نقطة التقاء رئيسية للمسلمين في ألمانيا، وتنظم من خلالها مهرجانات الأعياد والمناسبات الإسلامية بمشاركة واسعة من المسلمين هناك، وتقول: "أفتخر جدا بهذا العمل, فأنا سأكمل ما تبقى من حياتي خادمة لهذا الدين ولهذا الوطن".
ورغم مرضها و"قلة حيلتها" وتحذيرات أطبائها بأنها بحاجة لراحة فكرية ونفسية وجسدية، لم تنس "أمل" قضيتها الأولى "قضية فلسطين"، وكانت تشارك بفعالية في مسيرات الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني التي تتم بين الفينة والأخرى بألمانيا.
جسد يتآكل!
وبدت أمل أبو عبدو (47 عاما) خلال حديثنا معها في منزلها بمنطقة تل الهوى جنوب غرب مدينة غزة تمشي بخطوات متثاقلة، وملامح الإعياء والمرض ترتسم على وجهها, إثر المرض النادر الذي تعاني منه والذي يعرف بـ"enclosing".
مشية غريبة, تقوس في الظهر, عدم قدرة على تحريك الرقبة, انحناء في الساقين, هذا هو الحال الذي رأينا عليه "أمل".
وهذا المرض يصيب العمود الفقري للإنسان، ويحدث انغلاقا في فقرات الظهر، أو تآكلا بين الفقرات بعضها ببعض، ويتسبب أحيانا بخواء العمود الفقري من المادة اللزجة الحيوية، ما يجعله يتصلب، محدثا وجعا نادرا.
وشرحت "أمل" لمراسل "صفا" أعراضا جانبية انعكست على كافة أنحاء جسدها جراء هذا المرض، الذي لاحقها منذ كانت في عمر الزهور، منها آلام شديدة في المفاصل ومنطقة العصعص, بالإضافة إلى آلام في الأسنان والفكين والأذنين.
قالت بصوت شجي لا يكاد يسمع والدموع تنهمر من عينيها: "لا أستطيع تحريك رقبتي بالمطلق، وأعاني من صعوبة المشي، كما ترى مشيتي تكاد تشبه مشي طفل صغير يتعلم، وتمر الأيام وأنا غير قادرة على الحديث من شدة الألم".
غزة والحل!
"قبل ذهابي لألمانيا لم أترك أي طبيب عظام بغزة إلا وذهبت إليه، والنتيجة كانت عدم القدرة على تشخيص المرض".
وأضافت بحسرة وألم أن "أحدهم عزا الأمر إلى جوانب نفسية فيما قال لي طبيب آخر، دون مراعاة لمشاعري أو نفسيتي أني سأبقى أعاني طول العمر".
واقتصر علاج أمل في غزة على المسكنات فقط لدرجة أنَّ المسكنات قل مفعولها في أوقات لاحقة، مشيرة إلى أن علاجها بغزة كان على نفقتها الخاصة، وصفت تكاليفه بالمرهقة.
ودفعتها المعاناة المتواصلة لها ولأمثالها من المرضى الذين لا يجدون علاجهم بغزة، إلى بدئها بالتفكير بإنشاء جمعية خاصة بمرضى "enclosing"، للتخفيف من معاناتهم ومحاولة إيجاد العلاج المناسب لهم بغزة بعيدا عن ألم السفر والغربة.
وأفادت أن الأمر يحتاج إلى وقت للاتصال بوزير الصحة وبعض الجهات المعنية، لكن لا بد من هذه الخطوة الهامة، راجية تعاون كل المخلصين معها.
مسيرة الحرمان
وحصلت "أمل" على درجة البكالوريوس بترتيب الأولى على دفعتها بقسم أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة، ودرجة الماجستير بتقدير امتياز في الحديث الشريف عام 1999, وكان عنوان رسالتها "عناية القران الكريم والسنة النبوية بالبيئة".
تقدمت "أمل" خلال فترة التسعينيات للحصول على وظيفة معلمة بغزة، وفى يوم المقابلة الشفوية قال لها المسؤول عن المقابلات: أنت مريضة ولا تستطيعين العمل، فربما لا توفين الطلاب حقهم وتتغيبين عنهم".
حينذاك، بكت "أمل" بكاء شديدا، "فقد صنعوا من مرضي إعاقة، وحرمت من تحقيق حلمي ولم أجد للنوم طعما لمدة أربعة شهور بعد هذه الحادثة، كنت آمل أن أوظف علمي لخدمة وطني وديني، لكن..".
تزوجت أمل من ابن عمها المقيم بألمانيا عام 2001، وسرعان ما كان الانفصال, وتعزو أمل سبب الانفصال إلى مرضها وعدم تفهم زوجها له, وعدم قدرته على تحمل معاناتها التي وصفتها بالكبيرة جدا، "بقيت بألمانيا بعد الانفصال بحكم حصولي على إقامة وبدأت مرحلة علاج طويلة جدا".
في انتظار الموت!
12عاما مضت قضتها أمل في ألمانيا بإحدى ضواحي برلين، تقول باكية وتنهيداتها تسمع بشكل واضح إنها تقيم وحدها بالغربة، "لا أم ولا أخ ولا قريب ولا صديق, ترعاني ممرضة ألمانية الجنسية تشرف على رعايتي".
"أنتظر الموت وأعد الأيام، فكل يوم يأتي أقسي وأشد وطأة من اليوم الذي يسبقه"، بهذه العبارة وصفت أمل حياتها بالغربة، "لك أن تتصور امرأة مريضة ووحيدة وتعيش الغربة بمرارتها كيف ستكون حياتها".
تأمل "أمل" أن ينتهي بها الحال بالاستقرار في وطنها بين أهلها وأخوتها، وأن ترى أبناء أخوتها يكبرون أمام عينيها، وتتابع والدموع ترى على وجنتيها "توفي والدي وأنا في الغربة ولم أره منذ 5 سنوات متواصلة".
وزارت أمل أهلها بغزة ثلاث مرات فقط منذ 12 عاما، وكل زيارة لا تتعدى شهرين بسبب علاجها وارتباطها بالمواعيد العلاجية مع الأطباء في ألمانيا.
وتقول أمل "رغم أني في الغربة، فأنا هناك أكون جسدا وروحي تبقي هنا في فلسطين"، ولهذا عزا طبيبها الألماني عدم تحسن صحتها، حيث قال لها أنت منشغلة بأمور بلدك والمعاناة التي يمر بها شعبك وهذا يؤثر سلبا على حالتك الصحية، فالعلاج من هذا المرض يكون جسديا ونفسيا.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75928
