في القدس..قرى منسية تقاسي العزل والتهميش

قرية النبي صموئيل تعاني الاهمال والتهميش

تقع في مساحة لا تتعدى الألفي دونم، صادرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي معظم أراضيها لصالح الاستيطان وجدار الفصل العنصري الذي عزلها عن محيطها، بعدما كانت تتمتع بالجمال الطبيعي وتحتل موقعًا جغرافيا استراتيجيًا ميزها عن غيرها من القرى الفلسطينية.

إنها قرية "النبي صموئيل" الواقعة شمال غرب مدينة القدس المحتلة، والتي حولها الجدار والحاجز العسكري المحيط بها إلى أشبه "بسجن صغير"، حرم سكانها من البناء والتطوير، وقيد حركتهم، وحول حياتهم إلى جحيم، فاقم من معاناتهم الاقتصادية حتى أصبحوا يعانون الفقر والبطالة.

سكانها يطلقون عليها "القرية المنسية"، نظرًا لإهمالها وتهميشها من قبل بلدية الاحتلال والسلطة الفلسطينية، وانعدام أبسط مقومات الحياة الإنسانية فيها.
 
حصار وعزل

رئيس جمعية "نسوية النبي صموئيل" الخيرية نوال بركات تتحدث لوكالة "صفا" عن وضع القرية، فتقول إنه "صعب للغاية، الحركة شبه مستحيلة، والبناء فيها ممنوع منذ عام 1967، حيث هدمت قوات الاحتلال العديد من المنازل وشردت الآلاف من سكانها، حتى أصبح عددهم لا يتجاوز 300 نسمة فقط".

وتضيف أن الاحتلال يحاصر القرية من ثلاث جهات، ويمنع الدخول إليها ويسمح فقط للذين يحملون هوية تثبت أنهم من أهالي القرية، فلا حياة كريمة يعيشها المواطنون في ظل انعدام أبسط حقوقهم، حتى إن البيوت التي يملكونها قديمة جدًا، وهي عبارة عن "قبب" أو "زينكو".

وتابعت "لقد أثر الجدار بشكل كبير على الحركة التجارية بالقرية، وضرب كل مقوماتها، وصادر أراضي المواطنين الذين باتوا متعطلين عن العمل، إلى أن وصلت البطالة 90%"، مشيرة إلى منعهم أيضًا من زراعة الأشجار فيها.

ويتعرض سكان القرية -وفق بركات- إلى اعتداءات إسرائيلية كثيرة، خاصة بعد تحويل 81% من المسجد الوحيد بالقرية إلى كنيس يرتاده المستوطنون يوميًا، ويقومون بأعمال استفزازية تثير غضب السكان.

ولا تحظى القرية إلا بمدرسة واحدة مساحتها غرفة، فيما يلجأ باقي الطلبة إلى مدارس القرى المجاورة، وهناك من يحرم من التعليم بسبب الوضع الاقتصادي، كما يوجد سيارة واحدة يسمح لها بالتحرك في ساعات محددة.

وتحظر "إسرائيل" مرور السيارات الفلسطينية التي تنقل البضائع من الدخول للقرية عبر المعبر الوحيد الذي أبقته لهم، مما يفاقم معاناة سكانها ويكبدهم تكاليف باهظة، لأن تكلفة نقل البضائع بسيارة ذات لوحة ترخيص إسرائيلية مرتفعة بكثير، لذلك يُضطرون للسير على الأقدام، وحمل البضائع وما يحتاجونه.

وبشأن آليات دعم المواطنين، تؤكد بركات أن الجمعية تسعى لتنفيذ العديد من المشاريع التنموية بالقرية بهدف تحسين وضعها الاقتصادي وتشغيل الشبان المتعطلين، لافتة إلى أنها توجهت لعدة جهات للحصول على الدعم اللازم، ولكنها لم تتلق شيئًا.

وحسب تقرير أصدرته جمعية حقوق المواطن في "إسرائيل"، فإن 80% من سكان القدس يعيشون تحت خط الفقر، مؤكدًا أن الجدار أدى لتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية أصلًا للسكان.
 
واقع مرير

وفي الجهة الشمالية من المدينة تقع قرية بيت حنينا البالغة مساحتها 12 ألف دونم، يقدر عدد سكانها بـ1500 نسمة، صودرت معظم أراضيها بعد عام 67، وأقيم عليها مستوطنات "عطروت، نفي يعقوب، وراموت".

سكرتير مجلس قروي بيت حنينا صالح دعاجنة يقول "الوضع بالقرية لا يحتمل في ظل تفاقم معاناة سكانها الذين يتجرعون الألم بسبب عزلها عن قلب المدينة بعدما ابتلع الجدار أراضيها، وإحاطتها بالحواجز والبوابات العسكرية التي تتحكم فيها مزاجية جنود الاحتلال".

ويوضح لـ"صفا" أنَّ الأهالي محرومين من الوصول لأراضيهم الزراعية بحرية، ناهيك عن غياب المقومات الاقتصادية التي تساعدهم على النهوض بواقعهم ووضعهم.

وتعد القرية من أكثر القرى المقدسية تهميشًا -وفق دعاجنة- فلا مشاريع تنموية ولا آليات دعم لسكانها، بل الأمر يقتصر فقط على زيارة بعض المسئولين لها من أجل الاطلاع على أوضاعها فقط.

ويبين أن القرية تفتقر لكافة الخدمات المتمثلة في المراكز والعيادات الصحية والمدارس والمتنزهات والملاعب، بالإضافة لتسرب الطلاب من المدارس نتيجة ظروفهم الصعبة، وعدم تمكن ذويهم من دفع المواصلات لهم.

ويلفت إلى أن العديد من الأسر فقدت مصدر رزقها، كما اضطر الكثيرين منهم للرحيل إمّا إلى مدينة رام الله أو القرى المجاورة، وإمّا نحو الشطر الآخر من القرية.

ويشتكي مواطنو القرية من انتشار البعوض والحشرات، وتدفق "مجاري" المستوطنات إلى أراضيهم، مما ينذر بحدوث مكاره صحية وبيئية تخلف آثارًا سلبية على الصحة العامة في القرية، وتضر بالأشجار والمزروعات.

وبهذا الشأن، يقول دعاجنة "خاطبنا كافة المسئولين من أجل التدخل لوقف هذه المأساة الخطيرة، ودعم القرية بالمشاريع لإنعاشها اقتصاديًا، ولكن دون جدوى"، مطالبًا أصحاب الضمائر الحية وكافة وسائل الإعلام بزيارة القرية، وتسليط الضوء على أوضاعها الصعبة.

وتفتقر تلك القرى أيضًا إلى البنية التحتية السليمة، والتي تتآكل بشكل مستمر بسبب إهمال سلطات الاحتلال في إجراء الصيانة والإصلاحات اللازمة لها، فلا شبكة مياه صالحة، ولا طرق وشوارع مرصوفة ولا إنارة، ولا شبكات صرف صحي منظمة.
 
ذاكرة النسيان

وحي الخلايلة شمال غرب المدينة هو الآخر بات في دائرة النسيان نتيجة محاصرته بالجدار وبمستوطنة "جفعات زائيف"، كما يقول رئيس لجنة الحي إسماعيل أبو رباح.

ويضيف أبو رباح لـ"صفا" أنَّ الحي يعاني من الفقر والتهميش، وافتقاره للمراكز الصحية ولبيئة تعليمية مناسبة ولخطوط المواصلات، كما أن شبكة المياه بالية، ولا تغطي احتياجات المواطنين، وكذلك حرمانهم من البناء ومنحهم التراخيص اللازمة لذلك.

ويوضح أن الأهالي لا يستطيعون تأمين احتياجاتهم إلا بتنسيق مسبق من قبل "الإدارة المدنية" الإسرائيلية، ويفرض الاحتلال إجراءات على دخول الزوار والأقارب للحي، وضرورة الحصول على تصاريح زيارة، كما لا يقدم لهم أي خدمات.

وما يفاقم معاناة السكان تواصل عمليات هدم منازلهم وسلب مزروعاتهم بهدف تضييق الخناق عليهم وتهجيرهم منها لإحلال المستوطنين مكانهم، وجعل القدس بكاملها مدينة يهودية.

ولا يختلف حال قرية سلوان الواقعة شرق المدينة عن باقي القرى، فهي الأخرى تعاني أوضاعًا اقتصادية "مزرية ومأساوية" -كما يصفها عضو لجنة الدفاع عن القرية عبد الكريم أبو سنينة الذي يؤكد أن كل مقدسي مطارد من قبل الاحتلال في لقمة عيشه ومسكنه.

ولا يحصل المقدسي –حسب أبو سنينة- على حقوقه الاجتماعية والاقتصادية، رغم قيامه بدفع كافة الضرائب المفروضة عليه، بما فيها ضريبة "الأرنونا"، فلا يوجد متنزهات ولا ملاعب للترفيه عن النفس، والتخفيف من المعاناة.

وفي هذا الصدد، بقول أبو سنينة إن الطفل معرض للضرب أو الاعتقال أو إطلاق النار في حال اللعب بالشارع، فالاحتلال ومستوطنيه ينغصون حياة المقدسيين.

ورغم كل هذه الإجراءات، إلا أن أهالي القدس يستطيعون التأقلم مع الأمر الواقع، ومواجهة الفقر والبطالة بصبرهم وثباتهم في مدينتهم وقراهم، رافضين كل مخططات تهجيرهم.