سارة ووالدها أسامة النجار
ساعات طويلة قضتها الطالبة الغزية الكفيفة سارة أسامة النجار منهمكة في القراءة والمراجعة، ووجها ملاصق للكتاب المخصص بدرجة تتناسب مع حجم الخط وقدرتها البصرية، وتمسك بيدها عدسة تساعدها على تكبير الخط كي تتمكن من رؤيتها وقراءتها استعدادا لامتحانات الثانوية العامة.
هذه الساعات الطويلة خرجت سارة بعدها متفوقة، وحصلت على معدل 95.3% في الفرع الأدبي، متحدية مرضا وراثيا أصابها منذ الصغر حال دون أن تتمكن من رؤية بصيص نور الحياة، سوى بشكل بسيط للغاية، مما أتاح لها مجالاً لتتحدى إعاقتها وتتفوق بدراستها.
ولم تستسلم طوال مسيرتها التعليمية للإعاقة، فبقيت مثابرة منذ الصغر، وهي تحصد مراتب متقدمة ودرجات علمية تفوق 90%، وحافظت على هذا المستوى رغم المعاناة الكبيرة بالدراسة، ونظرة المجتمع لها كفتاة معاقة، حتى أنهت دراستها بهذا المعدل.
ورغم أنها كانت تتوقع نتيجتها إلا أنها لم تتمالك نفسها من الفرحة مع بريق خافت ظهر في عينيها، وبعدها تنقلت بين جنبات المنزل تقدم الحلوى للمُهنئين، دون أن تتمكن من رؤيتهم، إلا من سماع أصواتهم ورؤية خيال بعضهم عن بعد لا يزيد عن مترٍ واحد بالنهار ومتر ونصف ليلا.
صعوبات القراءة
وكانت النجار تضطر نتيجة حالتها للدراسة بطريقة غير صحية لعدم وجود بديل عنها، وهي احناء الظهر على كتاب ورقي كبير الحجم "A4" ووجهها ملاصق للكتاب، ممسكة بيدها عدسة تكبير، تسير ببطء بقراءتها كل كلمة على حدة.
وهذا الأسلوب من القراءة يحتاج كذلك إلى وقت طويل يصل لحوالي 15 ساعة يوميًا بشكلٍ متواصل، كي تتمكن من قراءة معظم دروس المنهاج، أي إن الورقة الواحدة تحتاج دراسة وتدقيق وحفظ ما بين 15- 20 دقيقة، وتختلف المدة من مادة لأخرى.
وتؤمن سارة بعبارة "حرمت نعمة النظر، لكن الله عوضني بنعمة الذكاء"، واستغلت تلك النعمة التي منحها الله عز وجل إياها، وبقيت تثابر رغم معاناة الدراسة ومشقة الذهاب للمدرسة، ومعيقات المحيط الذي تعيش فيه، حتى حققت ما ترنو له.
وترى بأنه لا يوجد شيء اسمه إعاقة بالمطلق في أي مجتمع، وإن أصر البعض بأن يقول بأنها موجودة، فهي بمثابة حافز لتحقيق النجاح والتميز والوصول لأعلى الدرجات، والوصول لقناعة هي "أن العجز والإعاقة يكمن في عقول من يفكرون بأننا معاقين سمعيًا أو بصريَاً أو غير ذلك، فالإعاقة لا تكون سوى بالعقل عندما يصاب بالشلل عن التفكير".
وعاشت طوال عامها الدراسي حالة من التوتر والخوف بفعل كلمة "توجيهي" التي يعطيها الناس حجمًا أكبر منها، لكنها حاولت أن تكسر ذاك الحاجز وتقفز من فوقه كما الحواجز السابقة، لتصل للحظة الاختبارات النهائية التي استعانت بها للجنة خاصة، مكونة من مراقب وكاتب يقرأ لها السؤال ويكتب لها الإجابة بخطٍ واضح.
ومع ظهور النتيجة، حصلت النجار على المرتبة الرابعة على مدرستها "شهداء بني سهيلا للبنات"، مُهدية فوزها لكل من ساندها ووقف بجوارها على رأسهم والداها ومديرة مدرستها ومدراء التربية والتعليم بمديرية شرق خان يونس على رأسهم حسن زقوت، وللأسرى والشهداء والجرحى.
مرضها وسبل مساعدتها
والد المتفوقة أسامة النجار علم بنتيجة ابنته التي هاتفته فور معرفتها بالنتيجة، ولم يستطع أن يصف شعوره الممزوج بالفرحة والأمل بتلك اللحظات التي تفوقت فيها ابنته.
وقال إن ابنته حملت السرور لعائلتها كما المعنى الذي حمله اسمها، رغم شعوره قبل أسابيع بأن ابنته ستحصل على معدل ممتاز، مشيرا إلى أنّ النتيجة أظهرت أنّ تعب السنوات التي قضاها في تربيتها لم يذهب هدرًا بل جاء بنتيجة أشعرته بالفخر وعائلتها بالاعتزاز.
يذكر أن سارة تعاني من مرضٍ وراثي متمثل بعدم وجود البقعة الصفراء في شبكية العين، وهو مرض نادر ليس له علاج حتى الآن، وهو ما يجعلها غير قادرة على الرؤية أكثر من مسافة متر في الضوء وعيناها مقفلتان، ومتر ونصف في الظلام وعيناها مفتوحتان، وليس بشكلٍ كامل، فقط ما نسبته 1/6 حسب تصفيف الأطباء، عدا عن عدم قدرتها على تمييز الألوان.
ولم يتوان الوالد في تقديم المساعدة لابنته، من طباعة الكتب والملازم بخط وصفحات كبيرة الحجم تلائم حالتها، ومساعدتها في قراءة الكلمات غير الواضحة نتيجة ضعف بطباعة النسخ الأصلية، فضلا عن توفير للمنهاج المسموع كاملا لها عبر وزارة التربية والتعليم، مما ساهم إلى حدٍ كبير في التخفيف من عبء القراءة.
وعمل النجار على توفير الإضاءة البديلة لانقطاع التيار الكهرباء لابنته، وتوفير حاسب آلي تحتاجه بالدراسة، قائلا لمن ينظرون بشكل سلبي للمعاقين إنهم أي المعاقون "رقم مبدع بالمجتمع، ولا بد أن تكون نظرة جيدة لهم، ويحذو الشباب حذوهم بالإبداع والتفوق فهم مثال للتحدي والصبر والنجاح".
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=75960
