أرشيفية
على الشريط الساحلي جنوب الوطن وُزِعت ملامح الحياة على السكان كرغيف خبز ساخن في يد الحاج أبو لطفي يقاسمه بين أحفاده، فالحياة بين سكان القطاع بالتناوب لست ساعات فقط!.
أحاديث السبعيني خففت من تذمر الصبية لساعات انقطاع الكهرباء بالمخيم كما فعلت حكايات الزمن الأصيل ونسائم بحر، حتى ضربت أرجل الصبية أرض مخيم الشاطئ على أنغام" طاحوا الروابي ع الدبكة " تفريغاً لضجرهم وفرحاً بمشاركة جدهم تلويحه بسبحته الخشبية.
عم المساء وغفى الأمل في قلوب الصغار بزيارة الكهرباء لمنطقتهم، وقبل أن يغمض أبو لطفي عيناه العسليتين، صرخ الصغار في تمام السادسة مساءً : "اجت الكهربا اجت الكهربا" .
عاد الحاج أبو لطفي ليغط في سبات عميق بعد أن شعر بالطمأنينة على صغار الحي بانهم سينجزون واجباتهم الدراسية وسيتمكنون من متابعة القليل من الأفلام الكرتونية واسترداد شيء من أحلامهم المسلوبة .
أعلن المخيم حالة الطوارئ فلا صوت يعلو فوق محركات الغسالات ومواتير المياه والكهرباء في حين تتسابق أيادي النسوة خلال ست ساعات ما بين المكواة والغسالة واعداد الخبز باستخدام "طنجرة الكهرباء"، وقد يساعد الرجال في شحن الكشافات الكهربائية وأجهزة " اليو بي اس" استعداداً لقطع سيدوم 12 ساعة متواصلة.
غفوة الحاج أبو لطفي تخللها القليل من السلام والكثير من كوابيس الحرب والحصار، وتصريحات وزير الصحة مفيد المخللاتي كانت حاضرة خلالها حيث أكد بأن استمرار توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة أدخلت كل الخدمات الإنسانية والصحية والبيئية في خطر، وأن القطاع الصحي بات برمته أمام منعطف خطير ينذر بكارثة حقيقية في خدماته الحيوية والحساسة جراء استمرار أزمة توقف عمل محطة الكهرباء والتي دخلت أسبوعها الثاني.
أنباء عاجلة أفاق على اثرها الحاج أبو لطفي ليثبت مؤشر المذياع عليها وصوت مذيع يعكس مدى استيائه هو الآخر : " لا برنامج جديد للكهرباء ومحاولات لإدخال الوقود القطري عبر البحر"، حيث كشف رئيس سلطة الطاقة في غزة فتحي الشيخ خليل، عن تقديم سلطته اقتراحًا للجانب المصري، يتعلق بنقل الوقود القطري الموجود في مصر إلى قطاع غزة عن طريق البحر بدلًا من معبر العوجا نظرًا لصعوبة الأوضاع الأمنية في شبه جزيرة سيناء الأمر الذي يعيق اتمام عمليات نقل الوقود عبر البر.
وأشار الشيخ خليل إلى أنه حتى اللحظة الراهنة لم تسفر هذه الجهود عن أي تقدم تجاه حل أزمة انقطاع التيار الكهربائي، مشددًا على أن سلطته تسعى لوضع حد نهائي لا مرحلي لأزمة الكهرباء وليس.
" لم تسفر الجهود عن أي تقدم " بعد الكلمات السابقة تسلل اليأس الى قلب السبعيني بأن الحصار سيطبق بأنيابه على انفاس القطاع، الا أن ضحكات الطالبة المغتربة حنان التي تواصلت مع ذويها في دولة الامارات أثناء وصل الكهرباء لست ساعات، وتخللها دعاؤهم لها ولغزة بالفرج القريب، دفعت لسان الحاج ليردد : " اللهم اليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا ".
" استعجلوا راح تطفي الكهربا .. اكوي القميص راح تطفي الكهربا .. آخر وجبة بالغسالة قبل ما تطفي الكهربا .. تعالوا يمه تعشوا قبل ما تطفي الكهربا " تلك النداءات العاجلة وصلت الى مسمع أبو لطفي حتى انقطع التيار الكهربائي ونام المخيم في ليل الحصار .
ابتسمت عينا اللاجئ المسن لشيء من الزمن الأصيل فقد عادت جلسات السمر على ضوء القمر بعد تشديد الحصار وقطع التيار الكهربائي، وما تحملها من ذكريات جميلة، ويتخللها شكوى سوء الأوضاع وإغلاق المعابر وانقطاع الكهرباء و…و… عند الضجر والملل .
الابتسامة رافقت أبو لطفي أثناء خطواته الأخيرة نحو فراشه وهو يصف الحياة دون كهرباء " بالنواسة " لدفئها ورومنسيتها بالجلسات العائلية، في حين أن وجود الكهرباء يجعل الحياة كمصباح كهربائي بقوة 1000 وات، أكثر صخباً وازعاجاً وارهاقاً للقلوب .
ظل مقعد الحاج أبو لطفي في مكانه في الجهة الشمالية من المخيم بانتظار صباح يحمل في جعبته من الأمل الكثير رغم ما ختمت به نشرة المساء من أخبار "بتسم البدن " بأن شركة توزيع الكهرباء تؤكد بأنها تواجه تحديات وصعوبات فنية في توزيع الطاقة على جمهور المستهلكين، وما يترتب على ذلك من تأثير مباشر وخطير على مرافق الخدمات الأساسية مثل: المستشفيات وآبار المياه وقطاع الصرف الصحي.
وبعد جملة من الأخبار المؤلمة ليلاً ردد الحاج أمام الصغار: " الحياة لا تؤلمنا عبثاً! تؤلمنا لنكبر، لنتعلّم، لتعلمنا أبجديّاتها ".
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=76070
