السبعيني شبانة..الوجه العربي الوحيد المتبقي بباب العامود

ابراهيم شبانة

ما إن يصل ساكن القدس أو زائرها إلى مدرج باب العامود، ويلقي نظرة على الساحة الممتدة أمام البوابة سيلمح مسناً سبعينياً يفترش رصيفًا وإلى جانبه صحف ومجلات يعتاش من بيعها.
وكما للحجر والشجر حكاية مع التاريخ في القدس، فإن للإنسان حكايات أخرى تجسّد قدرته على الصمود والتحدي، ومنها إبراهيم شبانة (74 عامًا)، الذي يجلس كل يوم وعشرات جنود الاحتلال المدججين بالسلاح أمامه، ليبقى الوجه العربي الوحيد المتبقي في باب العامود منذ اندلاع "انتفاضة القدس".
 
أقدم بائع صحف
 
"حارس باب العامود".. هكذا يلقب المقدسيون شبانة، أقدم موزع وبائع صحف في المدينة المقدسة، والذي ورث ذلك عن والده منذ كان في الثانية عشر من عمره، وحينها بدأ جوالًا بأزقة القدس، ولكن مع بلوغه الأربعين قرر أن يستقر على مدخل باب العامود ليحرس البلدة القديمة ويبيع صحفه ومجلاته.
ولد إبراهيم في حارة الشرف قبل أن يشرده الاحتلال وعائلته منها حين دمرها واستولى عليها في بداية احتلال القدس عام 1967م، ليرحل عن حارته ويسكن في زقاق مخيم شعفاط شمال شرق المدينة المحتلة.
ورغم تتابع السنين إلا أن شبانة لم ينس ما أصاب حارة الشرف، وكيف أصبحت اليوم "حارة اليهود"، فهو يحفظها عن ظهر قلب، ويردد أسماء العائلات التي كانت تجاور بيته.
ويُحدث شبانة مراسلة وكالة "صفا"، وهو يذرف الدموع بحرقة، مستذكرًا إطلالة منزله على المسجد الأقصى المبارك، وكيف كان يلهو مع رفاقه في ساحة الحارة الواسعة.
بعد انتقالهم للعيش في بيوت الطوب والصفيح بزقاق مخيم شعفاط، أنهى شبانة دارسته في مدارس الأيتام في البلدة القديمة، وبدأ يبيع الصحف والمجلات، لكّن ذلك فتح له بابًا لتطوير قدراته ذاتيًا.
ومن على بسطته في باب العامود، ألّف شبانة مجموعة من الكتب، كان معظمها فنية، تحدث فيها عن المطرب المصري عبد الحليم حافظ، والذي يقول شبانة إنه من نفس سلالة عائلته، وفتح له بيت عزاء حين وفاته.
عُرف عن شبانة توزيعه الصحف مجانًا على الشبان والشابات ممن يجد لديهم شغفًا بالقراءة، أو من يستشعر أن لديهم مواهب أدبية وصحفية.
 
شاهد على البطولة
 
وبعد 40 عامًا من الجلوس أمام باب العامود، أصبح شبانة موسوعة تاريخية، وشاهد عيان لما حدث ويحدث في تلك المنطقة، فكم من قنبلة غاز استنشقها، وكم من قنبلة صوتية أحرقت صحفه ومجلاته، والكثير من الرصاص المطاطي الذي تطاير من فوق رأسه.
اليوم، أصبح السبعيني شاهدًا حيًا على استشهاد 10 فلسطينيين، وإصابة العشرات من جنود الاحتلال في ساحة الشهداء ومحيطها.
كان يوم الجمعة.. وكعادته حمل شبانة صحفه ومجلاته، وانطلق الى زاويته في باب العامود، فباع ما باع من الصحف، وأثناء مطالعته إحدى الجرائد اخترقت أذنه صيحة "الله أكبر" في المكان.
التفت "حارس البوابة" يمينًا، وإذ بجندي إسرائيلي ملقى على الأرض، والدماء تغطي وجهه، وآخر ينزف من كتفه، وباقين شرّعوا أسلحتهم وأطلقوا العشرات من الطلقات التي اخترقت جسد شابٍ أسمر البشرة، ليرتقي شهيدًا.
انتابت قشعريرة جسد الحاج، وهو يتحدث عن بسالة الشهيد محمد أبو خلف رغم أنه ليس الشهيد الأول الذي يرتقي أمامه، فقد شهد ارتقاء محمد علي، بل شاهده بعينه وهو يستل سكينًا من خلف ظهره ويطعن بها قوات الاحتلال، وكذلك الشهيد باسل سدر الذي كان يقفز على مدرج باب العامود.
ومنذ استشهاد محمد علي زادت مشاهد البؤس التي يراها إبراهيم يوميًا؛ فالاعتداء على الشبان وإجبارهم على خلع ملابسهم بشكل شبه كامل، بل تفتيشهم بعد ذلك بطريقة مهينة باستخدام الكلاب البوليسية زادت من تجاعيد الحزن على وجهه.
وأصبح شبانة مضطرًا لإخلاء زاويته في أي لحظة يشتبه الاحتلال بوجود تهديد فيها، فإن لم يخل موقعه بإرادته سيخليه بالضرب والسحل.
ويبقى السبعيني حجرًا من حجارة سور القدس الشامخة، والتي تسعى وتحارب من أجل البقاء في مكانها رغم التشديدات الأمنية والمنع الذي تمارسه قوات الاحتلال على كل من يمر من أمام باب العامود.
المصدر: صفا