حسيب الصباغ
"لا بلد يعادل فلسطين… والنجاح مفرح، لكنني سأموت بحسرة أن شركاتنا قد عمرت في ديار عربية كثيرة، لكننا لم نتمكَّن من أن نعمّر في وطننا بعض ما هدمه العدو الإسرائيلي، ولم تتيسر لنا الفرصة كي نهزمه بكفاءاتنا وقدراتنا العلمية والعملية".. عبارة لطالما قالها "حسيب الصباغ" الذي رحل قبل أن يحقق حلمه في بناء فلسطين.
أغمض عينيه ومضى بصمت، عن تسعين عاماً، حقق خلالها الكثير من أحلامه، ولكن بقي حلم واحد يراوده، وهو اقامة الدولة الفلسطينة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وأن يبني بيتاً في مسقط رأسه طبريا.
رحل في نيويورك، ودُفن أمس في بيروت، بعيداً عن أرضه ووطنه، بعد حياة حافلة بـالعطاءات الانسانية والخدماتية. إنه واحد من الفلسطينيين الذين نعرفهم بأفعالهم، ولا نلقاهم على واجهات الصحف، أعطى شعبه وقضيته بلا حساب، فكان المعطاء الصامت دائماً، يرفض ان ينشر خبراً أو صورة أو يدلي بتصريح، لانه اعتبر ان عطاءه السخي مجرد واجب عليه تجاه شعبه وقضيته. لطالما كان يعمل "بصمت"، يهدي نجاحه الى فلسطين المحفورة في قلبه ووجدانه، وينظر إليها بـحسرة وشوق الى تقبيل ترابها، والخلود فيه.
الصباغ
ولد "حسيب الصباغ" في طبريا عام 1920، نشأ وترعرع في صفد حيث فقد والده باكراً، لكن طموح الفتى قاده إلى القدس، حيث أنهى دراسته الثانوية سنة 1938 في "الكلية العربية"، قبل أن ينتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت حيث تخرج سنة 1941 كمهندس مدني. انخرط بعدها مباشرة في مجال المقاولات والبناء حيث أسس في حيفا مع شركاء له، شركة مقاولات باسم "اتحاد المقاولين"، الاسم الذي استعاده سنة 1952 بعد نكبة فلسطين وارتحاله مع عائلته إلى بيروت. ولكن حياة اللجوء في لبنان لم تكن عائقا ً امامه، بل أسس في العام 1952 شركة اتحاد المقاولين (سي سي سي) في بيروت.
استطاع "حسيب الصباغ"، وفي فتره زمنيه قصيرة، القيام بمشاريع ناجحة في مجال المقاولات والنفط رفعت الشركه لتصبح خلال العقود الخمسة الماضية متربعة على عرش أكبر أهم شركات المقاولات في الشرق الأوسط و العالم، حيث امتدت مشاريع "السي سي سي" من الوطن العربي الى أميركا الجنوبية والكاريبي ومعظم دول أفريقيا ودول القوقاز. وساهمت مشاريع الشركة في نهوض العديد من المجتمعات وتطويرها فلم تكن رسالتها مادية بقدر ما كانت انسانية.
كان "حسيب الصباغ" صاحب اسهام في انشاء مؤسسة التعاون ..وفي المطبوعات المتخصصة عن فلسطين .. وفي دعم مراكز الابحاث عنها كما اسس مركز التفاهم الاسلامي – المسيحي للدراسات في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة ..ومن اجل ذكرى زوجته "ديانا تمارى" اسس مراكز صحية وخيرية وجامعية حول العالم وفي فلسطين ولبنان.
مناصب وأوسمه
شغل مناصب عدة أبرزها: رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات المقاولين CCC، رئيس مجلس إدارة صندوق الطلبة الفلسطينيين، نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة التعاون جنيف/ سويسرا، عضو مجلس إدارة البنك العربي، عضو مجلس الأمناء مستشفى كليفلاند كلينيك، عضو في المجلس الدولي لجامعة هارفرد، عضو مجلس أمناء جامعة يوريكا، عضو في مجلس إدارة مستشفى ماساتشوست العام، عضو في مجلس إدارة جامعة جورج تاون، عضو في المجلس الوطني الفلسطيني، عضو في المجلس المركزي الفلسطيني، عضو في مجلس إدارة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ورئيس مجلس إدارة مركز التفاهم الإسلامي/ المسيحي في جامعة جورج تاون.
نال أوسمة عدة أبرزها: وسام الأرز الوطني اللبناني برتبة فارس سنة 1970، وسام الأرز الوطني اللبناني برتبة ضابط سنة 1997، وسام الاستحقاق الفضي اللبناني ذو السعف سنة 2001، ووسام نجمة بيت لحم الفلسطيني سنة 2000.
لم ينسَ فلسطين
كان الصباغ مثال الشخصية الفلسطينية العربية الواعية والصلبة والملتزمة والمبدعة وكان يؤمن بان الرد على النكبة وعلى الهزيمة هو بالبناء والتفوق والاستعداد والتميز ومقارعة الصهيونية بالابداع الى ان يدرك الفلسطينيون اسباب القوة والتوازن مع العدو.
رغم كل انشغاله بأعماله الكبيرة والكثيرة وشؤون شركة اتحاد المقاولين, فهو لم ينشغل عن قضية فلسطين التي كانت همه الاول، فهو لم ينسَ فلسطين و لم تغب عن ذاكرته، فقد كان فارساً بكل ما تحمل الكلمه من معنى. وقام بتوفير مئات المنح الدراسيه للفلسطينيين و اللبنانيين.
وقام ببناء وتأسيس مؤسسات خيرية كثيرة، منها مركز "حسيب الصباغ" للتميز في تكنولوجيا المعلومات في الجامعه العربية الأميركيه في جنين، سكن "حسيب الصباغ" لطالبات جامعة فلسطين التقنية في طولكرم، ميدان "حسيب الصباغ" وسط مدينة طولكرم، مدرسة "حسيب الصباغ" في نابلس، مستشفى "حسيب الصباغ" (قيد الانشاء) في رام الله، قاعة "حسيب الصباغ" في الجامعة الأميركيه في بيروت، حديقة "حسيب الصباغ" في بيروت، مقعد "حسيب الصباغ" في جامعة جورج تاون، المكتبة الكبرى في مركز الشوا الثقافي في قطاع غزة وهي المكتبة التي تحتوي على 17 ألف كتاب ومجلد، وغيرها الكثير.
كان حين يقول له رفاقه لماذا لا تشتري لك بيتاً لتعيش فيه، فكان دائما يجيب بالقول: "بيتي في صفد و يوما ما سأعود اليه".
كلمات تنعي الراحل
أحد المشاريع الخيرية التي اقامها الصباغ
دُفن الراحل في بيروت، بعد قداس في كاتدرائية الروم الكاثوليك، حيث حضره شخصيات بارزة، منها ممثل رئيس الجمهورية "ميشال سليمان"، رئيس مجلس الوزراء "سعد الحريري"، ممثل الرئيس "نبيه بري"، وزير الاعلام "طارق متري"، وزير الشؤون الاجتماعية "سليم الصايغ"، وعدد من الوزراء والنواب والسفراء وممثلي سفارات عربية وأجنبية، وحشد من الشخصيات الاقتصادية.
وعن الجانب الفلسطيني حضر ممثل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، عضو اللجنة المركزية في منظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي، سفير فلسطين في اليونان سمير ابو غزالة، ياسر عباس نجل رئيس السلطة الفلسطينية، ومستشارو الرئيس عباس على رأس وفد فلسطيني·
وقال الرئيس الحريري: "لقد كان الراحل صديقاً لوالدي ورجلاً كريماً وطيباً، كما كان قومياً وعربياً خسره العالم العربي، ونأمل أن يدخله الله فسيح جناته· لطالما تمسك حسيب الصباغ بمبادئه العربية والقومية، وكان دائماً في طليعة المساعدين لاي قضية تهم العرب. نحن في لبنان نفتقد حسيب الصباغ كما تفتقده فلسطين، التي زرعها في قلبه ووجدانه وبقيت حتى الرمق الاخير قضيته الاولى التي لا ينازعه على حبه لها شيء في الوجود. إننا في وداع هذا الركن الكبير من اركان التنمية العربية، نستذكر حبه الخاص للبنان ولشعبه ولصداقته المميزة للرئيس الشهيد رفيق الحريري رفيقه في الخير والعمل والنضال".
كما نعاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، واعتبر بأنه كان مثالاً لرجل الأعمال الذي أبرز عظمة هذا الشعب فلم تقف النكبة رغم كل قسوتها ومرارتها عقبة أمام النجاح الذي حققه، مؤكدا على قوة الإرادة لهذا الشعب العظيم، فلم تشغله أعماله ومشاريعه العديدة في مختلف أرجاء العالم عن مشاركته في العمل الوطني، فكان عضوا مؤسسا في أول مجلس وطني، ثم في المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية .وبين أن المرحوم كان فارساً بقيت فلسطين حية في وجدانه فلم يبخل يوماً عن دعم صمود شعبه ولم يتردد في الدفاع عن القرار الوطني المستقل.
وقالت اللجنة المركزية في بيان صحفي: "إنه برحيل حسيب الصباغ يكون الشعب الفلسطيني وفلسطين قد خسرت أحد أبرز أبنائها الأبرار، الذي أمضى حياته مدافعاً بقوة وثبات عن قضايا شعبه الفلسطيني وعن حقوقه الوطنية المشروعة وعن قراره الوطني الفلسطيني المستقل. ذكراه ستبقى محفورة في ذاكرة شعبنا كإبن فلسطين المخلص والمبدع، الذي أبدع في السياسة كما أبدع في مجال الأعمال والاقتصاد، وسيبقى شعبنا يذكر عطاءه وحرصه على تنمية الاقتصاد الوطني الفلسطيني وبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية المستقلة".
زيتونة فلسطينية في بلد الارز
مثالا للإرادة
قدر الكبار أن يرحلوا عن الدنيا، وأن تبقى بصماتهم مشعة في كل مكان، إذ ان "حسيب الصباغ" الذي صارع المرض الى أن توقف قلبه عن النبض، كان مثالاً للإرادة الفلسطينية الصلبة، الذي تحول مع الوقت الى "علم فلسطيني"، قوامه رجل أعمال تحلى بروح التحدي والإصرار على النجاح، قبل أن ينذر نفسه وماله في سبيل كرامة شعبه، وعدالة قضيته، التي كان ضميرها وفارسها.
هكذا هو الراحل حسيب الصباغ، كالزيتونة الفلسطينية الأصيلة، التي تدفن في بلد الأرز لبنان الراسخ بعمقه، حيث يجمع البلدين أكثر من قاسم مشترك، في مقدمه مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، الذي حرمه من تحقيق أحد أحلامه قبل رحيله، ليدفن في بيروت، على أمل أن تنقل رفاته الى الأراضي الفلسطينية بعد تحريرها·· لقد خرج حسيب الصباغ من رماد النكبة لينبعث منها كالعنقاء التي ظلت تنادي على وطن جرى الغدر به.
رسالة "حسيب الصباغ" للفلسطينيين وللعرب هي الثبات وعدم التنازل عن الحقوق الوطنية والقومية المشروعة. لا شك ان الشعبين الشقيقين الفلسطيني واللبناني خسرا شخصية فذة تحدّت النكبة بواسطة الإصرار على العمل والبناء. ورغم رحيل هذا الرجل العظيم إلا أن التركة التي أبقاها هي إرث لكل العالم العربي، ونرجو ان يحذو حذوه شبابنا المتعلم.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68259
