فرضت قضية جمع الزكاة وصرفها بواسطة المؤسسات الخيرية نفسها على أجندة المجامع الفقهية وكبار العلماء في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد انتشار المؤسسات الخيرية التي تسهم بشكل فاعل في مساعدة المنكوبين والمحتاجين بكافة أصقاع العالم، وتطالب بأحقيتها في جمع الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية، باعتبارها الأقدر على تحقيق ذلك وفق معطيات اللحظة الراهنة.
فهل يجوز لهذه المؤسسات أن تجمع أموال الزكاة؟ وهل يجوز لها أن تنفق جزءًا من هذا المال على المصروفات الإدارية التي يستلزمها توزيع أموال الزكاة، علمًا بأن هناك من يدعي عدم جواز جمع وتوزيع أموال الزكاة بمعرفة المؤسسات الحالية؛ نظرًا لغياب الخلافة الإسلامية، صاحبة الحق الوحيد في القيام بهذا الدور؟
جائز باتفاق
يرى الدكتور يوسف القرضاوي في معرض إجابته على هذا التساؤل أن جمع أموال الزكاة وتوزيعها في مصارفها الشرعية بواسطة المؤسسات الخيرية غير الحكومية أمر جائز باتفاق؛ لأنها تكون بمثابة الوكيل الشرعي عن المزكِّي. كما يجوز لهذه الجمعيات أن تأخذ من الزكاة نصيب (العاملين عليها) خاصة حين تكلِّف من يقوم بجباية الزكاة، ودراسة أحوال المحتاجين لمعرفة مدى استحقاقهم للزكاة، ثم توزيعها عليهم.
أما عن دعوى ترك جمع الزكاة وتنظيمها حتى يظهر الخليفة فيعتبرها القرضاوي لا دليل عليها، وتعطيلا للفرائض الركنية دون بيِّنة. ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16)، وقول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” (متفق عليه). فإذا لم نستطع إقامة الخلافة، واستطعنا أداء ما يخصنا من فرائض وواجبات، فعلينا أن نؤديها كما أمر الله ورسوله، وسقوط بعض الواجبات عنا للعذر لا يكون سببا في إسقاط الكل.
ويضيف: لقد كان المسلمون في العهد المكي يؤتون الزكاة، التي وصف الله بها المؤمنين والمحسنين في كتابه في السور المكية، وذلك قبل أن تقوم للإسلام دولة. كما يستشهد القرضاوي بقوله تعالى عن المجتمع الجاهلي: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الفجر: 17- 18) أي لا يحض بعضكم بعضا على إطعامه ورعاية حاجاته. قال الشيخ محمد عبده: “في هذه الآية دليل على مشروعية الجمعيات الخيرية التي تعمل لصالح الفقراء والمساكين”.
ضرورة ملحَّة
أما الشيخ فيصل مولوي، نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، فيؤكد على أنه يجوز للجمعيات الأهلية غير الحكومية أن تقوم بجمع الزكاة وصرفها في مصارفها الشرعية، باعتبار ذلك مطلبا ملحًّا في هذا العصر.
ويقول: نظرًا لفقدان ولي الأمر المسلم الذي يقوم بجمع الزكاة وصرفها على المستحقّين، ونظرًا لضعف الروابط الاجتماعية واتساع المدن وكثرة المحتاجين غير المعروفين، أصبح من الصعب على المزكِّي أن يعرف المستحقّين ويصرف زكاته لهم.
ويضيف: اتفق العلماء على أن الزكاة تصرف إلى أصحابها بإحدى الطرق الآتية:
1 – أن يقوم المزكِّي نفسه بصرفها إلى من يعرف من المستحقّين.
2 – أن يدفعها لولي الأمر المسلم الذي يقوم بصرفها على المستحقّين لها، ويكون في هذه الحالة وكيلا عن المزكِّي.
3 – أن يدفعها إلى وكيل آخر ويفوِّضه بصرفها على المستحقّين، ويمكن أن يكون هذا الوكيل فردًا أو جماعة.
ويشير د.مولوي إلى أهمية قيام الجمعيات والمؤسسات الخيرية بهذه المهمة؛ لأنها -بلا شك- أقدر على معرفة المستحقّين وصرف الزكاة إليهم، بعد أن صار أصحاب الحاجات يقصدونها ويطلبون منها المساعدة.
ويتابع: هذه الجمعيات تكون في مثل هذه الحالة بمثابة الوكيل الشرعي عن المزكِّي. ويستدرك قائلا: يراعى هنا أن الجمعيات الخيرية التي تقوم بجمع الزكاة لا يحق لها أن تأخذ منها أي أموال تغطي مصاريفها إلاّ المصاريف الإدارية المتعلّقة بجباية الزكاة وتوزيعها دون سائر نفقاتها الأخرى، وأن هذه النفقات المتعلقة بجباية الزكاة لا يصح أن تزيد عن سُبُع مِقدار الزكاة في أقصى الاحتمالات، باعتبار أن مصرف (العاملين عليها) هو (واحد من سبعة) حسب نص الآية الكريمة، وبعد زوال مصرف (تحرير الأرقَّاء) بانتهاء الرِّق، وذلك حسب رأي الشافعية، ويتم توزيع بقية الأموال المتبقية في مصارفها الباقية بواسطة الجمعية.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68417
