العمل الخيري في فلسطين.. رؤية من الداخل

في كتابه الهام (العمل الخيري في فلسطين) يضع محمد فهمي الشلالدة، رئيس الاتحاد العام الفلسطيني للجمعيات الخيرية، يده على تجربة عميقة وثرية من قلب المجتمع الفلسطيني، فهو يقيم طبيعة العمل الخيري فيها، ويقترب من وضع أول دليل علمي للجمعيات الخيرية العاملة في فلسطين، ويستعرض أهم المعوقات التي تواجهها ودورها في دعم صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.
في البداية يقول الشلالدة: "يعرف المجتمع المدني بأنه جملة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن سلطة الدولة وعن أرباح الشركات في القطاع الخاص".
وتنتظم تحت لواء مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين القوى والأحزاب السياسية والمنظمات الأهلية التي تصنف حسب طبيعتها إلى الجمعيات الخيرية والتعاونية، المنظمات الجماهيرية، المؤسسات والمنظمات التنموية، المراكز ومؤسسات البحث والإعلام وحقوق الإنسان، مؤسسات وهيئات الدفاع عن حقوق ومصالح فئات محددة.
ويسعى الشلالدة إلى تأريخ قيام النشاط الخيري الفلسطيني قائلا: "ارتبط نشوء مؤسسات المجتمع المدني وتطورها في فلسطين بغياب السلطة الوطنية الشرعية وتحت ظروف احتلال وقهر واستعمار منذ مطلع القرن الماضي، وتغييب مفتعل للشخصية الوطنية والحضارية للشعب الفلسطيني، وأنه مع تواصل وتصعيد ظروف القمع والاضطهاد والحرمان تطورت المؤسسات لتقوم بمهام ومسئوليات هي من صلب مسئوليات السلطة وليست مكملة لها كما هو الحال في الدولة المستقلة".
في حين يمكن الربط بين انتظام العديد من المواطنين في التجمعات الخيرية في العشرينيات من القرن الماضي بدافع الغيرة الوطنية على اعتبار أنها البديل عن المؤسسات الحكومية (للمحتل) البعيدة عن خدمة المواطن وعن خدمة الوطن.
وتؤكد بعض الأبحاث أن بعض المؤسسات التي تشكلت في الثلاثينيات من القرن الماضي اتخذت من النشاط الاجتماعي والثقافي غاية وستارا لأعمالها السياسية؛ وذلك للتحايل على السلطة الاحتلالية. كما تؤكد الحالة الفلسطينية أن المنظمات الأهلية تاريخيا هي التي أسست ورفدت الحركة الوطنية الفلسطينية. تاريخيا لو نظرنا إلى أول بروز للحركة الوطنية الفلسطينية كانت في إطار الجمعيات المسيحية الإسلامية في عام 1918، وهي منظمة أهلية، هذه الجمعيات انبثقت منها الحركة الوطنية الفلسطينية، هي التي تبنتها؛ إذ كانت هي الأساس حتى أيام الثورة، ومنظمة التحرير، اتحاد الطلاب، اتحاد المعلمين، اتحاد المرأة؛ حيث كانت قاعدة المشروع الوطني الفلسطيني، لو رجعنا تاريخيا نجد بالفعل صوت المنظمات الأهلية مسموعا بشكل قوي جدا في داخل المجتمع العربي والدولي، ومن خلال اتحاد الطلاب، واتحاد المعلمين، واتحاد المرأة، يجب التركيز في هذه المرحلة على المجتمع المدني يفترض أن يكون هناك وعي من قبل السلطة والأحزاب السياسية والمنظمات الأهلية الآن وفي المستقبل أن دورها هو الأساس، هي الثابت والسياسة المتغير، من سيمثل ضمير هذه الأمة ضمير الشعب، هو والمجتمع المدني عموما، المنظمات الأهلية لا تكون دائما بقرار علوي؛ إذ تحتاج إلى تعميق المفاهيم الثقافية، ولكن هل ثقافة المجتمع الفلسطيني مستوعبة لدور ووظيفة المنظمات الأهلية؟
تطور المؤسسات
وفي الحديث عن تطور مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين نلاحظ أنه في الفترة من عام 1948 –1967 فإن نكبة 1948 وما تبعها من تدفق مئات الآلاف من النازحين والمشردين من مدن وقرى فلسطين أثقلت كاهل الجمعيات القائمة كما دفعت الكثير من أبناء المجتمع إلى التفكير في إنشاء جمعيات يتناسب عددها وتتلاءم خدماتها مع حاجات الكثرة المعوزة، فأضافت الجمعيات الخيرية الخدمات الصحية والإسعافات الأولية ورعاية وتأهيل المعوقين ودور الأيتام وملاجئ العجزة ومراكز التدريب المهني بالإضافة لتقديم الغذاء والكساء.
ومع تغيير الأوضاع السياسية وقيام دولة إسرائيل، وظهور مشكلة اللاجئين، وإلحاق الضفة الغربية بالأردن، ووضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، ثم احتلال إسرائيل لكل فلسطين، فقد برزت قضايا اجتماعية واقتصادية جديدة تمثلت في مركزة السلطة ومصادرة الحقوق المدنية، وانحسار قدرة الفلسطينيين في السيطرة على مصادرهم الطبيعية، وبالتالي كان لهذه المرحلة أيضا مؤسساتها التي مزجت الأهداف الوطنية والقومية مع الأهداف الإنمائية.
وفي تقسيمه لأنماط مؤسسات المجتمع الفلسطيني يقول: "أما بالنسبة لأنماط مؤسسات المجتمع الفلسطيني فإنه يمكن تقسيمها إلى نوعين:
أولا: القوى والأحزاب السياسية.
ثانيا: المنظمات الأهلية، وتصنف حسب طبيعتها إلى:
1. الجمعيات الخيرية والتعاونيات.
2. المنظمات الجماهيرية.
3. المؤسسات والمنظمات التنموية.
4. المراكز ومؤسسات البحث والإعلام وحقوق الإنسان.
5. مؤسسات وهيئات الدفاع عن حقوق ومصالح فئات محددة.
 
كذلك يمكن تقسيم المنظمات الأهلية وفقا لطبيعة عملها إلى:
1. منظمات عاملة في مجال زيادة وعي المواطن والدفاع عن حقوقه من خلال تشكيل قوى شعبية ضاغطة على متخذ القرار.
2. منظمات عاملة في مجال الرفاه الاجتماعي، وهي الأكثر انتشارا ونشاطا وتنظيما.
3. منظمات عاملة في مجال رعاية المصالح المهنية للمنتسبين إليها.
4. منظمات أهلية عاملة في مجال المصالح الاقتصادية لأعضائها.
5. منظمات أهلية عاملة في مجال التعاون.
6. منظمات أهلية عاملة في المجال السياسي.
7. منظمات أهلية عاملة متخصصة في مجال إحياء الروح المدنية وتعميق مفهوم الديمقراطية.
دعم الصمود
وعن دور هذه المنظمات الخيرية وجميع منظمات العمل المدني في دعم صمود الشعب الفلسطيني يقول الشلالدة: "تضطلع مؤسسات المجتمع المدني بدور مزدوج؛ حيث تسهم في مقاومة الاحتلال دون الإخلال بدورها في عملية التنمية البشرية، وتعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمشاركة المجتمعية. وفي هذا السياق تم إقرار قانون الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية رقم 1 لسنة 2000 الذي منحها درجة من الاستقلالية في أداء عملها، كما تم إصدار قانون الأحزاب. ولكن إصدار هذه القوانين لم يتبعه تطبيق ناجع، وسياسات تشجع هذه المؤسسات على ممارسة الديمقراطية الحقة في إدارة الكثير من مؤسسات المجتمع المدني حتى تصبح نموذجا ديمقراطيا يحتذى به.
تسود حالة من غياب الديمقراطية وفقدان المأسسة والشفافية والتوثيق واللوائح الداخلية في عدد من المنظمات الأهلية؛ وهو ما يسبب خللاً في الوظيفة وخللا في تحقيق الأهداف المرجوة. وما زالت هذه المنظمات تعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية. وبرغم ذلك، تعتبر المنظمات الأهلية في فلسطين أكثر حيوية من مثيلاتها في أقطار مجاورة وفي أنحاء العالم؛ إذ إننا هنا نواجه جملة من التحديات الاستثنائية في مجتمعنا المدني بحيث فاقت جميع التصورات والممارسات الكولونية في التاريخ.
أثبتت التجارب القليلة في مجال التعاون بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الأهلية نجاحها وفعاليتها.
تراجعت أوجه المشاركة الشعبية في الفعاليات الكفاحية، وركنت الأحزاب والاتحادات إلى حد كبير على دور السلطة في إدارة عملية التفاوض، وقلت شعبية ونفوذ وقاعدة المنظمات الجماهيرية والاتحادات بقطاعاتها المختلفة، ولم تستطع فرض تحولات ديمقراطية على النظام السياسي، ولم تحدث في بناها وأطرها ولوائحها وبرامجها تغييرات ديمقراطية، ولم تسع إلى تنمية مصادر تمويل ذاتية في أغلب الأحيان.
ومن أجل تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني في فلسطين يقترح الشلالدة عدة مقترحات يمكن أن تساهم في تحقيق هذا الهدف وهي:
تحقيق الهدف
1. في مجال مواجهة الاحتلال من خلال العمل على تنفيذ القرارات الدولية التي تضمن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. وتطوير مساهمة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في النضال لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني. وتعزيز التنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني في العالم في النضال المشترك من أجل السلام والمساواة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال دون قيد أو شرط.
2. في مجال صنع القرار ورفع نسبة مشاركة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في الحياة السياسية بأشكالها ومستوياتها المختلفة، ومساهمتها في رسم السياسات الحكومية وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار. زيادة مساهمة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في الحياة السياسية بهدف تعزيز وضمان تحقيق مجتمع الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
3. وفي المجال الاقتصادي تمكين الشعب الفلسطيني من السيطرة على جميع موارده الاقتصادية على الأرض وسمائها وباطنها من معادن وآبار جوفية للانطلاق في عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وتعزيز حقوق مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية الاقتصادية واستقلالها الاقتصادي، وترسيخ مفهوم التنمية الشاملة بجميع مقوماتها التربوية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية لدى المجتمع، وتوفير خدمات التأهيل والتدريب وسبل الوصول إلى الأسواق لرفع مساهمة مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية في أسواق الاستثمار وزيادة مساهمتها في قوة العمل والناتج المحلي الإجمالي.