في خطوة ليست بالمفاجئة إلى حد كبير، صوّت برلمان إقليم كردستان العراق أمس الأول الجمعة، بالإجماع على إجراء استفتاء في 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، حول استقلال الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي، مثيراً بذلك حفيظة الحكومة العراقية التي نددت بالاستفتاء وطالبت بوقفه، واعتبرته منافياً للدستور.
كما أثارت الدعوة إلى الاستفتاء معارضة متصاعدة، ورفضاً من الولايات المتحدة الأمريكية وعواصم أوروبية ودول جوار، أبرزها تركيا وإيران، اللتان تخشيان أن تصيب عدوى الاستقلال، الأقليتين الكرديتين في بلديهما.
وكان نائب رئيس برلمان كردستان العراق، جعفر إبراهيم إيمنكي، الذي ترأس الجلسة، أعلن أن الاستفتاء سيجري في وقته المحدد، بعد تصويت بالإجماع من النواب الـ65 الحاضرين، وسط غياب نواب المعارضة.
وعلى إثره، أصدر الرئيس العراقي فؤاد معصوم، أمس السبت، بياناً أعلن فيه عن إطلاق مبادرة للحوار بين الزعماء السياسيين للتوصل إلى حلول ملموسة وعاجلة، تكفل تجاوز الأزمة التي أحدثها استفتاء إقليم كردستان.
وقال معصوم في البيان "تواجه العراق أزمة سياسية تنذر بتفاقم قد يضع العملية السياسية والمصلحة الوطنية العليا أمام أخطار وتهديدات جسيمة لا تسمح لنا مسؤوليتنا الدستورية تركها على الغارب، وهو ما يستدعي دعوتنا لجميع الأطراف المعنية ولاسيما المتمثلة في السلطتين التشريعية والتنفيذية على مستويي إقليم كردستان والسلطة الاتحادية إلى لزوم التصدي الفوري لمعالجتها، كأولوية قصوى، مهما اقتضى ذلك من جهود استثنائية، على أن تصب في ضمان الوصول بنجاح لحلول سلمية ديمقراطية تقوم على مبدأ الشراكة وتفهم طموحات أبناء كردستان وكافة المواطنين الآخرين".
تدخل عسكري
ومن جانبه، لوّح رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، بالتدخل العسكري ضد إقليم كردستان، في حال استخدمت أربيل القوة لفرض نتائج الاستفتاء، أو أدى الاستفتاء إلى الفوضى.
وجدد العبادي موقفه من مساعي استقلال كردستان، معتبراً أن تنظيم استفتاء الاستقلال قرار غير دستوري، وأكّد أن بغداد لن تعترف بنتائجه.
كما اتفق العبادي مع نظيره التركي بن علي يلدريم، على العمل سوياً لدفع إقليم كردستان للتراجع عن الاستفتاء المزمع إجراؤه، فيما اعتبر يلدريم أن قرار الاستفتاء "خطوة خاطئة".
وأضاف رئيس الوزارء التركي أن الاستفتاء على الانفصال في إقليم كردستان شمالي العراق، يعد قضية أمن قومي بالنسبة لتركيا، مهدداً بأن بلاده ستتخذ أي خطوات ضرورية مطلوبة بشأنه.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أعلن الجمعة، عن تقديم موعد عقد اجتماع مجلس الأمن القومي التركي لبحث استفتاء إقليم كردستان المزمع إجراؤه في الـ25 من سبتمبر (أيلول) الحالي، متعهداً باتخاذ قرار نهائي بعد الاجتماع، فيما اعتبر قرار الاستفتاء بأنه "قلة خبرة سياسية".
دعوة للحوار
وفي سياق متصل، اعتبرت واشنطن وعواصم أوروبية أن التوترات بين بغداد وأربيل ربما تؤدي إلى تشتيت الجهود الرامية للقضاء على تنظيم داعش.
وطالب البيت الأبيض، السلطات في إقليم كردستان بالتخلي عن المشروع والدخول في حوار مباشر مع بغداد، معتبراً أن إجراء هذا الاستفتاء سيكون خطوة "استفزازية" و"مزعزعة للاستقرار".
وأضافت الرئاسة الأمريكية أن إجراء الاستفتاء سيقوض الجهود الرامية للقضاء على تنظيم داعش، وكذلك الجهود الرامية "لإرساء الاستقرار في المناطق المحررة" من التنظيم الإرهابي، وقالت في بيان: "ندعو حكومة الإقليم الكردي إلى التخلي عن الاستفتاء والبدء بحوار جدي ومتواصل مع بغداد، وهو حوار لطالما كانت الولايات المتحدة مستعدة للمساهمة في تسهيل حصوله، ودعمه".
وفي ذات الشأن، أعلنت وزارة الخارجية البريطانية، عدم تأييدها لاستفتاء كردستان، محذرة من تأثيره على استقرار الشرق الأوسط، فيما اقترحت إجراء محادثات غير مشروطة بين بغداد وأربيل.
تهديد إيراني
أما إيران، التي تخشى من التمرد الكردي الإيراني في أراضيها، ومطالبته باستقلال مشابه إذا ما نجح إقليم كردستان العراق، زعمت أن تلك التحركات الانفصالية في المنطقة، تصب في مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، مشددة على معارضتها للاستفتاء.
وقال كبير مستشاري الثورة الإسلامية علي أكبر ولايتي، إن "إيران تعارض أي تحرك نحو استقلال جزء من العراق".
وكانت إيران تعهدت سابقاً، لرئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني، بدعم تجديد ولايته رئيساً للإقليم 4 سنوات أخرى، مقابل تنازله عن استفتاء الاستقلال، وفقاً لما ذكرت وكالة "الغد برس" العراقية أمس.
وأضافت أن "الجنرال قاسم سليماني الذي اجتمع مع بارزاني واقترح عليه التنازل عن الاستفتاء، حمل كذلك رسالة تهديد من الحرس الثوري الإيراني، مفادها أن الإقليم قد يصبح أسير الحروب بدلاً من الازدهار والتطور لعدة سنين مقبلة".
أكراد إيران
وسريعاً ما تحولت المخاوف الإيرانية إلى حراك شعبي كردي، بعد أن شهدت محافظة كردستان الإيرانية، أمس السبت، تظاهرات عنيفة طالبت بإجراء استفتاء مماثل لأكراد إيران، وهاجم المتظاهرون مديرية المحافظة، وحرقوا السيارات الحكومية الموجودة فيها وأقفلوا الطرق، مما استدعى تدخل الوحدات الخاصة لقوى الأمن، وفرض منع التجول في عدد من الشوارع، فيما اضطر المحافظ ورئيس قسم المحافظة إلى الهروب من المحافظة.
وحسب شهود عيان، فإن عدداً من المتظاهرين رفعوا شعارات وحملوا يافطات تطالب بإشراك كردستان إيران في الاستفتاء، الذي سيجري في كردستان العراق.
وينقسم الأكراد العراقيون حيال الاستفتاء، رغم الإجماع على مبدأ الاستقلال، إذ يعتبر البعض أن الموعد الذي حدده الرئيس مسعود بارزاني غير مناسب، وسط الأزمات الاقتصادية التي يعيشها الإقليم، فيما يرى آخرون أن القرار يجب أن يصدر من البرلمان المعلقة أعماله منذ أكثر من سنتين.
ويذكر أن إقليم كردستان العراق يقع شمالي البلاد، وتحده إيران من الشرق وتركيا من الشمال، وسوريا إلى الغرب وبقية مناطق العراق إلى الجنوب، عاصمته الإقليمية هي محافظة أربيل، ويعود إنشاء إقليم كردستان العراق إلى معاهدة الحكم الذاتي في مارس (آذار) 1970، إثر اتفاق بين المعارضة الكردية والحكومة العراقية بعد سنوات من القتال العنيف.
المصدر: أخبار الإمارات
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=100242
