يحتفل العالم باليوم العالمي للعمل الإنساني للإشادة بعمال الإغاثة، الذين يجازفون بأنفسهم في مجال الخدمات الإنسانية.
ويهدف الاحتفال الذي يصادف اليوم الاحد الى حشد الدعم للمتضررين من الأزمات في جميع أنحاء العالم والذي يأتي هذا العام تحت شعار "لست هدفا" وتوعية الجمهور بملايين المدنيين المتضررين من النزاعات المسلحة في المدن والبلدات ويعانون الامرين في سبيل العثور على الطعام والماء والمأوى.
وفيما يتسبب القتال في تهجير الملايين من منازلهم يُجند الأطفال ويستخدمون في القتال وتُدمر مدارسهم، كما تعاني وتزداد معاناة النساء والشيوخ يسعى العاملون في المجال الإنساني إلى إيصال المساعدات، ومعالجة الجرحى والمرضى، رغم أنهم جميعا مستهدفون مباشرة،كما أنهم يُمنعون من تقديم الإغاثة والرعاية لمن هم في أمس الحاجة إليهما.
وقال استاذ القانون الدولي في الجامعة الاردنية الدكتور عمر العكور إن القانون الدولي الانساني يحمي غير المشتركين في العمليات العسكرية بشكل مباشر أي المدنيين والإعلاميين الذي يغطون العمليات العسكرية، لافتا الى أن المقصود بالحماية هو ان الاعتداء على المدنيين يشكل جريمة، معتبرا أن أهم مبدأ يقوم عليه القانون الدولي الانساني هو انسانية الانسان بغض النظر عن جنسه أو دينه أو لونه، كما أنه لا يبحث بمشروعية الحرب أو يقف مع جهة مقابل أخرى.
وأشار الى أنه اذا كانت قواعد القانون الدولي الإنساني تهدف الى حماية حقوق الانسان في ظروف استثنائية فإن المحكمة الجنائية الدولية هي جزء لا يتجزأ من أشكال الحماية لحقوق الانسان، فهي تمثل الجزاء أو العقوبة التي يمكن ان تقع على منتهك قواعد القانون الدولي الانساني.
وبين أن العلاقة واضحة بين المحكمة الجنائية الدولية والقانون الدولي الانساني، وان اختصاصاتها تمتد لتغطية كل الانتهاكات الصارخة للمعاهدات الدولية المتعلقة بالقانون، مشيرا إلى انها تعتبر واحدة من أهم وانجع الآليات من أجل فرض احترام قواعد القانون الدولي الانساني، ويتوقف عملها في جانب كبير على إرادة الدول خاصة الدول الكبرى.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالة له وجهها لقادة العالم إلى بذل ما في وسعهم لحماية الأشخاص المحاصرين في الصراعات والانضمام إلى الحملة التي أطلقتها الامم المتحدة لهذا العام تحت شعار "ليسوا أهدافا "للتضامن مع المدنيين في مناطق الصراع ومع العاملين في المجال الإنساني الذين يخاطرون بحياتهم لمساعدتهم.
وقال أن قتل المدنيين يتواصل أيضا في مناطق الصراع وتشويههم، عمداً أو في هجمات عشوائية مضيفا أنه ففي العام الماضي، سجلت الأمم المتحدة مقتل أو إصابة أكثر من ستة وعشرين ألف شخص من المدنيين في هجمات وقعت في ستة بلدان فقط هي: أفغانستان وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال والعراق واليمن.
كما يجبر الصراع في جميع أنحاء العالم أعداداً كبيرة من الناس على مغادرة منازلهم، إذ يبلغ عدد النازحين اليوم أكثر من 65 مليون شخص كما تقوم الجماعات المسلحة بتجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال وتتعرض النساء للانتهاكات والإهانات وكثيرا ما يُستهدف العاملون في المجال الإنساني أثناء قيامهم بتوصيل المساعدات والعاملون في المجال الطبي وهم يوفرون الرعاية إلى من يحتاجون إليها، أو يُعتبرون مصادر تهديد.
وكان هجوم ارهابي قد ضرب مقر الامم المتحدة في بغداد عام في 19 آب 2003 أسفر عن مقتل 22 شخصاً وكان ممن قتلوا في ذلك اليوم، سيرجيو فييرا دي ميلو، كبير ممثلى الامم المتحدة فى العراق وبعد خمس سنوات، اتخذت الجمعية العامة قراراً يحدد ذلك اليوم يوما عالمياً للعمل الإنساني ينظم فيه حملات عالمية للاحتفال باليوم العالمي للعمل الإنساني، والدعوة إلى سلامة العاملين في مجال المساعدة الإنسانية وأمنهم، وبقاء المتضررين من الأزمات ورفاههم.
ومنذ تلك المأساة، التي أدت إلى إطلاق اسم اليوم العالمي للعمل الإنساني على ذلك اليوم، قُتل أو جرح أو احتجز أو أختطف أكثر من أربعة الآف عامل إغاثة ما يعني أن ما متوسطه 300 من العاملين في المجال الإنساني يُقتلون أو يُحتجزون أو يُجرحون كل عام.
في كل أنحاء العالم تخلف النزاعات خسائر فادحة على الأحوال المعيشية للناس ، ويجد ملايين المدنيين أنفسهم محاصرين ومجبرين على الاختباء بسبب الحروب التي ليس لهم فيها يد. فالأطفال يهجرون المدارس، والأسر والعائلات تُشرد، والمجتمعات تتمزق فيما العالم لا يفعل ما يكفي لوقف معاناتهم.
لابد من خلال الحملة المصاحبة للاحتفال بيوم العمل الإنساني من تذكير الجميع حكومات وشعوبا بنقطتين أساسيتين ، النقطة الأولى هي: أهمية تعزيز وتطوير العمل الإنساني لجميع أفراد الأسرة الدولية دون تمييز وبما يؤدي إلى مواجهة الأخطار المحدقة بالإنسان ، وتحقيق الأمان والحماية له، أما النقطة الثانية فهي :تأكيد أهمية احترام حصانة العاملين في العمل الإنساني من أي اعتداءات أو عرقلة لعملهم باعتبارهم مستقلين ويقدمون مساعداتهم لجميع الأطراف دون تمييز ، وهذا ما يستوجب حمايتهم وتذليل الصعوبات أمامهم.
وتنبع أهمية الأعمال الإنسانية من حقيقة أنها لا تميّز بين إنسانٍ وآخر، بل هي موجهةٌ لجميع فئات الناس، وتمدّ يد العون لهم لتساعد كلّ فقيرٍ ومحتاجٍ ومنكوبٍ، كما أنّ الأعمال الإنسانية لا تفرّق بين الناس من حيث الأوطان والجنس، أو اللون، أو الشكل، بل تسعى لتجمّل حياة الناس، وتجعل التراحم والمحبة والتوادّ أساس التعامل بينهم، فالإنسانية شيءٌ نابعٌ من الأعماق، يأتي مع فطرة كلّ إنسان.
وتتنوع الأعمال الإنسانية، التي تنهض بها في الوقت الحاضر الكثير من المنظمات العالمية والإقليمية التي تُعنى بهذا الشأن، وأصبح العمل الإنساني منظماً، ويتمّ على مستوى الدول والمجتمعات، وليس على مستوى الأفراد، ممّا أضفى عليها الكثير من الأهمية والجديّة.
ومن أهمّ الأعمال الإنسانية التي أنقذت أرواح ملايين البشر، الوقوف مع الأشخاص المنكوبين بسبب الحروب والكوارث الطبيعية، ومدّ يد العون لهم، وتقديم الطعام، والشراب، والمسكن، والملبس ، وكذلك الاهتمام بتعليم الأطفال الأيتام، وإنشاء المدارس والجامعات، ومبادرات محو الأمية في الدول الأقلّ حظاً، خصوصاً في الكثير من الدول الإفريقيّة التي عانت من المجاعات، وويلات الحروب الأهلية، والجفاف .
في 2018 ستظل النزاعات هي المحرك الرئيسي للاحتياجات الإنسانية، فالعنف الذي يطول أمده يجبر المواطنين على الفرار من ديارهم، ويحرمهم من الحصول على ما يكفي من الغذاء، كما يسلبهم سبل كسب عيشهم، وكذلك الجفاف والفيضانات والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية ستخلق أيضا احتياجات إنسانية. وعلى الرغم من أن المخاطر الناجمة عن ظاهرة النينو أو النينيا ستكون منخفضة في العام المقبل، يتوقع بعض العلماء زيادة خطر الزلازل في عام 2018 .
وفي عدد من البلدان، ستنخفض الاحتياجات الإنسانية، ولكنها سوف تظل كبيرة، بما في ذلك أفغانستان وإثيوبيا والعراق ومالي وأوكرانيا. ورغم ذلك، فإن الاحتياجات تتزايد بشكل متصاعد في بوروندي والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيا والصومال والسودان، كما ستظل الاحتياجات مرتفعة بشكل استثنائي في نيجيريا وجنوب السودان وسورية واليمن، التي من المرجح أن تظل أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
ومهما عددنا فوائد الأعمال الإنسانية، وما تعود به من نفعٍ وخيرٍ على الإنسان، فلن نستطيع أن نحصي ولو جزءًا بسيطاً منها، دعت إليها تعاليم الديانات السماوية السمحة، التي حثّت على أن يكون الإنسان عوناً لأخيه الإنسان، فنصرة المظلوم ونشر الخير بين الناس، من أسمى معاني الإنسانية وأكثرها جلباً للخير.
وبالرغم من أن بعض الباحثين يؤكدون على ضرورة الفصل بين العمل الانساني وعمل حقوق الانسان لكي لا يخرج العمل الانساني عن استقلاله وحياديته إلا أن ذلك مردود عليه بأن العاملين في حقوق الانسان يفترض بهم الاستقلال والحياد لحماية هذه الحقوق من أي انتهاك ومن أي طرف كان بشكل مستقل ومحايد، ، فاذا تحقق الاستقلال والحياد فليس هناك ما يبرر فصل العمل الانساني عن عمل حقوق الانسان.
المصدر: وكالات
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=100935
