الدكتور جهاد سويلم..رائد العمل الخيري المتسلّح بالوعي السياسي والاجتماعي

بقلم: الدكتور عصام يوسف- رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة

تشهد ساحات العمل الخيري والإنساني لصاحب “دينامية” خاصة، حمل بين يديه ملفات ثقيلة، ليدفع به إيمانه بعدالة قضيته، إلى تبني الحراك “المكوكي” هنا وهناك، حتى إذا ما غاب جسده، بقي رصيد أعماله، ومنهجيته، فكراً وأنموذجا تقتدي به الأجيال من بعده.

الدكتور جهاد سويلم، الذي غيّبه الموت أمس الأربعاء، تملكته شخصية رائد العمل الخيري الذي يحمل قناعات تكرس أهمية امتلاك الوعي السياسي والاجتماعي، كي يكون قادراً على الامساك بكافة خيوط العمل الخيري الإسلامي، وإمكانية توجيهه في اتجاهاته الصحيحة لخدمة المعوزين والمستحقين من أبناء الأمة، وبما ينعكس إيجابياً في بناء مجتمعاتها.

فأهمية تجسيد حالة الوعي السياسي، وإدراك حاجة المجتمعات للدعم المادي والمعنوي، لدى رائد العمل الخيري، يسهّل عليه قراءة المشهد الإنساني، ويبصّره بأهمية وضع خارطة طريق، يكون توجيه الدعم الخيري أحد عناصرها لغايات خدمة قضايا الأمة، والتي تحتل القضية الفلسطينية موقع “المركزية” فيها، حيث توجيه الجهد الخيري بالمال والقول والعمل هو تكليف “رباني”، وواجب أخلاقي لا مواربة فيه.

الفقيد الدكتور سويلم من بين نخب العمل الخيري ممن وعوا مبكراً لأهمية المجهود الخيري في تثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه، ودعم صموده، من خلال حفظ كرامته بتوفير احتياجات عيشه، وتعليم أبنائه، وكفالة أيتامه، وتوفير العلاج لمرضاه، فتحصين المجتمع والإنسان الفلسطيني من الضعف والخلل والزلل، ورفع معنوياته تبقى الغاية الأسمى، فأمد المعركة طويل، بينما يتربص المحتل ليل نهار، ساعياً لتركيع الفلسطيني، ومحوه بشتى الطرق.

حالة الوعي تلك، قادت سويلم إلى التفكير المستمر بمثلى الطرق والوسائل في الاستعانة بمقدرات الأمة، وبكافة الجهود الخيرية، عبر توحيدها من أجل حماية هويتها، التي تبدأ بمسح دمعة اليتيم الفلسطيني، ولا تنتهي عند تنفيذ المشاريع التنموية من تعليمية وصحية واجتماعية، وغيرها، يوازي ذلك الإيمان العميق بالتمسك بالثوابت في استرداد حقوق الشعب الفلسطيني على أرضه وترابه وموارده، والخلاص من الاحتلال الصهيوني البغيض.

ولم تكن حركة سويلم الدائبة في ميدان العمل الخيري، فضلاً عن الدعوي، تعرف الكلل والملل، فقد كان يتنقل بخفة بين ساحاتها من الدول الخليجية إلى دول المغرب العربي، وصولاً لدول أفريقية، بغية جمع الخيوط التي تهدف لتمتين النسيج، وحشد الطاقات التي تسهم في تقوية جبهة العمل الخيري الداعم للقضية الفلسطينية، ولحقوق الفلسطينيين الإنسانية.

مبعث هذه الحركة الدائبة للفقيد ومحفزها، ازدياد حالة البؤس الإنساني في الأراضي الفلسطينية وفي مخيمات الشتات، مع تزايد حالة التعقيد السياسي للقضية، واختلالات موازين القوى، وتهافت الاحتلال مع القوى الداعمة له في خلق واقع جديد يخرج الفلسطينيين من المشهد بأكمله، من خلال حياكة المؤامرات، وتعجيل تنفيذ مخططات نهب الحقوق، وتهويد المقدسات، وسلب الهوية.

وقد كشف سويلم حجم البؤس الفلسطيني عند زيارته لقطاع غزة عام 2008 ضمن وفد تضامني يرافق قافلة إغاثية إنسانية آنذاك، لافتا إلى “الظروف المأساوية, فلا أدوية في المستشفيات ولا حتى في الصيدليات، والأجهزة الطبية معطلة تماما بسبب عدم توافر قطع الغيار لها، والمحلات التجارية خاوية من السلع والمنتجات، وهو الأمر الذي أدى إلى توقف مجالات الحياة المعيشية”.

ولخص وقتها المهام العاجلة الملقاة على عاتق العمل الخيري بالحاجة لـ”إقامة مشروعات لتثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطعام والغذاء، واكتشاف المواهب والقدرات الشبابية التي أفرزتها المحنة, وإدماج هؤلاء الشباب في القطاع التنموي, بإقامة مشروعات محلية صغيرة، ووحدات للإنتاج”.

ملامح شخصية رائد العمل الخيري تجلت كذلك في رفض سويلم إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام، وهو ما يسوق بالتالي إلى التأكيد في أكثر من مناسبة رفضه التام والمطلق لإثارة الشبهات حول العمل الخيري الإسلامي، سيما الموجه منه لفلسطين وأهلها.

ويوصي في إطار ذلك مؤسسات العمل الخيري الإسلامي لأهمية تطوير نفسها، من منطلقات أن التطور هو سنة الحياة، وهو أمر تقتضيه الضرورة، فحالة الجمود ستجعلها تفقد أدواتها وحركيتها، ما يؤدي بالتالي لتحجر فكرها وتقديمها نموذجا غير صحيح عن العمل الخيري والإنساني.

برحيل الدكتور جهاد سويلم، تكون ساحة العمل الخيري الإسلامي قد فقدت أحد رجالاتها المخلصين لفكرها ومبادئها، ممن عملوا بصمت، وتفان من أجل خدمة قضايا أمتهم، ورائد من رواد العمل الخيري تميّز بأدائه ووعيه الذي انعكس بشكل إيجابي على عطائه وبذله في تقديم الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني.

رحم الله الدكتور جهاد سويلم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمّده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يلهمنا وأسرته ومحبّيه جميل الصَّبر والسّلوان.