التدخل التركي في سوريا وخرافات الرد العربي

بقلم: إحسان الفقيه

مما يثير الضحك حد البكاء، أن الذي يتحدثون عن الحقوق والدماء هم أكثر الأنظمة التي تهدرها، فكيف يتحدث عن الدماء من أقام المجازر للمدنيين من شعبه، لأنهم رافضون لحكمه الذي جاء إليه عبر الدبابات داهسًا على خياراتهم وأصواتهم التي أودعوها الصناديق؟ وكيف يتحدث عن الدماء من يخمد أصوات معارضيه بتقطيع أجسادهم إلى أشلاء ثم حرقها في الأفران، ويعتبر كل من يقف على الحياد خائنا، ويزج بالمصلحين والدعاة في السجون؟ ومع ذلك فالقوات التركية أثبتت خلال عملياتها السابقة في سوريا أنها تعمل بشكل نظيف، وصورة إنسانية راقية تجاه المدنيين في تفادي ضرب تجمعات المدنيين، ابتداءً، ثم الإصلاحات والإجراءات الخدمية التي تجريها في الأماكن التي تدخلها لتخفف من معاناة أهلنا السوريين.
حكومات السعودية والإمارات ومصر خاصة، تروج أن التدخل العسكري التركي يهدد وحدة الأراضي السورية، مع أن هذه العمليات بالأصل قامت بها أنقرة لمنع قيام دولة كردية في الشمال السوري تهدد أمن تركيا، وهذا ما ينسجم مع الرغبة العربية (المزعومة) في الحفاظ على سوريا موحدة.
وإنك لتجد تناقضا ظاهرًا في الموقف السعودي تجاه العمليات التركية في سوريا، فالرياض كان وزير خارجيتها يصرح عام 2016 بدعم بلاده للعمليات التركية في سوريا، لكنها اليوم تندد بالعمليات التي تقوم بها تركيا بالشراكة مع فصائل من المعارضة السورية.
أين كانت الحكومات العربية من المذابح التي قام بها الطيران الروسي على المدنيين في سوريا؟ لماذا لم تجتمع وتدين وتشجب العدوان الروسي وتطالب مجلس الأمن بفرض عقوبات على الروس؟ لماذا لم تدع إلى النظر في اتخاذ إجراءات سياسية واقتصادية وسياحية تتعلق بالتعاون مع روسيا وتخفض العلاقات الدبلوماسية معها أسوة بتركيا؟ ولماذا لم تجتمع الدول العربية بمثل هذا الحماس للتنديد بالتدخل الإيراني السافر في سوريا عن طريق قوات الحرس الثوري الإيراني، والميلشيات الشيعية الموالية لإيران التي أتت من كل حدب وصوب لدعم نظام بشار؟ لماذا لم تعتبر وجود القوات الأمريكية والروسية والإيرانية احتلالًا، كما فعلت مع التدخل التركي؟
ومن أبرز تلك الخرافات التي ظهرت في الموقف العربي، الطنطنة حول تهديد العمليات التركية للأمن القومي العربي، ولم نسمع النبرة نفسها تجاه عربدة إيران في المنطقة، وحصارها للخليج عبر أذرعها المسلحة، ولم تتحدث عن التهديد الصهيوني الذي يحيق بصميم الأمن القومي العربي.
الرئيس الانقلابي عبد الفتاح السيسي، الذي تترنم حكومته اليوم بحماية الأمن القومي العربي من الخطر التركي، ماذا فعل لحلفائه السعوديين أمام تهديدات الحوثي المستمرة للحدود السعودية بأسلحة إيرانية؟ ألم يكن قد صرح من قبل بأن أمن الخليج خط أحمر؟ وأن أي تهديد لمصالحها ستكون فقط (مسافة السكة)؟ وأين هؤلاء جميعًا من ابتلاع إيران للعراق، ألا يشكل ذلك تهديدًا لأمن الخليج خاصة؟
ليست هذه السطور لإبداء الرأي في العمليات العسكرية التركية، التي يحق لكل واحد أن يكون له رأيه الخاص تجاهها، بل ينصرف الهم لتقييم موقف الحكومات العربية الذي لا ينبني على أي أساس صحيح، لذا يمكن القول بأن هذا الموقف كان وليد أمرين:
*الأول: هو الخصومة مع الحكومة التركية، فنظام السيسي له ثأر مع أردوغان منذ انقلاب 3 يوليو، الذي لا يزال الزعيم التركي حتى اليوم مناهضا ومنددا بالسلطة الانقلابية، ويرفض التلاقي معها والاعتراف بها، إضافة لإيوائه كثيرا من المعارضين المصريين. أما نظام بن سلمان، فقد دخل في خصومة منذ إمساكه زمام الأمور مع الأتراك، خاصة بعد مساندة تركيا لقطر ضد الحصار العربي، وإحباطها مخططًا للتدخل العسكري على الأراضي القطرية، إضافة إلى الجهود التركية الكبيرة في فضح تورط ابن سلمان ونظامه في قتل الصحافي جمال خاشقجي بسفارة السعودية على الأراضي التركية. كذلك نظام ابن زايد الإماراتي الذي يعتبر الإسلام السياسي والحكومات الديمقراطية هي ألد أعدائه في المنطقة، يناصب الحكومة التركية العداء على أساس اتهامها للأتراك بدعم الإسلاميين، ما يشكل خطرًا يمكن أن يمتد للإمارات ويهدد نظامها القبلي.
*الأمر الثاني الذي ينبني عليه الموقف العربي خاصة مصر والسعودية والإمارات، هو التماهي المعتاد مع التوجهات الغربية الأمريكية الصهيونية الرامية إلى محاصرة تركيا وتضييق الخناق عليها، ولا يخفى أن الوحدات التي تقاتلها تركيا على الحدود، تحظى بدعم أمريكي وإسرائيلي كبيرين، لذا نجد هذا الاصطفاف الأمريكي الصهيوني السعودي الإماراتي المصري ضد التدخل العسكري التركي، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.