بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة
لم يكن إسلام مراد هوفمان كالآخرين ممن يعتنقون الإسلام، متجهين لتعلم عباداته وأحكامه، وربما علومه الفقهية، بل كان حالة استثنائية لولادة مفكر إسلامي من طراز مختلف، عمل على إعادة إنتاج شخصية المسلم في العصر الحديث، والصورة التي يجب أن يكون عليها في خضم الاحتكاك الحضاري مع الأمم الأخرى.
ومع سعة المعرفة بالمعتقد المسيحي الكاثوليكي، إلى الاهتداء للدين الإسلامي بعد دراسة معمّقة للأديان، ومنها الإسلام على مدى سنوات، بعد مروره بمراجعات فكرية كانت تتشكّل معها شخصية هوفمان الذي ينظر للإسلام بعين عابرة للمعتقدات إلى دين سماوي يلبي مختلجات النفس والروح البشرية من كافة جوانبها.
نوازع استقلالية الشخصية، والفرز والتفنيد العقلاني، بدأت مع هوفمان مبكراً، حيث لم يكن عقله يستوعب “ديماغوجية” الحقبة النازية، فاتجه في صباه للانضمام إلى جماعة سرية مناهضة للنازية، على الرغم من التقاليد المجتمعية والسلطوية التي تجبر الفتية على الانخراط في الشبيبة الهتلرية.
ذات الأمر انسحب على إخضاع عقله لمراجعات ذهنية قادته إلى دراسة الأديان، دون المرور بإفقاده الثقة بوجود خالق مدبر للكون، ومبدع في خلقه، ومسيّر له بما يفوق قدرة العقل على إدراكها، بل كانت مراجعاته العقلية من محركات التفكير المنطقي التي قادته إلى مسلّمات التمسك بوجود الخالق وتدبيره المبدع والبديع لشؤون الخلق.
“عقلنة” الأشياء لدى هوفمان أوصلته إلى البحث في الدين الإسلامي، وتفصيلاته، ودراسة القرآن الكريم كمرجع أول للأحكام الشرعية والعبادات، والأغراض والمآل، ليجد الانسجام مع عقلانية الإسلام، وقد لفت انتباهه، تعدد الدعوات في كتاب الله، جل وعلا، للتعقل والتفكير في إطار آيات تدعو الناس للقراءة والتحليل وتحكيم العقل.
كما أن السيرة النبوية ألهمته بكمال السلوك الإنساني، والمعاملات بين الناس، القائمة على ارتباط المعتقدات الدينية بالعقلانية، باعتباره دستوراً للمسلكيات الإنسانية والدينية، وقد تكرس ذلك مع حياة الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، في المدينة المنورة، في الوقت الذي كانت تتنوع في مجتمع المدينة الديانات المختلفة، حيث أقر هذا الدستور بالتعايش السلمي فيما بين أبناء الديانات المختلفة، بل بضرورة خلق البيئة السليمة، التي تجسد حالة التكافل والترابط بين أبناء المجتمع الواحد المتنوع فكرياً وعقائدياً.
ولجمال الفنون الإسلامية دور في انجذاب روح هوفمان المتذوقة للجماليات، من خلال البحث المعمق في فنون الشرق والغرب، وقد دفعته فنون العمارة الإسلامية إلى التأمل في جوانب مختلفة من هذه الجماليات، وإنتاج العديد من المؤلفات حول هذا الموضوع.
عقلانية هوفمان “الألماني” التي قادته إلى اعتناق الدين الإسلامي عام 1980، وضعته أمام تحديات إشهار مخرجات التفكير النقدي خلال رحلة دراسته لأنماط التفكير والسلوك عند أصحاب المعتقدات المختلفة، والذي جعلته يخلص إلى دعوة المسلمين لضرورة إثبات وجودهم وتأثيرهم، والكف عن الأسلوب الاعتذاري والتبريري عند مخاطبة الغرب، إذا ما أرادوا حواراً حقيقياً معه.
حجة هوفمان في ذلك تقوم على أساس أن الإسلام هو الحل الوحيد للخروج من الهاوية التي تردى الغرب فيها، وهو الحل للمجتمعات الغربية في القرن الواحد والعشرين، معبراً عن قناعته بأن الإسلام هو دين لكل زمان ومكان، مقدماً في إحدى مؤلفاته رؤيته المستقبلية للدين، حيث يرى في مؤلفه أن القرن الحادي والعشرين هو قرن انبعاث الإسلام في أوروبا.
لم يسلم هوفمان عبر مؤلفه الموجه للعقل الغربي من التشويه والهجوم من بعض الدوائر والتيارات في الغرب، وقد أثّر ذلك على عمله كدبلوماسي، بعدما تعرض هوفمان للعديد من الشائعات وحملات التشويه، بما في ذلك من مزاعم بأن “كل امرأة في وزارة الخارجية الألمانية تعمل تحت إدارة هوفمان ستجبر على ارتداء الحجاب”.
وقد وصل الهجوم على هوفمان حد زعم بعض الكتّاب والسياسيين أن أفكاره لا تتسق مع الدستور الألماني، ما دفع الخارجية الألمانية إلى الطلب منه تقديم إفادة حول آرائه، وفي النهاية صدر الكتاب بتقديم أكاديمية ألمانية مرموقة أثنت على الكتاب الذي أثار جدلا طويلا على صفحات الصحف والكتب الألمانية.
تمسّك هوفمان، حتى نهاية أجله –رحمه الله- بالعقلانية، والتجديد الفكري، كمنطلق لتفكيره، كما أن ثباته بما تنتجه هذه العقلانية من فكر عزز من إيمانه بمعتقداته وقناعاته، معتبراً في جملة هذه النواتج الفكرية بأن العقلانية ضرورية لفهم محورين: الطبيعة أو الكون، والقرآن الذي يحتوي كلمات الله، معرّفاً لمفاهيم العقلانية والسبب والإيمان، بقوله “إن المسلم لا يستطيع أن يعيش بلا إيمانه، وبأنه بمجرد نطقه للشهادتين مع فهم عميق لمعناها، يمكن تطبيق الإيمان”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=112040
