بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس مؤسسة نزاهة للأعمال الإنسانية والحقوقية (الحياة حق)
لا يترك الاحتلال فرصة إلا ويسعى فيها لترسيخ صورته في الأذهان ككيان سياسي استثنائي متحلل من منظومة التشريعات والقوانين الدولية الإنسانية، وعدم قدرته على مغادرة مربع الصورة النمطية للاستعمار “الكولونيالي” القديم الذي سبق إقرار منظومة القوانين الإنسانية المعاصرة، مع إضافته لهذه الصورة سلوكيات الاستعمار الاستيطاني الذي يكرس الممارسات الشاذة بمختلف أشكالها لتحقيق غاياته في الهيمنة المطلقة على مستعمَريه، والتحكم بمصيرهم كيفما شاء.
ومع تضخم الهوية الاستعمارية للاحتلال الصهيوني على مدى عقود مضت، لم يعد معها يرى ضحاياه إلا كأهداف تسقط في لعبة “الكترونية” تستثير لديه الحماسة لاستمراء القتل وإيقاع أكبر عدد من المستهدفين بنيرانه الكثيفة، للوصول إلى نشوة الانتصارات السريعة، وإرضاء الذات بالشعور بالتفوق المطلق، وامتلاك إمكانيات الردع.
ولا عزاء للأبرياء ممن يسقطون بنيران الاحتلال الكثيفة سواء أكانوا من الأطفال أو النساء أو الشيوخ، وحتى من ذوي الاحتياجات الخاصة والعجزة، فالسلاح الصهيوني يمتلك خبرة طويلة في النيل من العزّل من السلاح، لم يستطع أن يمتلكها أمام المقاومين المسلحين الذين اضطروا لحمل السلاح من أجل استرداد حقوق شعبهم المسلوبة.
مشهد سقوط الشهيد إياد الحلاق قبل بضعة أيام، في إحدى طرقات البلدة القديمة بالقدس، برصاص بندقية الجندي الصهيوني الحاصل على الضوء الأخضر للقتل العشوائي، والعبثي، يعبّر بشكل واضح عن هذه الحالة، فالشاب الذي يعاني من الإعاقة لم يخطر بباله أن يبلغ استسهال القتل باستهدافه المباشر كون إمكانيات الاحتلال الأمنية الكبيرة قادرة على التمييز في اكتشاف ظروفه الصحية الخاصة، واستبعاد أن تنحدر أخلاقيات الجيش صاحب قدرات الردع الهائلة ليصل به الحال إلى التعامل معه كخصم تجدر تصفيته.
ولم يكن يخطر ببال الضحايا الذين سبقوا الحلاق، ممن جرى تصفيتهم ميدانياً أمام الملأ، وفي وضح النهار، بأن المعايير الأخلاقية لدى الجيش الصهيوني لا يمكن التعويل عليها، أو حتى تصنيفها ضمن معايير سوية البشر، سيما وأن أبسط قواعد التعامل بين البشر هو احترام آدميتهم، وكرامتهم، وعدم التجاوز على حقهم في الحياة، فما بالك حين يكون هذا الآدمي من ذوي الاحتياجات الخاصة.
جربت بندقية المحتل مراراً وتكراراً على مدى أكثر من 7 عقود مضت، التجاوز على حق الأبرياء بالحياة، وكانت التجارب تثبت لها حقيقة ازدواجية المعايير التي تتيح لها المرور بجريمتها دون عقاب، فهي على قناعة بأنها تستند إلى عاملين رئيسيين تجد من خلالهما إمكانية تبرير القوة المفرطة “الوقحة” بحق الأبرياء، فهي تتكئ إلى “حائط صلب” من الداعمين الدوليين القادرين مساعدتها في الحيلولة دون الوصول لقاعات المحاكم الدولية، إلى جانب استنادها لسردية امتلكت وسائل الهيمنة الإعلامية عالمياً، لتشكيل وعي دولي يعيد رسم شخوص الحكاية بطريقة غير مألوفة، الذئب فيها بات حملاً بريئاً، والحمل مجرم بحق الذئب، والكذب والتزييف وتزوير الحقائق تشكل متن هذه السردية.
في الغالب ستمر جريمة قتل الشاب الحلاق كما مرت سابقاتها، على الرغم من الأصوات التي ارتفعت لتنادي بمحاكمة الجناة، مع وضوح النص القانوني المدوّن في أوراق المواثيق والتشريعات الدولية، الذي يؤكد على وجوب حماية الأبرياء، ومنهم المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة والنساء والشيوخ والأطفال، وغيرهم، في أوقات الحروب، “فكيف هو الحال في وقت تصمت فيه المدافع منذ زمن طويل؟”.
كما أن القانون الدولي الإنساني يصف هذه الجرائم بشكل صريح، ودون مواربة، كجرائم ضد الإنسانية، تُرتكب بحق المدنيين العزل، وضد أشخاص هم الأكثر أحقية في الحصول على الرعاية والحماية باعتبارهم عاجزين عن حماية أنفسهم، ما يزيد الجريمة بشاعة، ويزيد السلوك الإجرامي الصهيوني ثقة بإمكانية تحدي المواثيق والأعراف واللوائح القانونية الدولية، حين يفلت من العقاب.
جريمة قتل الحلاق تعطي للكثير من التساؤلات التقليدية زخمها الجدلي من جديد، حول استمرار العالم إغماض أعينه عن سقوط الأبرياء برصاص جنود مدججين بالسلاح، في مشاهد توثقها الكاميرات؟ وهل للتحولات والمتغيرات السياسية في المنطقة دور في المزيد من إضاعة حقوق الشعب الفلسطيني، ومنها هذه المرة حقه في الحياة؟؟.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=115553
