بقلم: أمين تاج السر
في حوار افتراضي معي، في منتدى شومان الثقافي، جرى منذ أيام، سألني الروائي جلال برجس، الذي كان يدير الحوار: بما أنك أحد كتاب الواقعية السحرية، التي ابتكرها اللاتينيون، هل تظن أنها أسلوب مناسب للتعبير الأدبي عما يجري في العالم اليوم؟
في الحقيقة أنا أكتب منذ زمن طويل بطريقة فيها مزج بين الواقع والخيال، مع ميل لاستخدام اللغة بطريقة تبدو لي شخصيا مناسبة، وتبدو للبعض مزعجة، وقرأت في مراجعات عديدة كتبها آخرون عن كتبي أن هناك استعراضا لغويا من الكاتب، وغموضا في تناوله للأحداث. ولم يؤثر ذلك في شيء، ونعرف جميعا أن القراءة أنماط وأذواق مثلما هي الكتابة، وأقول دائما أن أي كاتب مهما كانت رداءة أسلوبه، يعثر في النهاية على قارئه الذي يصرخ طربا عند قراءة جملة من جمله، وأي كاتب مهما كان جمال أسلوبه، وتفانيه في محاولات إحداث الدهشة لمن يقرأه، سيجد من ينظر إلى كتابته بغيظ، ويمكن أن يكتب في منتديات القراء تساؤلا كلاسيكيا، يكتبه كثيرون بكل سهولة: كيف أصبح هذا كاتبا؟
أعود لمسألة الواقعية السحرية، ولا أنكر أنها المدرسة الكتابية التي تأثرت بها في بداياتي، حين كنت أقرأ باندهاش كل حرف كتبه ماركيز، وجورجي أمادو، وبورخيس، وبلغ عشقي لماركيز أنني امتلكت كل الطبعات العربية التي صدرت من رواية “مئة عام من العزلة” و”الحب في زمن الكوليرا”.
كان يعجبني في كتابة أولئك اللاتينيين عدم اعترافهم بحدود ما يمكن تخيله، كل شيء ممكن حدوثه، حتى تلك الأشياء التي لا ترد إلى ذهن أحد، بسبب استحالتها، يمكن أن ترد إلى ذهن أي كاتب منهم. وبناء على تلك الإمكانيات الكتابية، سيعود الغجري ملكيادس من الموت بكل بساطة ليحكي ما حدث، وسيعثر أهل بلدة كاريبية على ملاك مسكين مبلل بالمطر، وستجر الجدة حفيدتها إيرنديرا عبر المدن والقرى في رحلة سداد للدين يستخدم فيها الجسد الطفل بكل رعونة.
في الحقيقة أنا لم أكتب كل ذلك، لكن كتبت أشياء غريبة ترد في لحم السرد الواقعي، أشياء لها علاقة بالمكان الذي أكتب عنه، ولم أصنف نفسي من ضمن تيار الواقعية السحرية أبدا. إنها أساطير ربما، قصائد ضالة، ربما أشياء ممكن حدوثها في بيئة أفريقية وعربية، ذات ثقافة خاصة. وكنت عملت في بداية التسعينيات، من القرن الماضي، في الحدود السودانية – الإرترية، وسمعت وشاهدت هناك أشياء غريبة جدا، وثقت بعضها في كتابي “سيرة الوجع”. أيضا استوحيت شخصيات كثيرة من ذلك المكان، ولم أحس بأنني أكتب واقعية سحرية، وربما أسميها واقعية ممتزجة بالغرائبية، وهذه أخف وطأة من السحرية، لأن الواقع هناك في الحقيقة، يبدو عاديا جدا لدى الناس، لا ينتبهون لسحريته أبدا.
في تلك المناطق يوجد إعصار موسمي، يستلم المكان حوالي ثلاثة أشهر في العام، إنه غبار مجنون جدا، يحجب الرؤية تماما، ولا تستطيع من ضراوته أن ترى حتى يدك إن مددتها أمامك. لكن ذلك لا يلفت نظر أحد أبدا، وحين يسقط أحد الغرباء مثلنا في حفرة عميقة، لأنه لا يرى أمامه، سيجد من ينتشله منها ويسأله بكل تلقائية: كيف سقطت في الحفرة؟ هل أنت أعمى؟
حين تقرأ رواية “أشياء تتداعى” للعظيم تشينوا أشيبي، وهي إحدى الروايات التي تأثرت بها في بداياتي، وما زلت محتفيا بها وأرشحها لكل من لم يقرأها ويسألني عن ترشيح كتاب، ستجد غرائب كثيرة لن تخطر على بالك. هذه الرواية كتبت كما أعتقد في خمسينيات القرن الماضي، أي قبل أن يومض بريق السحرية اللاتينية، ولا تصنف سوى أنها أدب أفريقي خالص، استوحى تفاصيله من البيئة.
في هذه الرواية، يستدعى المحليون أجدادهم الذين ماتوا منذ زمن بعيد، حين يحتدم الجدل في أمر ما، أو يستوجب الأمر حلا لمعضلة أعجزتهم، وتجد بكل سهولة أن الأجداد يعودون، يخاطبون التجمعات، ويزودون الناس بالحل ويعودون إلى قبورهم.
إنها ليست واقعية سحرية، بقدر ما هي زخم أسطوري، خيالي، يمنح الكتابة بعدا جيدا ومتعة مطلوبة. وكما قلت ليس لكل القراء بالطبع، لأنني رشحت مرة هذه الرواية لقارئ صديق، وعاد ليبدي استغرابه من إعجابي بها، معتبرا إياها من الأدب الرديء. وأيضا حدث هذا الأمر مع رواية “قلم النجار” للإسباني مانويل ريفاس التي دائما ما أردد أنها الرواية التي تمنيت لو كنت كتبتها.
بالنسبة للزمن الحالي الذي يعتبر البعض أن الواقع فيه تفوق على الخيال بمراحل، وأن استخدام الطرق السحرية في الكتابة لن يضيف جديدا، أو الكتابة بالطريقة السحرية غير صالحة فيه، أستطيع أن أقول أن هذا غير صحيح أبدا. وهذا رأي شخصي طبعا، فما دام هناك واقع متخم بما كان خيالا في ما مضى، وتحقق، نستطيع أن نسبقه أيضا بخيال أقوى، وممكن جدا أن نطوع هذا الواقع المر، ليصبح بسحره الجديد مادة خصبة لأعمال كتابية، قد تكون مبهجة.
نحن الآن في زمن كورونا، هذا الوباء الذي استغرق زمنا أطول عادة من الزمن الذي تستغرقه الأوبئة في تجولها في حياة الناس، مما خلق واقعا بغيضا، تنحى فيه أبسط شيء، وهو عناق الأحبة والأصدقاء، أو على الأقل مصافحتهم بالأيدي. والنشرات المحذرة تنوه دائما بضرورة التباعد الاجتماعي، حتى في معالجة الناس من أمراضهم الروتينية، دخلت مادة جديدة هي التليمديسن، أي طب الاتصال، لها كورسات وشهادات، وهذه كما قلت أشياء لم تكن لتحدث، وبما أنها حدثت، نستطيع استخدامها أدبيا.
أخيرا كل كتابة، أو كل مدرسة كتابية لها مزاياها ومحبوها، ولها مآزقها، وقراء لا يطيقون الاقتراب منها.
المصدر: القدس العربي
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=118942
