باحث إسرائيلي: تطبيق مخطط الضم سيقود إسرائيل لدولة ثنائية القومية نهايتها دولة عربية

حذر باحث ومسؤول أمني إسرائيلي سابق من استمرار تهرب إسرائيل من تسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني بذريعة فقدان الشريك الفلسطيني، ومن استسهال توجيه التهم لياسر عرفات، ويقول إنها تتقدم نحو دولة ثنائية القومية تكون لاحقا دولة عربية.

وبعكس التيار الصهيوني السائد، يؤكد بروفيسور ملاتي شطاينبيرغ، باحث إسرائيلي متخصص في الشؤون الفلسطينية، ومستشار سابق لرؤساء جهاز الأمن العام “الشاباك” أن إسرائيل تواصل التهرب من تسوية الدولتين. وللتدليل على ذلك يقول متسائلا إنه إذا كانت شخصية الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كما يقول  قادة إسرائيليون حاليون وسابقون، هي التي وضعت العقبات أمام التوصل الى تسوية سياسية، فلماذا لا يرون في عباس شريكا؟

ويتابع: “هذا يقودنا الى استنتاج أن المشكلة تكمن في نظرتهم السلبية لمجرد التسوية السياسية التي تقوم على حل الدولتين”.  ويقول شطاينبيرغ إن البروفيسور شيرمان كانت، المؤرخ في جامعة ييل وموظف سابق في “سي.آي.ايه” ميّز بين نموذجين متباعدين من رجال الاستخبارات البحثيين، النموذج الأول هو “النادل” الذي يركز على المعلومة الاستخباراتية المنفردة ويسارع في الابلاغ عنها. والثاني هو “الخباز” الذي يفحص بتأنٍ الخبر مقارنة مع الأخبار الأخرى.

اقتباسات غير دقيقة لعرفات

يأتي شطاينبيرغ بهذه المقارنة ضمن مقال نشرته صحيفة “هآرتس” تمهيدا للإشارة للجدل الإسرائيلي الداخلي حول الصراع وطريقة تسويته. فيستذكر شطاينبيرغ قول يوسي بن آري، النائب السابق لرئيس “الشاباك” الذي نفى تخطيط عرفات للانتفاضة الثانية. ويقول شطاينبيرغ: “نصيحة كانت هي البحث عن طريق وسط. يغئال كرمون وزئيف بيغن، في رسائل ردهما على مقالة يوسي بن آري يشبهان نادليْ استخبارات، في حين أن بن آري يركز على مقولة أنه لم يجد أي اشارة لتخطيط مسبق للعنف (في اندلاع الانتفاضة الثانية) بمبادرة عرفات أو بمبادرة آخرين في المعسكر الفلسطيني”، فإن كرمون وبيغن انقضّا على تصريحات مختارة لياسر عرفات من اجل إثبات أنه هو الذي بادر إلى الانتفاضة ولا يريد السلام.

​ويفترض شطاينبيرغ أن كرمون وبيغن سيوافقان على أن عدد القتلى الإسرائيليين من نشاطات “الإرهاب الفلسطيني” هو مؤشر مهم، منوها أنه في السنوات الأربع التي سبقت اندلاع الانتفاضة الثانية حدث انخفاض واضح في عدد القتلى الإسرائيليين: في عام 1996 قتل 71 إسرائيليا، وفي 1998 قتل 11 إسرائيليا، وفي 1999 قُتل أربعة إسرائيليين. وفي عام 2000، حتى اندلاع الانتفاضة في 29 أيلول، قُتل إسرائيلي واحد.

وبرأي شطاينبيرغ، فإن هذا المنحى لم يأت من فراغ. ويقول إنه منذ 1996 تبلور تعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ضد حماس، وهو الذي أثمر عن هذا الانخفاض في عدد العمليات وعدد القتلى. في حماس يرون تلك الفترة كفترة ظلامية.

كما يستذكر شطاينبيرغ ما قاله رئيس الشباك في حينه عامي أيالون بأنه في تلك الفترة “تم عقد تحالف حقق نتائج جديرة بالإشارة في مواجهة الإرهاب الفلسطيني. أعضاء هذا التحالف كانوا أجهزة الأمن الفلسطينية والشباك الإسرائيلي وأجهزة الأمن والاستخبارات في مصر والأردن”.

في كتاب “نيران صديقة” الذي نشره أيالون مؤخرا، تحدث عن قضية تصفية كبار شخصيات المستوى التنفيذي لحماس في الضفة الغربية. هذا الوصف يدلل على كم كان مجديا التنسيق العملياتي مع السلطة الفلسطينية قبل الانتفاضة.

مضامين التعليم في المدارس الفلسطينية

​لفت شطاينبيرغ أنه بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، ساد في اسرائيل الادعاء الذي يشارك فيه كرمون وبيغن أيضا، بأن نظام التعليم الفلسطيني هو الذي يتحمل ذنب التصعيد في أوساط الجيل الشاب.

ويتابع: “فحصت عشرات الكتب الدراسية الفلسطينية في تلك الفترة وقارنتها مع كتب من مصر والأردن، التي كانت تدرس في السابق في الضفة وفي قطاع غزة. في الكتب الفلسطينية يظهر هناك جهد لضبط النفس. ويدل على ذلك معهد ممري نفسه، الذي رئيسه ومؤسسه كرمون، وبيغن نشيط فيه. تحقيق لممري من عام 2002 وجد أن الكتب الدراسية الجديدة تعكس محاولة عامة لتقليل سم المعاداة لإسرائيل… لقد تم تقليص الدعوات المكشوفة للعنف بصورة أساسية. لا يمكنني صياغة ذلك بصورة أفضل، ومن المؤسف أن رؤساء ممري يتجاهلون نتائج بحثهم”.

رائد الكرمي

​أكثر من ذلك، قال شطاينبيرغ إنه عن مقاربة عرفات، يمكننا أن نعرف بأنه بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، حاول عرفات وقف العنف في ثلاث مناسبات: الأولى، وقف إطلاق النار الذي استمر بنجاح من 16 كانون الأول 2001 حتى 14 كانون الثاني 2002. عندها قطعته إسرائيل عندما قامت بتصفية رائد الكرمي. ليس هناك خلاف على أن الكرمي عمل في الإرهاب، لكن في فترة وقف إطلاق النار كان يمتثل لأوامر عرفات. وهكذا، حدث انخفاض في العمليات بشكل عام وفي العمليات الانتحارية بشكل خاص. يكفي مقارنة شهر وقف إطلاق النار مع الفترة التي سبقته والفترة التي جاءت بعده”.

ويتساءل شطاينبيرغ أنه لو  استمر وقف إطلاق النار حتى تبني مبادرة السلام السعودية، التي تحولت إلى المبادرة العربية في آذار 2002، ألم تكن لتظهر طريق سياسية للخروج من الانتفاضة الثانية؟  ويتابع: “عرفات تبنى تماما ليس فقط المبادرة العربية، بل أيضا نسختها السابقة، المبادرة السعودية، التي لم تذكر قضية اللاجئين الفلسطينيين. تصفية الكرمي خلال وقف إطلاق النار أدت إلى التصعيد الذي جرّ للمرة الأولى أعضاء فتح لتنفيذ عمليات انتحارية. هكذا تدهورنا نحو عملية السور الواقي، بالضبط في نفس اليوم الذي تبنى فيه مؤتمر القمة في بيروت مبادرة السلام العربية”.

خريطة الطريق

يشير شطاينبيرغ أيضا ل​محاولة أخرى لياسر عرفات بحثا عن طريق للخروج السياسي، وقد كانت عندما وافق على خطة “خريطة الطريق” للرباعية الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) في نيسان 2003. ويستذكر الباحث الإسرائيلي، أن إسرائيل برئاسة أريئيل شارون طرحت 14 ملاحظة، لم تكن سوى شروط مسبقة، من بينها المطالبة بالتخلي عن ذكر مبادرة السلام العربية، وحتى المبادرة السعودية الأصلية، ووضع شرطا صارما يتمثل في الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل. ويتابع: “بهذا أغلقت الدائرة على خريطة الطريق رغم استعداد عرفات للموافقة عليها كخطة مرحلية لتسوية سياسية”.

محمود عباس

​ويتوقف شطاينبيرغ عند الفرية الإسرائيلية المتمثلة بأن “عرفات كان قادرا وغير راغب بالسلام، ومحمود عباس راغب بالسلام وغير قادر”. فيقول داحضا مزاعم تقليدية إسرائيلية: “بعد عرفات تبنى وريثه محمود عباس المبادرة العربية وخريطة الطريق بكاملها. إذا كانت شخصية عرفات الحازمة والملتوية، مثلما يقول كرمون وبيغن، هي التي منعت إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية، فلماذا لا يرون في عباس شريكا؟”.

ويخلص الباحث الإسرائيلي للقول إنه “لا يوجد أمامنا سوى الاستنتاج من ذلك بأن المشكلة تكمن في نظرتهم السلبية للتسوية السياسية المتمثلة في التقسيم لدولتين”.

“غلطة القرن”

يشار إلى أنه قبل ذلك، كان شطاينبيرغ قد اعتبر “صفقة القرن” خطوة خطيرة على إسرائيل، ووصفها بـ”غلطة القرن”.

وتابع في مقال نشرته صحيفة “معاريف” قبل عدة شهور حيال جميع الخطوات التمهيدية (والترويجية) لـ”صفقة القرن”، لا يحتاج الفلسطينيون إلى أية إشارات إضافية أخرى كي يعلنوا معارضتهم الحازمة ورفضهم المطلق لها. أما فيما يخص إسرائيل، فلم تبحث فيها الإسقاطات العملية للضم، ولو الضم الجزئي، لأن هذه تحتاج إلى مقالة أخرى منفردة. أكتفي هنا، في النهاية، بإعادة صياغة ما قاله بيرل كتسنلسون في عام 1931 ضد فكرة الدولة الواحدة الثنائية القومية التي طرحتها منظمة “بريت شالوم”: إن الضم ليس سوى تعبير لغوي، أما المضمون فهو دولة عربية.

المصدر: القدس العربي