لا يزال المسجد الأقصى المبارك يشكل الهدف الاستراتيجي لما يسمى “منظمات الهيكل” المزعوم، التي تتبنى أجندة دينية متطرفة تتمثل في هدم المسجد المبارك بكامل مساحته، وإقامة “الهيكل” مكانه، وسط تواطؤ من شرطة الاحتلال الإسرائيلي.
وفي الآونة الأخيرة، صعدت “منظمات الهيكل” من استهدافها المباشر للمسجد الأقصى، عبر دعواتها لتكثيف الاقتحامات الجماعية وزيادة فترتها، وأداء الصلوات والطقوس التلمودية العلنية فيه، وصولًا إلى مطالبتها بإقامة مدرسة توراتية دائمة بالجهة الشرقية من المسجد، وطرد موظفي الأوقاف الإسلامية منه.
وقبل أيام، دعا قادة “اتحاد منظمات جبل الهيكل” جمهور المستوطنين المتطرفين إلى اقتحام المسجد الأقصى وتحويل هذا الشتاء إلى “شتاء يهودي” في المسجد، تزامنًا مع ما يسمى عيد الأنوار-الحانوكاه” اليهودي الذي يمتد بين ١٠-١٨ديسمبر الجاري، أي بدءًا من الخميس القادم.
ودعت تلك الجماعات المتطرفة إلى تكريس الاحتفال به بإشعال الشمعدانات، والرقص ليلًا في ساحة الغزالي مقابل باب الأسباط، وإضاءة الشمع في باب العامود، والرسومات المرسلة إلى الأسوار في باب الخليل، وعلى طول أبواب وأسوار باب الساهرة وشارع السلطان سليمان القانوني.
وتأتي هذه الدعوات الخطيرة في ظل صمت عربي إسلامي رهيب، وغياب أي تحرك فلسطيني منظم للتصدي بكل قوة لتغول تلك المنظمات المتطرفة ووقف استهدافها للمسجد الأقصى.
تفتيت وحدة القرار
نائب مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس المحتلة الشيخ ناجح بكيرات يقول لوكالة “صفا” إن الاحتلال يسعى منذ احتلاله المدينة المقدسة، إلى تفتيت أي جهد فلسطيني عربي إسلامي موحد بشأن القدس، والتصدي لإجراءاته الممنهجة بحقها.
ويضيف “مثلما سعى الاحتلال إلى تفتيت الجغرافيا، فإنه يعمل أيضًا على تفتيت الوحدة والقرار الفلسطيني، وينفذ سياسة فرق تسد، من خلال عديد القرارات الخطيرة التي تستهدف القدس والمسجد الأقصى، وعدم وحدة القرار في مواجهة جماعاته المتطرفة”.
ويوضح أن الاحتلال عمل على خطف القدس من خلال الاستيطان والحفريات واستهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، واصفًا ذلك بأنها خطوة خطيرة.
وبنظره، فإن ردود الفعل الأخيرة على ما جرى بالمدينة واستهداف المتطرفين للمقدسات، وتحديدًا كنيسة “الجثمانية” لم ترق إلى المستوى المطلوب.
ويرجع بكيرات غياب أي جهد منظم أو تحرك فلسطيني بالقدس للتصدي للجماعات المتطرفة إلى “عدم وقوف العالم العربي والإسلامي خلف الإنسان المقدسي، الذي أصبح يواجه ممارسات الاحتلال وجرائمه لوحده دون أي دعم أو سند من أي جهة كانت”.
ويتابع “المقدسي أصبح بالمدينة وحيدًا ليس له سند لا فلسطيني ولا عربي، ومواجهة الاحتلال باتت مسؤولية ذاتية، وليست جماعية”، مشيرًا إلى أن “قرار المواجهة موجود في الذهن الفلسطيني، لكن على أرض الواقع لا يطبق، لأنه بحاجة لآليات دعم حقيقية وثابتة”.
ويؤكد أن أي حركة شعبية قوية للتصدي للاحتلال وجماعاته المتطرفة تحتاج إلى مقومات وموقف وقرار فلسطيني رسمي وشعبي موحد إزاء ما يحدث بالقدس، مثل ما حدث في “هبة الأسباط وباب الرحمة”.
ويبين بكيرات أن “منظمات الهيكل تريد من خلال دعواتها بشأن المسجد الأقصى، تحريض الجمهور الإسرائيلي على اقتحامه جماعيًا، وإثبات أن لها حق داخل المسجد”.
والمطلوب فلسطينيًا-وفق بكيرات-تكثيف شد الرحال للمسجد الأقصى وإعماره بالمصلين بشكل دائم، في سبيل مواجهة الاحتلال ومستوطنيه ووقف اعتداءاته ضد المسجد، ومحاولاته لفرض التقسيم الزماني والمكاني فيه.
استهداف الهوية
وأما المختص في شؤون القدس ناصر الهدمي، فيرى أن الاحتلال عمل خلال العشر سنوات الأخيرة على استهداف “كل ما يمثل المقدسيين من مؤسسات وتنظيمات ونشطاء بشكل ملحوظ، لأنه لا يريد أن يرى أي تمثيل أو مرجعية لهم داخل القدس”.
ويوضح لوكالة “صفا” أن الاحتلال استهدف المؤسسات والنشطاء المقدسيين وفق خطة ممنهجة لأجل القضاء على الهوية الوطنية الفلسطينية بالمدينة، وجعل أهلها أقلية هامشية ليس لهم أي كيان فلسطيني.
ويضيف أن “سلطات الاحتلال كانت معنية بالقضاء على كافة أشكال التجمع بالمدينة، وهي تسعى للتويج قضية الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، من خلال فرض سيطرتها فيها وضرورة انصياع الجميع للقانون الإسرائيلي والالتزام بالولاء للاحتلال”.
ويشير الهدمي إلى أن “إسرائيل” لا تريد أي عمل جماعي أو توجه مقدسي يتعارض مع سياساتها العامة، في حسم الصراع حول القدس.
ويؤكد أنه رغم كل التراجع الفلسطيني في التصدي للاحتلال، إلا أن بوصلة أهل القدس لا تزال تسير بالاتجاه الصحيح، وهناك وقفة مقدسية، لكنها بحاحة إلى قيادة فلسطينية بديلة وموحدة تستطيع أن تتعايش مع الواقع والظروف الصعبة التي خلقها الاحتلال.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=120625
