لا تزال العديد من مراكز الأبحاث والدراسات العربية والدولية تجتهد في فهم طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي عموما والفلسطيني خصوصا عبر تحليل الأحداث السياسية والأمنية والاقتصادية وربطها بالماضي واستشراف الرؤية المستقبلية، والخروج بوصف دقيق للحالة الفلسطينية، وتقديمها في قوالب مختلفة أبرزها الأوراق البحثية، تقدير الموقف، والتحليلات السياسية.
في المقابل، فإن الاهتمام بالقضية الفلسطينية وتقديم تفصيلات شبه أسبوعية تتزامن مع تسارع وتيرة الأحداث في المنطقة العربية والإقليمية لاسيما في السنوات العشر القليلة الماضية، كانت من نصيب مراكز بحثية فلسطينية من داخل الأراضي المحتلة، أو في الشتات الفلسطيني، إلى أن أصبحت تمرجعا هاما لتوثيق الحقائق وتقديم الرؤى وكشف خفايا السياسيات الإسرائيلية.
” قدس برس” تسلط الضوء على أهمية المراكز البحثية ودورها في تناول مجريات القضية الفلسطينية داخليا وخارجيا، وما إذا كانت الأوراق والأبحاث السياسية تسعى في تنمية الوعي والفكر السياسي لدى صناع القرار.
وفق معايير عالمية
بدوره، قال المدير العام لمركز “الزيتونة” للدراسات والاستشارات محسن صالح: ” إن مراكز الدراسات والتفكير توفر بشكل عام مواد في غاية الأهمية وذات طبيعة علمية وأكاديمية حول قضية فلسطين، وما يتعلق بالعدو الصهيوني، والوضع الداخلي للفلسطينيين، إلى جانب مجمل العلاقات العربية والدولية ذات الشأن الفلسطيني”، منوها إلى أن الشعب الفلسطيني هو من أكثر الشعوب العربية تعلما وثقافة وعراقة في مجال التعليم والأبحاث والدراسات، حيث كان إنشاء مركز الأبحاث الفلسطيني بإشراف من منظمة التحرير الفلسطينية شاهدا على ذلك.
وأشار في هذا الصدد إلى “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” والتي قال إنها تُعد من أعرقها منذ عام 1963 ولديها أحد أغنى المكتبات المتخصصة بالدراسات الفلسطينية، مضيفا إلى أنه في الوقت الحالي هناك عشرات المؤسسات البحثية مع وجود إحصائية تتحدث عن وجود 38 مركز تفكير فلسطيني في الداخل والخارج.
ولفت صالح في حديث مع ” قدس برس” إلى أن “مركز الزيتونة لايزال يصدر تقريرا استراتيجيا شاملا ومفصلا حول الشعب الفلسطيني”، مضيفا:”أنجزنا حتى الآن 120 تقديرا استراتيجيا يدرس الوقع ويستشرف المستقبل، إلى جانب العديد من الأوراق العلمية والأبحاث المحكمة وفقا لمعايير عالمية”.
توعية الفكر
في السياق نفسه، يرى مدير مركز “يافا” للدراسات السياسية والإعلام حسن عبدو، أن مراكز الأبحاث والمعلومات مهمة لصانع القرار السياسي من حيث تطوير الفكر السياسي وإشاعة المعرفة، مُردفا بالقول:” كان للمراكز دور تاريخي مهم في التعاطي مع القضية الفلسطينية حتى دفعت الإحتلال الإسرائيلي إلى مصادرة جميع المحتويات كما جرى مع مركز الأبحاث عام 1982″.
وأكد عبدو لـ” قدس برس”، أن العديد من مراكز الأبحاث المختصة بالقضية الفلسطينية لا سيما التي ترصد الشأن الإسرائيلي خطت خطوات جيدة في معرفة ما يجرى داخل الأوساط الإسرائيلية سياسيا وأمنيا، مضيفا:” المسألة هنا ليست ما تقدمه هذه المراكز من توعية وفكر سياسي، وإنما في كيفية ترشيد القرار السياسي، والذي يمكن أن يخفف على الفلسطينيين الكثير من الفواتير غير الضرورية”.
معوقات
يتفق كل من صالح وعبد، على أن مراكز الأبحاث مهمة لصانع القرار السياسي ولا يمكن الاستغناء عن منتجاتها من أبحاث سياسية وتقارير وتحليلات، ومظلة لكافة الاتجاهات الفلسطينية، والخبراء والأكاديميين ممن يختصون بالقضية وما ينتج عنها من تحيلايات ويستفيد منها غالبا السياسيون والإعلاميينن وطلبة الدراسات العليا في الجامعات في أبحاث الماجستير والدكتوراه.
بيد أن مدير مركز “الزيتونة” محسن صالح، يذكر ثمة معوقات لا تزال تعيشها مراكز الأبحاث والدراسات، أبرزها توفير الدعم المالي لضمان الاستمرارية ضمن المعايير العالمية، وتسويق الكتب والمطبوعات الصادرة عنها في بيئة تحاول البحث في الوقت الحالي عن الثقافة السهلة، إلى جانب طبيعة البيئة السياسية الفلسطينية المنقسمة والتي لا يلتفت كثير من صناع القرار في الاستجابة للدراسات العلمية والأكاديمة والاكتفاء بالتجربة الشخصية.
بالإضافة إلى تلك المعوقات، فإن مدير مركز “يافا” للدراسات السياسية والإعلام حسن عبدو، يرى وجود فجوة واضحة بين مراكز البحث والنخب السياسية المقررة، والتي لا تطلع غالبا على ما يصدر من مواد بحثية وتحليلات”، لافتا إلى أن ” القرار السياسي، والمعلومات، واتخاذ القرار” هي ثلاث وحدات رئيسية في أي مركز أبحاث ومرتبطة ببعضها البعض، حيث يمكن لأي مؤسسة أو حركة تسعى لتحقيق أهدافها الوصول إلى تحليل رصين وتقدير موقف له كثير من الأهمية، إلا أن صاحب القرار لا يعتمد على مراكز الابحاث الفلسطينية، على حد قوله.
وفي هذا الشأن رصدت “قدس برس” أبرز المراكز الفلسطينية المختصة بمتابعة تفاصيل ما يجري داخل الأراضي المحتلة:
أولا: مركز الأبحاث
حيث تأسس بقرار من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1965 في لبنان ، وركز على تغطية الصراع العربي– الصهيوني من خلال إصدار الكتب وعقد الندوات والمؤتمرات وأرشفة الوثائق والمخطوطات التي تهدف إلى تحقيق هذا الغرض، والذي تزامن مع إنشاء المنظمة عام 1964، وحاجة القضية الفلسطينية في ذلك الوقت إلى تكثيف العمل لتحليل المواقف ومتابعة المستجدات.
كانت تغذي أجهزة منظمة التحرير ومؤسساتها المختلفة بالآراء والمعلومات التي تفيدها في مختلف أنواع نشاطها السياسي والإعلامي وتساعد في تحليل المواقف، ووضع الخطط والبرامج، واستكمال المعلومات وتدقيقها، واستخدام المعلومات، إلى جانت جمع الوثائق القديمة والمعاصرة المتصلة بالصراع العربي – الصهيوني، ومتابعة جمع ما يستجدّ منها أبرز أهداف المركز.
وبالتالي، استطاع المركز في بداية تأسيسه إنشاء العديد من الأقسام التي تشرح تفاصيل القضية وزوايا الاعتداء الإسرائيلي والتي تمحورت حول “شؤون فلسطينية، المكتبة، الأرشيف، وقسم اليوميات، ونشرة رصد إذاعة إسرائيل”، كانت سببا في تعرضه لهجوم إسرائيلي عام 1982 حينما نهبت وحدة إسرائييلية محتوياته، إلى جانت تفجيره مرة أخرى بعد عام.
ثانيا: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
وهو مؤسسة دراسات واستشارات مستقلة، تأسس في بيروت، في منتصف عام 2004، وهو مرخّص كشركة مساهمة محدودة، تعنى بالدراسات الإستراتيجية والأكاديمية واستشراف المستقبل، ويغطي مجال عملِهِ العالمين العربي والإسلامي، حيث يولي اهتمامًا خاصًا بالقضية الفلسطينية، وبدراسات الصراع مع المشروع الإسرائيلي، وكل ما يرتبط بذلك من أوضاع فلسطينية وعربية وإسلامية ودولية، فضلًا عن بث الوعي حول واقع وتفاعلات الأحداث في المنطقة، وخاصةً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
ويسعى مركز الزيتونة إلى بناء قاعدة معلومات واسعة، وتصنيفها وفق أحدث الطرق والأساليب العلمية والتقنية، والتعاون مع العلماء والخبراء والمتخصصين لإصدار الدراسات والأبحاث العلمية الرصينة، إلى جانب عقد الدورات التدريبية والتأهيلية للمهتمين، وتقديم الاستشارات الفنية المتخصصة في مجالات عمله؛ والندوات والمحاضرات والمؤتمرات.
ثالثا: مؤسسة الدراسات الفلسطينية
وهي أول هيئة عربية علمية مستقلة خاصة أنشئت عام 1963م للعناية حصرًا بالقضية الفلسطينية والصراع العربي– الإسرائيلي، ومتابعة تطوراته، وإطلاع الرأي العام العربي والدولي على حقائق تلك القضية وأبعاد هذا الصراع، حيث أنشئت المؤسسة رسميًّا في بيروت كجمعية لبنانية بموجب “علم وخبر” صادر عن السلطات اللبنانية وبطلب من مؤسسي المؤسسة، حيث أنها مؤسّسة علمية مستقلّة تجاوزت في نشاطها البحثيّ نطاق التخصّصات الضيّقة والمغلوطة والمنحازة فيما يتعلق بحيثيات القضية وتاريخ صراعها.
رابعا: المركز الفلسطيني للأبحاث والدراسات الاستراتيجية ”
مسارات”
وهو مركز فلسطيني مستقل متخصص في بلورة السياسات والدراسات الإستراتيجية، ويركز على تطوير بدائل موضوعية وديمقراطية، عبر تضييق الفجوة بين المعرفة وصناعة القرار في المؤسسات الرسمية والأهلية؛ وتقديم تحليلات ودراسات إستراتيجية تتميز بالعمق والمهنية عبر مجموعة من أصحاب الفكر والرأي واتخاذها قرارًا بإنشاء مركز يسعى إلى إنتاج أوراق الموقف السريعة وأبحاث السياسات والدراسات والبدائل الإستراتيجية الملائمة لتساهم في تعزيز نضال الشعب الفلسطيني وتطلعاته التحررية في مواقعه المختلفة.
خامسا: مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية
وهو مؤسسة بحثية مستقلة، تأسس في غزة منتصف عام 2012م بمبادرة من بعض الأسرى المحررين ذوي الخبرة في الشأن الإسرائيلي بهدف خدمة القضية الفلسطينية، ونشر الوعي العلمي بالمشروع الصهيوني والكيان الإسرائيلي، وبدراسة هذا الكيان بالقدر الذي يفيد جمهور الباحثين والرأي العام وصناع القرار.
ويختص بمتابعة التطورات السياسية الإسرائيلية الداخلية والخارجية، والإحاطة بأبعاد السياسة الإسرائيلية على مختلف المستويات السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والأمنية، والعسكرية، إلى جانب متابعة العلاقات الإسرائيلية بدول العالم، وآثارها على القضية الفلسطينية والأمن القومي العربي.
سادسا: المركز الفلسطيني للداراسات الإسرائيلية ” مدار”
وهو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله، وتأسس في ربيع عام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم الشاعر الراحل محمود درويش، حيث انطلقت فكرة إنشائه من إدراك الحاجة الماسة على مستوى فلسطين والوطن العربي لإنشاء مركز بحثي متخصص بمتابعة الشأن الإسرائيلي، بحيث يوفر معرفة رصينة ونقدية عن مختلف مكوناته، والإسهام بشكل ريادي في إتاحة الفرصة أمام صانع القرار والمواطن الفلسطيني والعربي للإطلال على تفاصيل الصراع.
انطلقت فكرة إنشاء “مدار” من إدراك الحاجة الماسة على مستوى فلسطين والوطن العربي لإنشاء مركز بحثي متخصص بمتابعة الشأن الإسرائيلي، بحيث يوفر معرفة رصينة ونقدية عن مختلف مكوناته. ويطمح المركز إلى الإسهام بشكل ريادي في إتاحة الفرصة أمام صانع القرار والمواطن الفلسطيني والعربي للإطلال على تفاصيل المشهد الإسرائيلي على نحو عميق وعلمي ومتكامل.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=120701
