غزة في مواجهة الجائحة..النداء الإنساني الأكثر إلحاحاً

بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة   

يكشف منحنى الارتفاع الكبير لإصابات كورونا في قطاع غزة، عن الاستغلال “التكتيكي” لدولة الاحتلال للجائحة بهدف تضييق الخناق أكثر فأكثر، ودخول الوباء كعنصر جديد ضمن أوراق الضغط على القطاع إلى جانب الحصار والاعتداءات المتكررة على الغزيين.

منع المعدات وأجهزة فحص الفيروس، والمستلزمات الطبية الخاصة بذلك، من دخول القطاع يُظهر استهداف الاحتلال الفاضح لأرواح مئات الآلاف من الأبرياء، دون اكتراث من كون هذه الممارسات تعد انتهاكاً فاضحاً للأعراف والقوانين الإنسانية الدولية.

يراهن الاحتلال في نجاح استغلاله للجائحة على صمت المجتمع الدولي المنشغلة دوله بطبابة جراحها الصحية والاقتصادية والسياسية التي يعمقها الوباء يوماً بعد آخر، فلا تكاد الأصوات المطالبة بالضغط على الاحتلال تُسمع إلا النذر القليل منها.

وفي خضم تسارع التطورات المتعلقة بانتشار الجائحة في غزة، لم تستطع الأمم المتحدة أن تغمض عينيها بشكل كامل عما يدور في القطاع، فقد أعربت في نوفمبر الماضي، خلال جلسة مجلس الأمن، والمنعقدة عبر دائرة تليفزيونية، حول “الحالة في الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية”، عن “القلق العميق” من عودة انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) ولاسيما في قطاع غزة، الذي سجل 600 إصابة كأعلى معدل يومي آنذاك.

وجاء في فحوى التحذير أن “البنية التحتية المتداعية، والظروف المعيشية السيئة، ونظام الرعاية الصحية الهش، تجعل غزة غير مجهزة لمواجهة ارتفاع كبير في الحالات”، بينما فسّر المنسق الأممي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط “نيكولاي ميلادينوف” المخاوف بأنها “نتيجة القيود الشديدة المفروضة على الحركة، وسنوات الكوارث الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية”.

وفي تفاصيل إفادته يشير ميلادينوف بأن “مليوني فلسطيني داخل حدود غزة يواجهون عواقب كارثية من تفشي الفيروس بشكل كبير”، ويضيف “بعد 8 أشهر من انتشار الوباء، ارتفعت معدلات البطالة الفلسطينية بشكل مثير للقلق، حيث فقد 121 ألف فلسطيني وظائفهم في أعقاب الإغلاق الأول (مارس/آذار الماضي)”، فيما “انخفضت أرقام التوظيف بنسبة 17 في المائة في غزة، وفقد حوالي 40 في المائة من الأسر أكثر من نصف دخلها، وارتفعت معدلات انعدام الأمن الغذائي في الفترة ذاتها”.

الإعلان عن وصول الفايروس إلى غزة، والازدياد المضطرد بأعداد الإصابات، فتح باب التساؤلات حول إمكانيات القطاع الصحي المتواضعة في التعامل مع الجائحة، في ظل الحصار الخانق الذي تعاني جراءه القطاعات الحيوية كافة، بينما فشلت دول كبرى في السيطرة عليه.

ولم يتورع الاحتلال عن إفصاحه باستغلال الجائحة كعقاب جماعي لأهالي القطاع، لتفاقم من معاناة الغزيين، وحديثه عن ابتزاز المقاومة والضغط عليها، لتقديم تنازلات كبيرة في صفقة تبادل الجنود الأسرى لدى المقاومة بأسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال.

مظاهر المخاطرة بأرواح الغزيين تبدو جلية في تقييد الحركة من القطاع وإلى الخارج، والتحكم بقطاعات حيوية كالكهرباء والمياه والوقود، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، إلا المشروط منها بالنوع والكم، لتكتمل فصول المعاناة بدخول أزمة “كورونا” إلى حسابات البؤس والشقاء الفلسطيني، وإعلان حالة الطوارئ والإغلاقات المستمرة، لتنقل القطاع من وضع مأساوي إلى أكثر مأساوية.

يضاف للمخاطر الصحية على سكان القطاع تدهور الأوضاع المعيشية بسبب تنفيذ الاجراءات الاحترازية من تفشي الفايروس كالحجر والعزل الصحي الذي كان له تداعياته المباشرة على حياة الأهالي منها فقدان آلاف العمال لمصادر دخلهم، وإغلاق عشرات المصانع والمطاعم والمحال التجارية أبوابها، وتأثير الأزمة الواضح على شريحة العمال الذين يعتمدون على رزقهم اليومي في معيشتهم.

ضحايا الجائحة كثر، فإلى جانب آلاف العمال المسرّحين من أعمالهم، تفيد المؤشرات بتزايد أعداد المنشآت السياحية والمطاعم التي تضطر للإغلاق بشكل كامل، فيما يسجل القطاع الصناعي تراجعاً كبيراً أدى لتعطل عجلة الانتاج في عشرات المصانع، إضافة للتضرر الكبير للتجار، بسبب تراجع حركة الشراء إلى أدنى مستوياتها.

وفي الجانب الصحي، أثار إعلان المسؤولين في القطاع الصحي مؤخراً نفاد أجهزة فحص الفايروس، ومستلزمات طبية أخرى، المزيد من المخاوف من عواقب كارثية تدفعنا إلى إطلاق النداء الإنساني لإنقاذ غزة من الوباء وتداعياته مع الارتفاع الكبير للاصابات وأعداد الوفيات جراء الإصابة بالفايروس.

الأوضاع المتفاقمة في قطاع غزة بسبب تفشي الوباء، التي اتسعت معها رقعة الفقر والعوز وسوء التغذية والبطالة، والتي كانت قد سجلت أرقاماً قياسية قبل الجائحة، وعلى مدى سنوات من الحصار الجائر، إضافة لقطاع صحي يعاني ضعفاً عاماً بمجال تقديم الخدمات الصحية ونقص في الأدوية والمستهلكات الطبية بنسبة عجز تصل إلى 45%، يدعو لضرورة الاستجابة الإنسانية العاجلة من المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص من جانب الدول العربية والإسلامية لإنقاذ الأرواح المهددة بالموت.

كما يضعها أمام مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية بضرورة توفير الدعم لأبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، سواء في قطاع غزة والضفة الغربية، وفي مخيمات الشتات، من أجل تمكينه من مكافحة الجائحة بأقل الخسائر البشرية والمادية. 

سيما وأن المعطيات تشير إلى انعدام عنصر المفاجأة في الوضع الغزي، فالأرقام تؤكد توفر 63 جهازاً للتنفس الصناعي، إضافة لنحو 100 سرير للعناية الطبية الفائقة فقط مع بدء تأثيرات الجائحة منذ مارس الماضي، في وقت كان واضحاً أمام القاصي والداني عدم تمكن الكثير من سكان غزة من شراء مواد التعقيم والوقاية بسبب تدني مستوى المعيشة، نتيجة الحصار الذي أدى لارتفاع نسبة انعدام الأمن الغذائي في القطاع إلى 70%.

واقع قطاع غزة على وجه الخصوص اليوم، إلى جانب أوضاع اللاجئين في مختلف أماكن تواجدهم سواء في الأراضي الفلسطينية، أو في مخيمات الشتات، يستدعي وقفة من جانب المجتمع الدولي لمراجعة الذات، والمثول أمام محكمة الضمير، لإحصاء خطاياه التي استنزفت الكثير من انسانيته، وأضعفت هيبته أمام انتقائية تطبيقه للمعايير والقوانين المتعلقة بحياة البشر وحقوقهم الإنسانية.