بقلم: توفيق قريرة – أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
يُوجَد قانُون لساني كوني يُعرف بقانون الاقتصاد اللغوي مفاده، أن الإنسان الميال إلى الكسل بطبعه ينزع في أنشطته إلى المجهود الأدنى في الكلام، ولذلك نجده يحذف ويختصر ويضمر ويقدر، كي يعبر عن المعنى بأقل كلفة لفظية، بل ربما كان الكلام في أصله ضربا من الاقتصاد الأدائي، الذي يعوض جهدا آخر كان يكون أكثر كلفة وأعسر أداء من أن نتكلم.
لكن الكلام، وعلى الرغم من ميل الناس فيه إلى الجهد الأدنى، فإن خلف كل جهد أدنى في النطق جهدا إدراكيا أكبر يبذل في الفهم، أو في تعويض المحذوف، أو المختصر أو المضمر. فلو قلت لي (متى بدأت تصوم؟) وقلت لك (في العاشرة) لفهمت قصدي وكأني قلت لك الكلام تاما أي قلت لك (بدأت أصوم في سن العاشرة).
أنت تفهم الكلام رغم ما فيه من حذف، بعد أن يعالج ذهنك كلامي، فيتمم العناصر التي حذفتها بناء على العناصر التي ذكرتها في السؤال. فالجهد القليل في المعالجة الكلامية يوازيه جهد آخر ذهني في تتميم الناقص من الكلام، كي يتم الفهم. وهذا يشبه إدراكيا أن أتمم حين أرى أجزاء صورة شمسية لشخص مألوف معلقة على جدار في وسط البلد، قد أزرت بها الرياح ومزقتها، سأتمم الأجزاء الناقصة لأتمكن من التعرف على صاحب الصورة. يعرف هذا في نظرية الجشطلت بقانون الإتمام أو الإغلاق Law of Closure ويعني أننا نسعى دائما إلى أن نستكمل الناقص في المدركات البصرية أو السمعية، أو أن نغلق الشكل الناقص الذي نبصره، أو نسمعه حتى يكتمل رغم نقصه.
في أيام الصيام ينتبه الناس إلى كل مجهود يبذلونه ويسعون إلى الاقتصاد فيه، بما في ذلك الكلام. يوجد تناسب بين النشاط البدني والذهني، والقدرة على الكلام ويعرف الناس جيدا أن العليل يمكن أن يعفى من الكلام، وأن الكلام لديه يصبح عنصرا من عناصر الإتيان بما يرهق من الأعمال. هذا لا يشعر به السليم لأن السلامة شيء لا يتطلب شعورا مغيرا؛ فإن تكون سليما هو ألا تشعر بما يزعج، أو قل، أن تشعر بما لا يزعج، وما لا يزعج إذا كان مألوفا يمر في حيز الإدراك وكأنه شيء لا يشعر به. نحن لا نتعب من الكلام مثلما نتعب من المشي، نتعب من المشي حين نمشي كثيرا وطويلا وسريعا، لكننا لا نتعب من الكلام إلا إذا تكلمنا بمفردنا، ولم نجد من يقطع عنا الكلام لكي يتكلم هو ونسمعه. لو قسنا الكلام بالمشي لقلنا إنه مشي فتوقف فمشي فتوقف: الوقفة تكون بين مقطع ومقطع من الكلام، لكن المشي مبني على نظام من الاسترسال لا ينتهي أحيانا إلا عند وصولنا إلى غايتنا. يعرف المشتغلون من المدرسين بالكلام كيف يمكن أن يكون الكلام متعبا. المدرسون الذين يقضون في القاعات، وبين جمهور صامت ساعات وهم يتكلمون، يعرفون كم تعني ساعة من كلامهم المسترسل، ومن صمت الآخرين المسترسل طبعا، نحن نتحدث عن درس غير تفاعلي هو لا يشعر بيداغوجيا غير أنه موجود.
يعرف المدرسون أن كلام طلابهم والمشاركة معهم يضفي ضربا من النشاط على الفصل، لكنهم يعرفون أيضا أن التلاميذ الغاضبين يمكن أن يصمتوا فهم يحجمون عن الكلام ولا يتفاعلون مع أسئلة مدرسهم، ولا يجيبون ولا يسألون لا ينطقون؛ هم بعبارة استعارية يصومون عن الكلام. العقاب بالصمت عقاب قديم يسلط على البشر فيمنعهم من أن يتكلموا مدة في كل المواضيع، أو في مواضيع بعينها. العقاب بالصمت هو ضرب من الإحجام عن الكلام، لا لأنه يكلفنا جهدا جسديا أو فكريا، بل لأنه يكلفنا جهدا آخر قد نشعر أنه لا طاقة لنا به: هو جهد العناية بالكون من حولنا. نحن نصوم عن الكلام زهدا في أثره في المستمعين.
الصوم عن الكلام الذي هو في هذا السياق استعارة ليس كذلك في سياق آخر شهير هو سياق الآية الكريمة من سورة مريم في قوله تعإلى: «إني نَذَرْتُ للرحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلمَ اليَوْمَ إِنْسِيا». قال المفسرون إن للصوم عن الكلام في هذا الذكر الحكيم وظيفة في قصة السيدة العذراء، هي الاستعفاء من كلام قد لا يُجدي نفعا وقد لا يُوجد عذرا لما يبدو في الظاهر كالمعصية، هي في أذهان قوم مريم مقررة قبل معرفة الحقيقة، وأن هذه الحقيقة لن تصدق إن وردت على لسان السيدة العذراء. فإن تسكت شيء، وإن تصوم عن الكلام شيء آخر. السكوت عن الكلام يكون اختيارا وتركا إراديا للكلام، لكن الصوم عنه هو ترك له وفي النفس حاجة إليه هو انقطاع لسبب قسري حتى لكأنه انقطاع عن عادة انقطاع من حرم نفسه شيئا محبوبا. توجد مسألة شائكة قلما خاض اللغويون فيها هي، أسبقية معنى الصوم عن الطعام عن الصوم عن الكلام، أو عدم أسبقيته، بعبارة أخرى أن الاعتقاد أن الصوم عن الكلام هو استعارة من الصوم عن الطعام، لا دليل يثبته على الأقل في المعاجم العربية.
الصوم عن الكلام في سياق الآية الكريمة شرحه أهل التفسير شرحا يقود بشكل عام إلى رؤية واحدة لا علاقة لها بوظيفة الصمت عن مواجهة السيدة العذراء للناس، بل كل ما قيل – وهو ليس قليلا في شرح صومها عن الكلام – يندرج في باب صنع معجزة الكلام ، كلام السيد المسيح في المهد. معجزة الكلام في المهد بينة وظاهرة، ولا تحتاج توضيحا يكفي أن تكون التجربة البشرية السابقة واللاحقة حجة كافية لذلك. يبدأ النطق بالكلام عند الأطفال العاديين بداية غير معجزة، لأنه يبدأ تطوريا تراكميا بتطور العمر الأول، فعلى سبيل المثال يبدأ الأطفال باستعمال الكلمات الجمل، أو الكلمات الأفكار ثم يتدربون شيئا فشيئا على إنشاء الكلام بالطرق المتاحة في اللغات الطبيعية. القدرة على الكلام تنضج بنضج العقل وباكتمال التجربة مع الجسد، ويصبح المرء قادرا على الربط بين التفكر بما هو حالة ذهنية لبناء المقاصد، والتعبير عن مقاصده باختيار الألفاظ والعبارات المناسبة، بعد تنشيطها من الذهن، وبالطبع بعد أن يتدرب اللسان على النطق السليم وحتى السريع. هذه هي الحالة العادية في بناء التجرية البشرية في إنشاء الكلام. وهنا يمكن أن يكون أي سبب ذكره المفسرون ممكنا. أن يكون الصوم عن الكلام في علاقة بالمعجزة في حالة السيد المسيح صبيا، ينبغي أن يدرك من جانبين أولهما دور المحفز الدافع إلى السماع، والثاني دور المحفز الدافع إلى الكلام. لقد كان صمت السيدة العذراء دافعا أساسيا إلى الإقبال على الاستماع إليها، فهي قد دفعت الحاجة إلى الإفادة التي في أنفس سائليها إلى أقصاها، بصومها عن الكلام وهي بذلك حجبت كلاما يحتاج إليه لإثبات التهمة وفي مرحلة مستبعدة لإثبات البراءة.
ولم يكن السامع بعد إشارة مريم إلى الصبي عيسى عليه السلام في مهده مستعدا للمعجزة «كيفَ نكلمُ من كانَ في المَهْدِ صَبيا؟» وفي ذلك يتوفر شرط المفاجأة وعدم التهيؤ للمعجزة. لم يكن المتكلم مستعدا بيولوجيا للكلام، مثلما لم يكن المستمع مستعدا تجريبيا لسماعه. لكن نطق الصبي النبي في المهد، فكان نطقه خارقا بقطع النظر عن مضمونه، لكن نطقه بكلام مرتب يستجيب للوضعية المعقدة عقلا وأخلاقا وتجربة، يقوي من درجة المعجزة والخرق، وما يزيد من تعظيم شأن المعجز الخارق والمفارق أنه لم يتحدث في سياق السؤال، بل تجاوزه إلى سياق أعم: سياق النبوة. الصوم عن كلام الأم الوالدة كان فرصة لولادة كلام النبي في المهد، لكي تستقيم في البدء كان الكلمة، لا بد أن تسبق بصمت ما هو ليس البدء ولا المنتهى هو مرحلة ما قبل الكون الصائت.
المصدر: القدس العربي
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=124248
