عصام يوسف: الاحتلال الإسرائيلي سيندم على انتهاكاته في القدس وعدوانه على غزة

أعرب رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين، الدكتور عصام يوسف، عن قناعته بأن الاحتلال الاسرائيلي وقع في خطأ فادح عندما اتخذ قرار منع المصلين من الصلاة في الأقصى، ومصادرته لمنازل المقدسيين في حي الشيخ جراح، ثم اتخاذه قرار تصعيد عدوانه على قطاع غزة، مؤكداً بأن الاحتلال سيندم على هذه الجرائم التي لم يحسب حسابها.

وتناول يوسف في حديث شامل، خلال لقاء أجري معه على قناة “أوراس”، عبر استضافته في برنامج “المشهد”، العديد من القضايا المتعلقة بتنامي حركة التضامن الشعبي الدولي مع الشعب الفلسطيني، وهو ما عبرت عنه الجماهير التي نزلت إلى الشوارع في العديد من المدن والعواصم العربية والعالمية، لتصدح بصوتها مطالبة بوقف العدوان والظلم الذي يمارسه الاحتلال بحق الفلسطينيين منذ ما يزيد عن 70 عاماً.

وتطرق يوسف إلى تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه في الاستقلال، وإقامة دولته المستقلة، والعيش بسلام أسوة ببقية شعوب العالم، وهو ما يدفعه على الرغم من مرور 73 عاماً على النكبة من التعبير بكل الوسائل النضالية، ومن بينها المقاومة، عن صموده فوق أرضه، وعدم تنازله عن حقه في الحياة بكرامة.

وفيما يلي نص الحوار:

  • المشاركات الشعبية الضخمة من قبل الشعوب تبعث على الأمل، وتؤكد على إيمان الجماهير الغفيرة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وحقهم في أرضهم وبيوتهم، كيف تقرأ هذا التفاعل العالمي مع القضية الفلسطينية اليوم؟

الحقيقة أن ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي يعتبر جريمة غير مسبوقة، وأعتقد بأن الاحتلال وقع في خطأ استراتيجي فادح سيندم عليه، وجريمة لم يحسب حسابها، حيث كان يظن أنه من خلال موجة التطبيع التي حدثت مع عدد من الدول العربية، أنه قد استفرد بفلسطين والفلسطينيين، بينما القضية الفلسطينية هي قضية أمة عربية وإسلامية تعدادها مليار ونصف المليار، حيث يرتبط هؤلاء الناس برباط عقدي ديني إنساني أخلاقي سياسي بالقضية الفلسطينية بكل أبعادها، وهذه القضية تحرك العالم أجمع باعتبارها قضية حق يحارب الباطل، وعلى الرغم من قبول الفلسطينيين للكثير من التنازلات، كالاعتراف بإسرائيل وقبول حل الدولتين، والقبول بالقدس الشرقية كعاصمة لدولة فلسطين، في الوقت الذي يشهد فيه التاريخ على أن القدس كلها عربية وإسلامية، إلا أن الاحتلال لا يريد أن يعطي الفلسطينيين شيئاً، وهذا يظهر من خلال ممارساته في الاستيلاء بشكل يومي على الأراضي الفلسطينية، ليجري فيما بعد محاولة تكريس الواقع الجديد مع قدوم إدارة دونالد ترامب للبيت الأبيض، الذي اعترف بالقدس كعاصمة لدولة إسرائيل، في وقت يؤكد فيه التاريخ والعقل والمنطق، وكل ذرة تراب في فلسطين بأن الأرض فلسطينية عربية، حتى وإن أقام عليها أقوام ينتمون لأديان مختلفة، ومن ذلك الاعتقاد بأن لأصحاب الديانة اليهودية الحق في فلسطين، كما فعل من قبلهم الصليبيون، الذين اعتقدوا بأن أرض فلسطين مقدسة بشكل محض لهم وحدهم، وخوضهم الحروب من أجل طرد أهلها منها، وإن ذلك كله لا يغطي على حقيقة أن ما يجري يعد جريمة إنسانية بحق أصحاب الأرض، الذين يقدر عددهم بما يقرب 14 مليون فلسطيني، نصفهم تقريبا يعيش في أرض فلسطين التاريخية، ويعد هذا إحلال لم يسبق له مثيل، وجريمة ضد الإنسانية.

لذا لا نستغرب إنطلاق الجماهير في مظاهرات في مختلف الدول، وامتلاء شوارع بغداد والقاهرة، وعمان، وتوجه الشبان الأردني واللبناني إلى الحدود مع فلسطين، مناصرين ومضحين من أجل فلسطين.

لذلك ما لم يستدرك هذا العدو، وإلى جانبه الولايات المتحدة الأمريكية، بأن هذا العدوان يجب أن ينتهي، ويتم الاعتراف بالحقوق الفلسطينية في الاستقلال وإقامة الدولة، فإن الزخم الجماهيري سيزداد، حتى وإن تم منع الجماهير من التعبير عن آرائها كما فعلت دول تتغنى بحرية التعبير كفرنسا والنمسا التي قمعت مسيرات شعبية ومنعت الجماهير من التعبير عن تضامنها مع القضية الفلسطينية، في وقت تدعي فيه هذه الدول إيمانها بحرية الشعوب في الدفاع عن حقوقها، ومقدراتها.

وليس لنا في هذا المقام إلا أن نؤكد على أننا نريد السلام، وهذا السلام لن يتحقق إلا برد الحقوق إلى أصحابها، ما يفضح ادعاءات إسرائيل من خلال قيامها بالاعتداء والعدوان على الشعب الفلسطيني، والذي أدى لتعريتها أمام العالم، وأظهر من بين ما أظهره أن جيشها ليس الأقوى، وأن ديمقراطيتها التي تتشدق بها وتقول بأنها الوحيدة في المنطة، ما هي إلا ديمقراطية إجرامية عدوانية زائفة، وهذا ما يثبته الاعتداء على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948، ومهاجمة الأبرياء العزل في بيوتهم، وسحلها للناس في الشوارع، بينما يتزامن هذا الإجرام مع ذكرى النكبة واغتصاب فلسطين، حيث ما يزال الاحتلال يمارس الاجرام ذاته مع الشعب الفلسطيني.

  • ماذا يعني تضامن حكومات غربية مع الكيان المحتل اليوم؟

أنا على قناعة تامة بأن من يتضامن مع الظالم فهو ظالم مثله، ففي حين أن التضامن الدولي جله اليوم مع فلسطين، فالمتضامنون يطالبون دولة الاحتلال بوقف جرائمها ضد الفلسطينيين، وتحقيق الأمن والأمان للشعب الفلسطيني، وحتى الإدارة الأمريكية التي تعتبر أساس المشكلة في هذه الأحداث بعد إقرارها للقدس كعاصمة لدولة إسرائيل، تدرك يقيناً بأن القدس أرض عربية فلسطينية، وهي عاصمة دولة فلسطين، وستبقى كذلك، شاؤوا ذلك أم أبوا، ما يؤكد بأن هذا الادعاء ما هو إلى تضليل للرأي العام، والتضامن والوقوف مع الظالم ضد المظلوم، لا يمكن تفسيره إلا كونه تخلياً عن الأخلاقيات الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان.

وأعتقد في هذا الصدد، بأن الحكومات التي اتخذت موقف المتضامن مع المحتل المعتدي المجرم، لا يعني بالضرورة أن شعوبها تؤمن بهذا التوجه، وهذا ما تؤكده التظاهرات التي تخرج للتضامن مع الشعب الفلسطيني في مدن وعواصم العديد من الدول الغربية، فقد وصلت أعداد المشاركين في مسيرة لندن، يوم السبت، إلى ما يزيد عن 100 ألف متظاهر، جابوا شوارع العاصمة البريطانية معلنين تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، كما أن باريس شهدت تظاهرة تضامنية مع الفلسطينيين، قامت أجهزة الأمن الفرنسية بقمعها.

ومن وجهة نظري، فإن هذا القمع سيولد ردود فعل إضافية، وبأن الشعب الفرنسي سيخرج مجدداً بمئات الملايين للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهذا ما أكدته الأحداث سابقاً، فخلال الحروب السابقة التي شنها الاحتلال الاسرائيلي على قطاع غزة، خرجت مظاهرات مليونية في العواصم الأوروبية، ربما سبقت العواصم العربية.

وأرى اليوم حجم التضامن مع الفلسطينيين في عواصم كبغداد رغم معاناة الأشقاء العراقيين نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية الصعبة، وفي القاهرة رغم ارتباط مصر بمعاهدة سلام مع دولة الاحتلال، تتخذ مصر قرار فتح معبر رفح على الرغم من رفض الجانب الإسرائيلي، وبالتالي السماح للمساعدات الإنسانية بدخول قطاع غزة، وهذا ما يؤكده الأشقاء المصريين في تعبيراتهم بأن “الدم لا يصير ماء”، وهو ما يفصح عن مشاعرهم بأن دم الأشقاء غالي وعزيز، وسفك الدم البشري بشكل عام جريمة في كل الشرائع السماوية، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي ماض في قتل الأطفال الأبرياء، ويتعمد ارتكاب المجازر، وإبادة عائلات بأكملها في غزة، مدعين كذباً تواجد مقاومين في الموقع.

  • هنالك من يقول بأن حجم الخسائر في الجانب الإسرائيلي أقل لأن دولة الاحتلال تؤمّن الملاجئ للمستوطنين، بينما في قطاع غزة لا توجد ملاجئ تحمي الفلسطينيين؟.

أعتقد بأن الملاجئ لا تحمي بشكل مطلق، في ظل استخدام آلة حربية متطورة تخترق التحصينات، وهذا ما أثبتته مجزرة ملجأ العامرية في العراق خلال الحرب الأمريكية على بغداد، الذي قضى فيه عشرات من الأطفال والنساء لاذوا بأحد الملاجئ هرباً من الموت، وفي جنوب لبنان تكررت الحادثة عندما لجأت عائلات إلى موقع يتبع لوكالة “أونروا”، وهذا يدلل على أن المعتدي الذي يتعمد القتل سيجد وسيلته إلى ذلك، والاحتلال لا يوفر استخدام أية اسلحة متطورة يسعى من خلالها لإبادة الشعوب، وإيقاع العدد الأكبر من الخسائر البشرية، حتى وإن كانت بين المدنيين.

وتنسحب منهجية التدمير والقتل التي يتبعها الاحتلال على فعلته الإجرامية في قصف البرج السكني الذي يحتوي مكاتب لوسائل الاعلام والصحافة العالمية أمس، في محاولة غبية منه لتغييب الحقيقة، متخذا استخدام المبنى كدروع بشرية من جانب المقاومة كذريعة واهية، يستخدمها بشكل مستمر لقتل المدنيين الأبرياء، وهذه أفعال سيحاسب الاحتلال علي ارتكابها، سيما بعد رفع ملف الانتهاكات التي يقوم بها تجاه الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية، والتي بدورها تراقب خلال الحرب الجارية تعمد الاحتلال قتل المدنيين العزل، وهذا ما يستدعي قيام المجتمع الدولي بوقف العدوان الإسرائيلي الذي بدأه بمنع المصلين من الصلاة في المسجد الأقصى، ومحاولاته الاستيلاء على منازل المقدسيين في حي الشيخ جراح، زاعماً امتلاك المستوطنين لها.

وأدعو في هذا الصدد إلى الوقوف بحزم أمام ادعاءات دولة الاحتلال من أجل الاستيلاء على أراضي ومنازل الفلسطينيين، وجشعها الذي لا يتوقف رغم تنازل الفلسطينيين عن 70% من أرضهم التاريخية لهذه الدولة غير الشرعية والتي تقوم على التمييز وعزل البشر، وحتى إعلان بلفور الذي أصدرته بريطانيا والذي نص على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، لم يكن يعني قيام دولة ذات طابع ديني يهودي، بل نص على عدم التأثير على مكونات المجتمع في فلسطين، التي لم تكن معروفة عبر التاريخ باسم اسرائيل، كما أن اليهودية ليست قومية ليتاح على أساسها تكوين دولة، فأبناء الديانة اليهودية يعيشون في أوطانهم إنطلاقاً من مواطنتهم فيها، وانتسابهم لقومية وعرق هذه البلدان، بينما ينتمي الفلسطينيون بقوميتهم وعرقهم إلى أرضهم ووطنهم فلسطين التي كانوا على الدوام، وما يزالون يشكلون فيها الغالبية الساحقة.

وأود أن أشير إلى ناحية مهمة، تتمحور حول ضرورة أن يتراجع التفكير عن امكانية إذلال هذه الأمة من خلال إيجاد كيان غاصب يستطيع السيطرة على المنطقة، ففي الوقت الذي يعيش فيه أبناء الشعب الفلسطيني في القدس وفي غزة وفي الضفة وفي الأراضي المحتلة عام 1948 في هذه الحال كمستضعفين، إلا أن هؤلاء المستضعفون ليس لهم إلا المحافظة على كرامتهم، حيث لا يمكن للاحتلال أن ينتهك كل وجود ديني وحضاري وكياني للأمة وللشعب الفلسطيني مقابل سلام زائف، غير موجود على أرض الواقع، وفي واقعه هو استسلام وليس سلاماً.

وتمر اليوم ذكرى النكبة، مع اندلاع هذه الحرب السافرة على الفلسطينيين في قطاع غزة، الذي يكمل عامه الخامس عشر تحت حصار يمنع الغذاء والدواء، ومتطلبات الحياة الأساسية عن الغزيين، من خلال حصار غير أخلاقي وغير قانوني، وكذلك حصار دولة الاحتلال للضفة الغربية ليس بأخلاقي أو قانوني، والذي يتجسد في إقامة جدار عازل يفصل قرى ومدن الضفة، ويقطعها عن بعضها البعض، كما أن الانتهاكات في مدينة القدس ليست بأخلاقية أو قانونية، التي تجري من خلال مخططات تهويد القدس، وهذا ما يثبت بأن المدينة ليست يهودية أصلاً، بل فلسطينية شاء من شاء وأبى من أبى.