عصام يوسف: المؤسسات الأهلية الفلسطينية قادرة على الصمود في وجه قوانين الاحتلال “الإرهابية”

أكد رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين، الدكتور عصام يوسف، قدرة المؤسسات الأهلية الفلسطينية على التصدي والصمود في وجه قرارات سلطات الاحتلال الهادفة إلى إرهابها وتشويه سمعتها، ولصرف الاحتلال الأنظار عن جرائمه وانتهاكاته بحق الشعب الفلسطيني.

وأعرب يوسف، خلال لقاء أجري معه على قناة “المغاربية”، عبر استضافته في برنامج “المشهد”، عن قناعته بأن القوانين التي أصدرها الاحتلال مؤخراً والتي يجرم بموجبها مؤسسات أهلية فلسطينية، ويتهمها بالإرهاب، لن تفت من عضد هذه المؤسسات، مشيراً بأن هذه المؤسسات ستستمر في عملها مهما قدمت من تضحيات، انطلاقاً من إيمانها العميق بأن الحقوق الفلسطينية هي حقوق مشروعة، تكفلها مواثيق وتشريعات وقوانين دولية.

وشدّد يوسف، خلال حديثه، على ضرورة أن تتوحد رؤى الفلسطينيين، حتى لا يتم الاستفراد بكل طرف أو فصيل على حدة، وأن توحّد كل الأطراف الفلسطينية إرادتها وهدفها، وتنسى خلافاتها، حتى تفوّت على الاحتلال فرصة اختراق صفوفها، وتفريق الشعب الفلسطيني، وبالتالي تقويض مشروعه الوطني.

وفيما يلي نص الحوار:

  • هل هناك تخوف أو خشية من توقف الدول المانحة عن دعمها للمؤسسات الأهلية الفلسطينية التي قامت دولة الاحتلال بوسمها بالإرهاب، مما ينتج عنه إلحاق الضرر باستمرار عمل هذه المؤسسات التي تعود بالنفع على الفلسطينيين؟

تراجع الدول المانحة عن تقديم الدعم للمؤسسات الأهلية الفلسطينية وارد، ولكن في الغالب فإن هذه المؤسسات تعمل داخل الأراضي الفلسطينية، وليست جميعها مؤسسات إغاثية، فالخشية من القرار الإسرائيلي الذي أعتبره قراراً إرهابياً بحق المؤسسات الفلسطينية، وهذا ليس بجديد على دولة الاحتلال، وهو قرار سياسي، ليس بقانوني ولا بأخلاقي، حيث يهدف الاحتلال من وراء إجراءاته إلى إرهاب المؤسسات وتشويه سمعتها كما يفعلون مع بقية أبناء الشعب الفلسطيني بشكل عام، ومما هو مؤكد فإن دولة الاحتلال تقوم بهذه الممارسات من أجل صرف الأنظار عن جرائمها، وبالتالي خلط الأوراق بشكل أو بآخر، هم ينتقلون من فشل إلى فشل معتقدين بأنهم بمثل هذه القرارات الاستفزازية والإرهابية بقادرين على إيقاف مسيرة الشعب الفلسطيني النضالية.

نحن في بريطانيا باعتبارنا نمثل مؤسسات خيرية بريطانية، عانينا بدورنا نتيجة هذه التصنيفات الصهيونية، وما زلنا نعاني، إلا أنها لم توقف مسيرتنا وعملنا، كما أنها لم تقنع الحكومة البريطانية بصحة ادعاءاتها، وليس أمامنا في هذا الصدد إلا الصمود، مع كون الإشكالية الأكبر التي تحصل في مثل هذه المواجهة تتعلق بالبنوك التي تحجم عن التعامل مع هذه المؤسسات سيما في موضوع الحسابات البنكية، ولكن في حالة المؤسسات الأهلية الفلسطينية فإنها ونظراً لعملها داخل الأراضي الفلسطينية فإن احتمالية إيقاف عملها بشكل تام تبقى مستبعدة، وستستمر هذه المؤسسات بأداء أدوارها، خاصةً وأن مؤسسات سبقتها في مواجهة التضييق والإرهاب الصهيوني ولكنها بقيت صامدة في وجه هذه التحديات المصيرية، ومن ذلك مؤسسات خيرية وإنسانية بقيت قائمة رغم قسوة القرارات الإسرائيلية، وأنا على قناعة بفشل سياسات الاحتلال تجاه هذه المؤسسات سيما وأنه يقوم بتجريم نفسه بنفسه.

  • ما هي الخيارات أمام المؤسسات الأهلية الفلسطينية في التصدي للإجراءات الإسرائيلية، خاصةً وأن هنالك قانون إسرائيلي صدر عام 2016 يتحدث نصاً عن استطاعة دولة الاحتلال القيام بإغلاق هذه المؤسسات؟

الكيان الصهيوني لا يحتاج إلى قوانين، بينما القوانين التي تصدر عنه يهدف من ورائها لتبرير أفعاله، ولكي يظهر أمام العالم بأنه يشرع القوانين، ويتصرف وفق قوانين معينة، وهذا كله كذب، وفي الحقيقة هذه آليات لقمع الشعب الفلسطيني، وهم يقومون بذلك وفقا لمبدأ “التجريم بالعلاقة”، بمعنى أن من تقع عليه الإجراءات العقابية يكون بسبب علاقته بشيء إجرامي أو غير قانوني، وليس صانعاً للجرم، وبذلك فإن الاحتلال يصنف جميع المؤسسات الفلسطينية بمختلف توجهاتها الفكرية، إسلامية أم يسارية..وغيرها، وبما في ذلك السلطة الفلسطينية ذاتها، كمنظمات إرهابية أو تقدم دعماً للإرهاب، وعلى ضوء ذلك لن يتبقى وفق المعايير الصهيونية من هو ليس بإرهابي.

وأعتقد بأن الممارسات الإسرائيلية تعود إلى ما قبل تاريخ 2016، ويمكن أن نقدم أنفسنا كمثال على ذلك، حيث تم وضعنا على قائمة دعم الإرهاب خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي، وتم تجديد المزاعم الإسرائيلية في سنوات عدة مع حلول الألفية الجديدة، ويقومون في هذا الإطار بعملية تحريض الجانب الأمريكي تجاه مؤسساتنا، وللأسف فإن الإدارة الأمريكية تستجيب لهذه المزاعم وتضع أسماء مؤسساتنا ضمن قوائم الإرهاب، ما يترتب عليه إخافة البنوك والمؤسسات المالية من التعامل معنا.

أنا على قناعة بأنه مهما وضع الإسرائيليون من لوائح تجرم العمل الفلسطيني، فإن على المؤسسات الفلسطينية أن تستمر في عملها، مهما قدمت من تضحيات، سيما وأننا نؤمن بأن الحقوق الفلسطينية هي حقوق مشروعة، إضافة إلى أن المؤسسات الفلسطينية لا تخالف القوانين المحلية، أو الدولية، أو غيرها، وبالتالي فليذهب الإسرائيليون بقراراتهم إلى المدى الذي يريدونه، ولتستمر مقابل ذلك المؤسسات الفلسطينية في عملها، حتى وإن توقفت أو مُنعت المساعدات والمنح فلا بد أن تكون هنالك آليات عمل كثيرة يمكن من خلالها تجاوز مثل هذه القرارات الإسرائيلية.

  • كيف بالإمكان لهذه الآليات التي تشيرون إليها تجاوز الإجراءات الإسرائيلية في الوقت الذي تعتبر فيه دولة الاحتلال نفسها فوق القانون رغم الإدانات الكثيرة من جانب الهيئات والمنظمات الحقوقية لقرارها الأخير بحق المؤسسات الأهلية الفلسطينية، في حين أن دولة الاحتلال لا تهتم للقرارات الدولية الرافضة للانتهاكات التي ترتكبها، ولقراراتها الأخيرة بحق المؤسسات الأهلية الفلسطينية؟

الرد الفلسطيني يكون بعدم الاهتمام بالقرارات الإسرائيلية، وبالتصدي لها، ومقاومة الإرهاب الإسرائيلي، ويجب أن تستمر المؤسسات بالعمل بشكل أو بآخر، طالما أننا أصحاب حق وعلى دراية بالألاعيب الإسرائيلية، فلا بد من إيجاد المخارج لذلك، وبما أن المؤسسات الأهلية مرخصة من قبل السلطة الفلسطينية، فإنه يتوجب على السلطة أن تجدد ثقتها بهذه المؤسسات عبر تقديم الدعم لها، ليستمر عمل المؤسسات في خدمة الشعب الفلسطيني، حيث أن هذه المؤسسات تهدف لدعم الكل الفلسطيني من سلطة ومجتمع فلسطيني وقطاعات حياتية، وغير ذلك، وسعي المؤسسات القانونية منها في دعم القضية والسلطة الفلسطينية من خلال محاولة محاكمة قادة الكيان الصهيوني أمام المحاكم الدولية، قد حقق نتائج مهمة في هذا الصدد، حيث صدرت قرارات دولية بحق الكيان وقادته، ولكنها لم تطبق لغاية الآن، وستكون جاهزة للتطبيق متى تمكنت المؤسسات القانونية من تحقيق أهدافها.

  • كيف يمكن إقناع المجتمع الدولي بالوقوف إلى الجانب الفلسطيني اليوم؟

الكثير من منظمات المجتمع الدولي بما فيها الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمحكمة الجنائية، وغيرها، لها مواقف إيجابية إلى جانب الحق الفلسطيني، ولكنها تقف عند حدود معينة لا تتجاوزها بسبب دعم الدولة العظمى الأولى في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية) لدولة الاحتلال، حيث تغض الطرف عن ممارساته، من قضم للأرض الفلسطينية، وبناء للمستوطنات، وهضم حقوق الشعب الفلسطيني، إلا أن الدعم الأمريكي لدولة الاحتلال لن يستمر للأبد، سيما وأن الوقائع الأخيرة تشير إلى هذا المنحى، خاصة بعد الانتكاسات الأمريكية الأخيرة ومنها الانسحاب من أفغانستان، والذي يفسره البعض بهزيمة الولايات المتحدة هناك، وفي نهاية الأمر سيجلب الوقوف إلى جانب دولة الاحتلال الخسارة للولايات المتحدة، ما سيدفعها لإعادة حساباتها المتعلقة في دعم هذا الكيان الغاصب.

وينبغي التنويه إلى أن التضامن الدولي مع القضية الفلسطينية في اتساع مستمر، وهذا يظهر جلياً في كون المحاكم الدولية أصبحت تصدر أحكاماً لصالح الحق الفلسطيني، وتحاكم الإجرام الصهيوني، إلا أن دولة الاحتلال ما تزال ترتكز في تعنتها وصلفها إلى الدعم الأمريكي لها في كل المحافل، معتقدةً بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عنها، ولكن نعتقد بأن هذا الدعم له نهاية بعد إدراك واشنطن عدم صوابية دعمها للكيان ضمن حسابات الربح والخسارة، إذا ما أدركت بأن دعمها لكيان معزول ضمن محيط عربي وإسلامي كبير لن يعود عليها بالفائدة، بينما ستجد مصلحتها في علاقات طيبة ومتوازنة مع العالمين العربي والإسلامي.

  • حديثكم ينبع من إيمانكم بعدالة القضية الفلسطينية، وثقة بأن هنالك حل ما لهذه القضية، بينما في واقع الأمر هنالك من يقول بأن الشعب الفلسطيني قد تُرك وحيداً في صراعه مع الاحتلال الذي ينتهك الحقوق الفلسطينية، ويغتصب الأرض، ويشرد أصحابها، وغيرها من الانتهاكات والجرائم، ما يعني بأن الشعب الفلسطيني يدفع أثماناً باهظة في هذا الجانب، كيف تنظرون لهذا الأمر؟

صحيح أن الشعب الفلسطيني يقدم تضحيات كبيرة، ويدفع أثماناً باهظة، وهذا حال الشعوب التي تكافح من أجل نيل حريتها واستقلالها، ويمكن أخذ الشعب الجزائري كمثال، بعد أن قدم التضحيات الكبيرة من أجل نيل استقلاله عن الاستعمار الفرنسي، ومنها تقديمه ملايين الشهداء، وشعوب أخرى في العالم قدمت تضحيات كبيرة في سبيل قضاياها العادلة كالشعب الفيتنامي مثلاً، وغيره من الشعوب.

وبالنسبة للشعب الفلسطيني فإنني أجزم بأن العالم لم يتخل عنه، طالما أن الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني صامدون في أرضهم، يساندهم ويعيش معاناتهم ملايين أخرى تعيش في مناطق مختلفة من الشتات، إلى جانب وقوف الأشقاء العرب مع نضال الشعب الفلسطيني، رسمياً وشعبياً، بالتالي فالشعب الفلسطيني لا يقف وحيداً في معركته مع الاحتلال.

  • تمثلون مؤسسات إغاثية تعرضت للتضييق في سنوات سابقة، واتُّهمت مؤسساتكم بدعم الإرهاب، ووضعت على قوائم المؤسسات الداعمة للإرهاب..من خلال معارككم التي قمتم بخوضها في هذا الإطار، ما هو مستقبل المؤسسات الستة التي تم وسمها مؤخراً بالإرهاب، وتعمل دولة الاحتلال على إغلاقها ومنعها من العمل؟

أعتقد بأن دولة الاحتلال لن تستطيع إغلاق هذه المؤسسات، ورغم ما عانته هذه المؤسسات منذ سنوات طويلة من حصار، وما تزال تعاني من أشكال التضييق المختلفة، فإنها باقية وتواجه الاحتلال، وأعتقد بأن على الفلسطينيين اليوم أن تتوحد رؤاهم، حتى لا يتم الاستفراد بكل طرف أو فصيل على حدة، ومن الضروري أن توحد كل الأطراف الفلسطينية إرادتها وهدفها، وتنسى خلافاتها، حتى تفوّت على الاحتلال فرصة اختراق صفوفها، وتفريق الشعب الفلسطيني، وبالتالي تقويض مشروعه الوطني.

وأود أن أوجه رسالة إلى المؤسسات الفلسطينية بضرورة الاستمرار في أعمالها، وزيادة زخمها، وأن تستمر في تحديها للكيان الصهيوني، وقد كانت لنا تجربة كمؤسسات إنسانية في تحدي إجراءات هذا الكيان، والتصدي لمحاولات إلغائنا، وبفضل الله لا زلنا موجودين، رغم أن الجانب الأمريكي صنفنا كذلك كمؤسسات داعمة للإرهاب، فما بالك بالتصنيف الإسرائيلي، الذي أعتبره بلا قيمة، حيث أن دولة الاحتلال عاجزة عن فرض أي واقع على الشعب الفلسطيني داخل فلسطين، وهذا ما يثبته استمرار مقاومة الفلسطينيين في كافة أنحاء الأرض الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي مدينة القدس المحتلة، والأراضي المحتلة عام 1948، التي تثبت انتصار إرادة الشعب الفلسطيني، حيث أن لا خيار أمام الفلسطينيين سوى التحلي بالإصرار والصبر والصمود والثبات في وجه المحتل، بآليات وأدوات شتى، وينسحب ذلك على مؤسساته التي عليها أن تستمر بثبات في عملها ضمن القانون والنظام الدوليين، وعدم الاكتراث بممارسات الكيان الصهيوني الذي يعتبر كياناً مخالفاً لكافة القوانين والشرائع الدولية من خلال احتلاله واغتصابه للأرض الفلسطينية، وبناء مستوطناته عليها، وسرقته حتى لثمار الزيتون حيث يسعى لتدمير مقومات وسبل العيش للفلسطينيين، إلا أن الشعب الفلسطيني لن يستسلم أمام هذه الانتهاكات كافة، وسيستمر في مقاومته من أجل نيل حقوقه، وإن عظمت التضحيات.