بقلم: نبيل السهلي
طرح الغزو الروسي لأوكرانيا أخيراً أسئلة متعددة حول موقع العرب في إطار العلاقات الدولية خاصة وأن الحديث الإعلامي متواتر حول التداعيات المتشعبة للحرب المستمرة على الدول والتكتلات المختلفة في وقت غابت فيه أي فعالية للدول العربية في إطار العلاقات الدولية سواء على الصعيد السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، رغم وجود الطاقات المادية والبشرية العربية الكبيرة الكامنة.
ويبدو لي أن السبب في استمرار النظم السياسية العربية المترهلة والفاشلة الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع في المؤشرات كافة، والدالة أساساً على تطور المجتمعات، إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، ويمنع العرب من أن يكونوا رقماً وازناً في العلاقات الدولية.
في الوقت الذي تعززت فيه الخطوات في العديد من دول العالم لجهة بناء مجتمع الحريات والمؤسسات والمنظمات الأهلية، يلحظ المتابع لتحولات المشهد العربي، سيادة مبدأ الفردية في الحكم في غالبية الدول العربية، وتغييب دور الغالبية الساحقة من الشعوب العربية، هذا فضلا عن فرض مصطلحات تخدم المبدأ المذكور، وذلك بغية الاستمرار في الحكم لنهب المال العام على حساب لقمة عيش المجتمعات.
الإفساد المالي
وبدورها أدت عملية الإفساد المالي والإداري إلى زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فضلا عن تفشي ظواهر خطيرة في غالبية الدول العربية، وفي مقدمة تلك الظواهر ظاهرة القطط السمان حول النظم السياسية الحاكمة. وتلك الشريحة لا يهمها إلا أن تراكم رأس المال، بعيداً عن القيام باستثمارات تعود بمنفعة مباشرة على الأوطان والشعوب، وهذا أدى إلى ارتفاع وتيرة مؤشرات البؤس في غالبية الدول العربية، فتفاقمت معدلات البطالة، وازدادت قيمة الديون الخارجية، وارتفعت معدلات الفقر والفقر المدقع إلى معدلات فلكية رغم وجود المصادر الطبيعية الوطنية الكبيرة حيث تساهم الدول العربية بنحو (30) في المئة من إنتاج النفط العالمي، وتستحوذ في الوقت ذاته على (60) في المئة من احتياطي النفط العالمي خلال الأعوام الأخيرة.
ومن مؤشرات البؤس في الدول العربية أن أقلية من السكان تعيش في كنف النظام السياسي القائم بالنسبة الكبرى من الدخل القومي لهذه الدولة العربية أو تلك، في حين بقيت أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة والجهل. وبالأرقام يتوزع الدخل القومي بشكل أكثر عدالة نسبياً في الدول المتطورة في حين يستحوذ 20 في المئة من سكان الوطن العربي على 90 في المئة من الدخل القومي، الأمر الذي يجعل 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر المدقع، ويضعف خياراتهم من صحة وتعليم ورفاه اجتماعي.
وللدلالة على سياسات النظم العربية الدكتاتورية الفاشلة ارتفعت وتيرة معدلات البطالة بين النشيطين اقتصادياً، لتصل إلى 11 في المئة كحد أدنى و35 في المئة كحد أعلى في الدول العربية، في وقت وصلت فيه نسبة الأمية بين الإناث العربيات البالغات إلى خمسين في المئة، كما بقي معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية في حدود 35 في المئة خلال الأعوام الأخيرة. وكان مؤشر الأمية بين الشباب العربي هو الأخطر مقارنة ببعض الدول النامية في أمريكا اللاتينية، حيث وصل إلى نحو 20 في المئة على سبيل المثال لا الحصر.
غياب الوزن النسبي
من الأزمات المتفاقمة التي تعاني منها المجتمعات العربية – بسبب السياسات الفاشلة للنظم الرسمية العربية – عدم الاستفادة بالشكل المطلوب من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وثورة المعلومات. وتُعزى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية والدول المتطورة في دول العالم إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الشباب العربي، والتي كان مردها، كما أسلفنا، سياسات النظم العربية الرسمية، حيث لم تخصص الموازنات الكافية للارتقاء بمستويات التعليم والبحث العلمي.
واللافت أيضا أن المؤشرات تزداد سوءاً عند الإشارة إلى ضعف المشاركة السياسية الشعبية في غالبية الدول العربية، فضلاً عن ضعف مشاركة المرأة العربية في مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، هذا في وقت أصبحت فيه مشاركة المرأة من المعايير الرئيسية لمستوى التطور والتنمية البشرية في دول العالم.
إذاً، المسؤول عن تدني مؤشرات التنمية البشرية في غالبية الدول العربية هو النظم السياسية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة، وتالياً فقدان الدول العربية لأي وزن نسبي في العلاقات الدولية.
المصدر: القدس العربي
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=132863
