بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين
لم يكن اختيار الشيخ الجليل أحمد القطان، رحمه الله، لمنبره تسمية “منبر الدفاع عن المسجد الأقصى”، سوى تجسيداً لحالة الوعي المبكر في فكر الشيخ الذي امتلأ بقناعات إسلامية وعروبة القضية الفلسطينية، وتلك حقائق لا تحتمل مجرد التفكير في إخضاعها لأية تأويلات كانت.
مضمون خطبه، يقابلها حجته في الطرح، وحماسته، وصوته الصداح، تعكس كلها إيمانه العميق، ورسوخ القناعات بأن قدسية المقدسات في فلسطين لا تنتظر منا ترف الجدال والنقاش حول حجم ومقدار هذه القدسية، بل ما هو مُنتظر من الأمة وأبناؤها من عمل مخلص دائب، وليس سواه لإنقاذ الأمة ومقدساتها.
ومن أجل إخلاص العمل، وخلق الدافعية الحقيقية لتحرير المقدسات، يتوجب تعزيز الفكر التوعوي، وغرس بذوره في نفوس النشء، ليثمر عند النشأة نضجاً وحجّة، وحالة إدراكية حول طبيعة الصراع من أجل الحقوق والمقدسات، فغرس الثوابت الدينية والقومية والوطنية في قلوب وعقول الأجيال المتعاقبة يجعل من ضياع الحقوق أمراً مستحيلاً، بل إن الحق المسلوب لا بد أن يُسترد ولو بعد حين.
كان الشيخ القطان من الدعاة الرواد الأفذاذ الذين انبروا لمهمة بث الوعي حول الثوابت في نفوس الأجيال، واستمر بمهمته هذه مخلصاً، ودون كلل، وقد حرص من أجل ذلك على امتلاك أدواته من تهيئة للمنابر، والتزود بالعلم، والتحلي بالرؤية النقدية الشاملة، والتأسيس لخطاب ديني عقلاني لا يهمل السياقات التاريخية والاستراتيجية لقضايا الأمة التي يطرحها، ومن أبرزها القضية الفلسطينية.
تعرفت بالشيخ الجليل الذي عهدته دائم الحضور في قضايا الأمة، والقضية الفلسطينية، ونصير المظلومين، إماماً، أحرص على الصلاة خلفه في مسجده خلال إقامتي الطويلة في الكويت، وكنت أستعذب صوته في التلاوة، وحجته وحماسته في خطب الجمعة التي كان يخصص غالبيتها في الحديث عن تاج فلسطين (الأقصى المبارك).
كنت، ومعي المصلين ومرتادي المسجد من المملتئين بفكر القطان، والمدجّجين بكلماته، وقد كان يبهرنا دوماً بثباته في دعم القضية الفلسطينية، كمحارب شرس لا يأبه بتبدل المواقف، وبمن تضعف نفوسهم في المعركة التي يدرك القطان جيداً بأنها تحتاج نفساً طويلاً، ومحاربين ذو جلد عظيم، فالعدو من طراز مختلف، فهو لا يستهدف سرقة الأرض فقط، بل الهوية والمقدسات والثقافة والتراث والتاريخ..وروح الأمة بأسرها.
كنت ألمس فيه الروح القوية القادرة على مواجهة جيوش جرارة، عند مجالسته والحديث معه، حيث كان يحتوينا خلال حديثه بخلقه الدمث، وسريرته الحسنة، وطيب نفسه، ومع هذا وذاك، ما كان يجمعنا به من أخوة إسلامية، وقناعات راسخة حول عدالة قضيتنا الفلسطينية، والحرص على الأمة ومستقبلها، وقواسم مشتركة تتعلق بحب فلسطين وقدسها وأقصاها.
وفي العديد من المؤتمرات والمحافل، كنت ألتقي الشيخ القطان، المحارب المقدام من أجل الحق، وكان يبرز في تميز مواقفه الصلبة تجاه ثوابت القضية الفلسطينية كنجم يسطع بين الحضور، حيث لم تكن فلسطين، والأقصى –قبلة المسلمين الأولى، ومسرى نبيهم (صلى الله عليه وسلم)- تقبل القسمة على اثنين، ولا أي رقم صحيح أو عشري.
بوفاة الشيخ الجليل أحمد القطان، يسجل التاريخ العربي والإسلامي سيرة رجل عاش مناصراً للحق، ومات على الحق، يستمد العزم من إيمانه بربه ودينه، ومن انتمائه لأرض طيبة، وشعب كريم لم يتوانَ يوماً عن الوقوف إلى جانب الحق منذ بدء مأساة الفلسطينيين، فاض بفكره على مدى عقود ليُلهم أجيال أمة بأكملها بعقيدة تبشر أبناءها بالنصر والكرامة والعزة، إذا ما تمسكوا بمبادئهم الربانية والأخلاقية، وحقّهم في الحياة كأمة تعيش تحت الشمس، لا في الظل.
سلام عليك أيها المحارب المقدام الذي ترجّل تاركاً الراية لأجيال تشرّبت فكره، وروحه، واسترح يا شيخ الأقصى، في المكان الذي كافحت ليكون من نصيبك، بإذن الله، بين الشهداء والصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقا..ولا نقول في رحيلك إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=134300
