بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين
يقدّم موسم الأضاحي من كل عام في البلدان الإسلامية صورة إجتماعية تختزل حالة مكثفة من التكافل الاجتماعي، تنطوي على حكمة إلهية تقف وراء الغايات والأبعاد من تكرار المناسبة العظيمة، حيث المغازي الدينية والروحية والاجتماعية في أعلى درجات سموّها.
ولعل من الصعب حصر فوائد الشعيرة على المجتمع الإسلامي بكل فئاته، حيث يفتح موسم الأضاحي الآفاق أمام قطاعات واسعة للعمل والبذل، بالدرجة التي تنفتح معها نوافذ للفرح لدى الفقراء الذين ينتظر غالبيتهم المناسبة من عام إلى آخر، وللأمل في أهل الخير والمحسنين الذين يضعون لبنات المجتمع المتكافل والمرصوص البنيان، وفي ثوابها يقول سبحانه وتعالى: “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”، سورة الحج، الآية 37.
وفي خلفيات الشعيرة، وأفضالها، يمكن الإشارة إلى انتعاش مؤسسات، ونشأة أخرى خصيصاً لهذه الغايات، لتكون رديفاً للمشاريع المستدامة، تغذي عناصرها، وعوامل الإنتاج فيها، فتقوم بتحريك الاقتصاديات، وإنعاش حركة الأسواق، بل وتنشيط التجارة بين البلدان، من خلال زيادة معدلات الاستيراد والتصدير، وتشغيل وسائط النقل، وكل ما له علاقة بأعمال ذبح الأضاحي، والمشتغلين في هذا المجال، ناهيك عن الاستفادة القصوى من كل ما تحتويه الأضحية كمنتج من لحوم وجلود وأصواف وعظام وأظلاف، وغيرها.
أما في الجانب المعنوي للشعيرة، فإشعار واستشعار مطلق من جانب المضحي لمستحق الأضحية، ومن طرف المحسن للفقراء والمحتاجين، وتثبيت لمفاهيم التراحم بين أبناء المجتمع المسلم، ما يرفع من مناسيب الثقة بين أبنائه إلى ذراها، ويزرع في نفس المسلم الفقير الأمل بأنه لن يقاسي مرارة الحياة وشظفها، وحيداً دون سند أو أخ يقف إلى جانبه ويمد له يد العون، ويطعم أطفاله إذا ما ضاقت الدنيا، فأهل الخير هم من يتكفل بصنيع رحابتها.
وفي جوانب أخرى لا تقل أهمية عما سلف، فإن لموسم الأضاحي الفضل الكبير في تنمية العمل الخيري، على مستوى الأفراد والمؤسسات والجمعيات، حيث تخصص البرامج والخطط لمشاريعها الموسمية، وتبذل الجهود الاستثنائية من أجلها، بهدف استثمارها على الوجه الأكمل لما فيه صالح الأسر الفقيرة، نظراً لدراية الجمعيات بحجم وطبيعة مستحقي الأضاحي، وبما تمتلكه من خبرات في جمع الأضاحي وتوزيعها في المدن والأحياء والقرى والبلدات.
ولا بد من المرور سريعاً على فكرة مستحقي الأضاحي، وكيفية توجيهها، فالأوجه الشرعية تؤكد بأنها للفقراء، والأيتام، والأرامل، وغيرهم من ذوي الحاجة، من باب سد الحاجات، وللأقارب من باب صلة الرحم، وللجيران والأصدقاء من باب تقوية روابط الأخوة، وقد تتشعب وتتعقّد الحاجات، لتصل إلى درجة التشابك بين روابط عدة لمستحقي الأضحية.
فعلى سبيل المثال، تجمعنا بأهل فلسطين علاقات عدة، متداخلة ومترابطة، لا تنفصم عراها، فهم الأهل، والأخوة، والجيران، إلى جانب كونهم الدرع الحامي للأمة من طمع الطامعين، وحملة راية كرامتها، وعنوان صمودها، لذا فوجوب اعطائهم شيئاً من الأولويات، كما ذهب إلى ذلك الكثير من علماء الأمة، لا يعد ترفاً يجري الحديث عنه في كل موسم من مواسم الشعيرة، بل حالة متكرسة لا تخفى على كل صاحب بصيرة، ولربما نلمس في الحديث النبوي الشريف الدافع للبذل من أجل أن تصل الأضاحي لمستحقيها في قوله (صلى الله عليه وسلم): “من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلاّنا”، – رواه أحمد والحاكم.
فمعاناة الفلسطيني تتفاقم تحت حراب الاحتلال، من قتل، واعتقال، وحصار، وتجويع، وتهجير، وتشريد، وتضييق وقطع للأرزاق، وللأواصر الأسرية، إلى جانب مصادرة الأرض، وتهويد المدن، والمقدسات، وغير ذلك من أشكال المعاناة اليومية التي يبتدئ فيها الفلسطيني يومه، ولا تنتهي، ككابوس يلازمه في منامه وفي يقظته.
ويعد توجيه الأضاحي لفائدة المجتمع الفلسطيني إسهاماً من أبناء الأمة في سد حاجات الفقراء والمحتاجين من أبناء الشعب الفلسطيني، فضلاً عن إسهامها في تمتين روابطه الإجتماعية، وتقوية وشائج التكافل الإجتماعي بين أبناء الأمة، دون إغفال كونها إحدى وسائل التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين في محنتهم، وشكلاً من أشكال توفير أسباب دعم صمودهم، وتثبيتهم على أرضهم.
كما أن للأضحية انعكاساتها الإيجابية، في مجمل تفاصيل الحياة في الأراضي الفلسطينية، فعلى الصعيد الاقتصادي تعمل على تنشيط حركة الأسواق، فضلاً عن تشغيلها لأيدٍ عاملة في هذا المجال، إلى جانب توفيرها مادة غذائية يحتاجها جسم الإنسان، وبلا شك فإن رقعة الحرمان منها بين أوساط الفقراء واللاجئين، مع كثير من الأصناف الغذائية الأساسية أدى لارتفاع نسب سوء التغذية، التي تقدر في قطاع غزة وحده بما يفوق 70% بين أبنائه.
ويتخلل العلاقة القائمة على التنسيق والتشبيك بين المؤسسات الخيرية في البلدان العربية والإسلامية، ونظيراتها العاملة في فلسطين، التوسع في معرفة احتياجات المجتمع الفلسطيني، وبالتالي إدراك أهمية توسيع قطاعات الدعم بما ينعكس إيجاباً على الجانب الإغاثي، فضلاً عن إطلاق مشاريع متقدمة تهدف لإحداث نوع من التنمية المستدامة في المجتمع الفلسطيني من خلال توفير البنى والأدوات اللازمة للتشغيل وخلق فرص العمل، وتهيئة البنى التحتية لهذا الغرض.
وبلا شك فإن الحاجات تتضاعف، سيما وأن مؤشرات الغلاء الذي بات يستشري بقوة في اقتصادات دولنا الإسلامية، وشراهة غول ارتفاع الأسعار المنفلت من عقاله، والذي وصل إلى لقمة عيش الفقراء المجردة، يفاقم ذلك ما يمر به العالم من أوبئة وحروب واضطرابات أمنية وسياسية، تؤكد الأحداث وحركة التاريخ بأن الفقراء غالباً ما يكونون وقوداً لها، وضحيتها الأولى.
وبعيداً عن حسابات الاحتياجات وما يقابلها من منافع، فبطبيعة الحال ما من شيء يضاهي رؤية الابتسامة حين ترتسم على وجوه الأطفال، فرحاً بالأضحية، يلمس ذلك بشكل مباشر المضحي الكريم، ومانح الأضحية، والعاملين عليها الواقفين على خطوط التماس في ميادين العطاء، حيث يستشرفون في ابتسامة الأطفال عملاً جزلاً يعود على الأفراد والمجتمعات بالخير والبركة، ويحقق المقاصد الشرعية، والقيم والمبادئ والأخلاق التي ترتقي بإنسانية المسلم، المستمدة من سماحة دينه.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=135155
