غزة من جديد..المطلوب عربياً وأممياً أكثر من ذلك

بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين    

يكاد يتسلل إلى ذهنية أبناء قطاع غزة بأن مباغتتهم بالعدوان أو الحرب الإسرائيلية من حين لآخر باتت جزءا من رتابة الحياة، حتى وإن كانوا لا يجدون متسعاً من الوقت لالتقاط بعض الأنفاس، ومحاولة ممارسة بعض من اعتيادية الأشياء، إلا أن الحصار الإسرائيلي المستمر لأكثر من 15 عام يحول دون تذوق ما يمكن أن يعيد للغزّي طعم الحياة الطبيعية وما تحويه من تفاصيل، ولو بأشكالها المجردة.

متلازمة الحصار الخانق والحروب المتكررة جعلت من الغزي شخصاً مترقباً لما يمكن أن تصل به حالة التهميش التي يمارسها المجتمع الدولي تجاهه، ومراقباً لحجم تأثره بحسابات الإقليم، كالانتخابات الإسرائيلية التي بات مادةً دائمةً لها، سيما وأن كم ما ينزف من دمه قد يرفع أو يخفض مرشحاً أو فريقاً سياسياً دون غيره في لعبة التنافس الانتخابي المسعورة بين أطراف سياسية تتسابق على حجم تطرفها المقترن حتماً بالدم الفلسطيني.

ويتحدد تبعاً لذلك مقدار ما يمارسه الطرف السياسي الذي يمتلك زمام الحكم حينها، حيث يسعى لممارسة مزيد من الهمجية والإجرام خلال حربه التي يحاول أن يثبت فيها كفاءته وإمكانياته أمام جمهور الناخبين المتطرفين، في صورة لا يمكن فهمها إلا في إطار تحوّل الدم الفلسطيني إلى مزاد تبيع وتشتري فيه الأفرقة المتخاصمة سياسياً، بما تحمله هذه الصورة من أبعاد دموية وعنصرية، تتجرد من كل قيمة إنسانية، ربما لم تألفها البشرية من قبل.

الحرب التي شنّها الاحتلال مطلع أغسطس الجاري تحمل تلك السمات، فقد بدأت بمباغتة أهالي القطاع المنهك جراء الحصار الطويل، وصبّت نيرانها على رؤوس الأبرياء من المدنيين، ودمّرت منازل فوق ساكنيها، واستهلت أولى نيرانها بقتل الطفلة آلاء قدوم، التي لم تتجاوز الخمسة أعوام، ووأدت معها أحلامها الصغيرة، حيث كانت قبل استشهادها ترسم عالمها البسيط المتخيّل في روضتها التي كانت تتجهز للالتحاق بها.

وعادة ما تأتي حروب الاحتلال المباغتة محملةً بغايات دب الرعب في قلوب الأبرياء، وإيقاع العدد الأكبر من الضحايا، دون تمييز، حتى وان استهدفت الأطفال والشيوخ والنساء، فالكل أمامها سواء، إضافة لتحقيق أهدافها في إلحاق الكم الأكبر من الدمار في منازل الأهالي، وبنية القطاع التحتية، وتعطيل القطاعات الحيوية، على رأسها القطاع الصحي، بغية تحطيم معنويات الشعب الفلسطيني، وإيصالهم إلى حالة من اليأس المزمن، وإفقادهم الأمل في مستقبلهم وفي حقهم في وطنهم وأرضهم.

وتحصد حروب الاحتلال-غير المتكافئة- على غزة التي تشنها بأسلحة وصواريخ فتاكة، تعد الأحدث في العالم، وبعضها يجري تجريب حجم تدميره وفتكه على أجساد الفلسطينيين، أعداداً كبيرة من الضحايا خلال فترة زمنية يمكن وصفها بالقصيرة في معايير الحروب، نظراً لعوامل أبرزها حجم الدمار الواسع الذي تحدثه ترسانة سلاح الاحتلال الحديثة والمتطورة، إلى جانب عامل الاكتظاظ السكاني الكبير في قطاع غزة، الذي يعد من بين الأعلى كثافةً سكانيةً على مستوى العالم.

فقد بلغت الخسائر البشرية في العدوان الأخير 49 شهيداً، و360 مصاباً، إضافة لتدميرها 1746 وحدة سكنية كليًّا وجزئيًّا، بحسب مصادر حكومية في القطاع، إلى جانب شل قدرة القطاع الصحي على استيعاب الجرحى والمصابين، كونه قطاعاً مستنزفاً على مدى سنوات الحصار الـ15، يعاني شح المواد والمعدات والمستلزمات الطبية، بما فيها الكثير من أصناف الأدوية، إلى جانب افتقار المستشفيات للوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية كي تتمكن من العمل، فيما استمر العدوان لثلاثة أيام متواصلة.

أضافت الحرب الأخيرة أعداداً أخرى من المنازل المدمرة إلى جانب أخواتها من المنازل التي جرى تدميرها في الحروب السابقة، فغزة لم تعرف خلال سنوات الحصار الماضية عملية إعادة إعمار حقيقية، شاملة ومتكاملة، يعود ذلك لعدة أسباب، من أبرزها إحكام الاحتلال لحصاره الخانق والمشدّد والذي أدى للحيلولة دون إدخال مواد البناء الكافية، والتي تلبي الحاجة الكبيرة لإعمار ما ألحقته الحروب من دمار هائل في منازل القطاع وبناه التحتية والفوقية، واستخدام الاحتلال قضية إعادة الإعمار وإدخال المواد اللازمة لذلك كورقة للابتزاز والمساومة، بهدف فرض شروطه على المقاومة، وصولاً لإخضاعها لإرادته.

ولعل عامل الإنكار والتهميش الذي يمارسه المجتمع الدولي، تجاه المسألة الإنسانية في غزة، يعد واحداً من أبرز عوامل تأخر عملية إعادة الإعمار الشامل، فسياقات الإنكار تبدأ من التأييد الأمريكي والبريطاني، وعدد من الدول التي تدور في فلكها، والتي تهيمن على صنع القرار السياسي الدولي، لما تزعم بأنه “حق” إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ما يسمح لها بإطلاق يدها في غزة، قتلاً وتدميراً، مروراً بإنكار حق الغزيين في الحياة الطبيعية، دون معاناة من تداعيات الحصار غير الأخلاقي، وغير القانوني، وانتهاءً بتهميش مأساة غزة، والقضية الفلسطينية بشكل عام أمام قضايا أخرى كقضية الغزو الروسي لأوكرانيا، والتي أظهرت نفاق القوى العظمى، ومدى تطويعها للقوانين الإنسانية الدولية، وفقاً لمعايير عنصرية تميز بين إنسان وآخر، وجغرافيا وأخرى، بحسب الأهواء وانتهازية المصالح “المتوحشة” لتلك القوى.

ويلحق بركب التهميش الدولي، أطرافاً عربية وإسلامية، بعضها منح تهميشه لغزة والقضية الفلسطينية مبررات “التطبيع”، التي وصلت بهم إلى أقصى حدود الإنكار للشعب الفلسطيني وقضيته، وحقوقه، بل يطال هذا النوع من الإنكار تاريخ وحضارة وهوية أمة بأسرها، إضافة لأطراف أخرى آثرت الاذعان للضغوط الأمريكية وابتزاز دولة الاحتلال، تحت تبريرات عدم القدرة على الوقوف في وجه التيار منفردةً، واهتمامها بشأنها الخاص، سواء الداخلي أو الخارجي.

ربما يفسر ذلك قلة الأصوات نسبياً –الحكومية وليس بالضرورة الشعبية- التي نادت بوقف العدوان، وحقن دماء الأبرياء، وان اقتصرت في كثير من الأحيان على بيانات منددة، تتفاوت في نبرتها، إلا أن ما علا منها في نبرته لا يصل لحجم مأساة استباحة دم الطفولة البريئة في غزة، يوازيه في ذلك موقف الأمم المتحدة التي عقدت على مضض جلسة لمجلس الأمن، بعيد انتهاء العدوان، كان المفاجئ فيها افتقاد كلمة المندوب الأممي للتوازن في طرح القضية الإنسانية لغزة، وميله لتبني رواية الجلاد مقابل الضحية.

ولم يمنع ذلك مؤسسات وجمعيات خيرية عديدة من التعبير عن نفرتها لنصرة غزة، حيث استمدت موقفها الأخلاقي والشجاع من نقاء سريرتها، وإخلاصها للمبادئ الأولى لضرورات ومقتضيات العمل الخيري، مؤمنةً من خلال ذلك بسمو أهداف عملها الإنساني، يوازي ذلك إدراكها وإيمانها العميق بضرورة التأكيد على وشائج الأخوة، واللحمة بين الشعوب العربية والإسلامية، فضلاً عن التزامها الأخلاقي في نصرة جزء عزيز من أرض الأمة، يحمل فوق ترابه أهم مقدساتها، ومنطلق مسرى رسولها (صلى الله عليه وسلم)، إلى جانب نصرتها لحق الشعب الفلسطيني بالعيش كباقي الشعوب، حراً كريماً على ارضه.

فقد أطلقت عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية حملات الدعم الإنساني، لإنقاذ الجرحى، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمتضررين من العدوان، ومنحت الوضع الإنساني في غزة نصيباً من جهدها ومقدراتها، وقامت بتقديمها كأولوية على الرغم من تزاحم قضايا إنسانية أخرى أولويات العمل الخيري في زمن عصيب تُترى فيه الكوارث الإنسانية وتتفاقم لأسباب عدة منها ما هو بفعل البشر، وأخرى بفعل التغيرات البيئية.

وفي السياقات ذاتها، فقد ضاعفت الحرب الأخيرة على قطاع غزة من مسؤوليات الأمم المتحدة الأخلاقية والإنسانية، تجاه قضية أخلاقية وقانونية وإنسانية وحقوقية، وغير ذلك، وإن كان تقصيرها جلياً في مختلف جوانب هذه القضية، فإن التقصير في الجانب الإنساني بات يطرح التساؤلات حول ضرورة إعادة النظر ملياً في آليات عمل المنظومة الدولية، والتمحيص في معيارية التعامل مع القضايا الإنسانية، سيما وأن اهتماماً أممياً تحظى به قضايا إنسانية دون غيرها، خاصةً ما يتعلق منها بتداعيات الحروب، ما يعد أمراً خطيراً ينسف مصداقية ونزاهة المنظومة الأممية من أساسها.

وفوق هذا وذاك، تبقى الأمال معقودة بتصويب البوصلة الإنسانية تجاه القضية الفلسطينية، حيث أمل الشعب الفلسطيني، يبقى قائماً، بإعادة الزخم للاهتمام العربي والإسلامي بقضيتهم بشكل أكبر، وإعادتها لموقع الـ”مركزية” لقضاياها، إلى جانب الأمل في تعزيز أكبر لحالة “الرشد” في نظرة الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي لعدالة القضية الفلسطينية، وأكثر من ذلك محاولة إيجاد عمق أخلاقي أكبر يحكم المنظومة الدولية، كي تتمكن من النظر إلى القضية الفلسطينية بعين العدل والإنصاف.

جرح غزة لم يندمل منذ سنوات طويلة، بل إنه ما يزال غائراً، وإبقاء الحال على ما هو عليه سيزيد من مفاقمة الوضع الإنساني، فانقضاء اليوم عند أبناء غزة ليس كالآخرين، لأن الغد القادم يحمل معه الكثير من علامات الاستفهام، فمن تهدّم منزله يضع في حسبانه كيف سيتدبر أمره غداً بعد أن بات يسكن في منزل يدفع بدل إيجاره بشق الأنفس، ومن دمر العدوان والحصار مصدر رزقه يحمل هاجس غده كيف يوفر لأبنائه قوت يومهم، أما المريض الذي ينتظر توفر دواءه المفقود بات خوفه مضاعفاً من اقتراب أجله، أو تدهور وضعه الصحي نتيجة حرمانه من العلاج.

ما بعد العدوان الأخير ليس كما قبله في حساب حجم وأشكال المعاناة، فقد تفاقمت لحدود قصوى، وبات هنالك احتياجات عاجلة لا تحتمل الانتظار، والتحرك من أجل تلبيتها يعد أمراً شديد الإلحاح، حيث المطلوب الآن بالدرجة الأولى من مختلف الجهات الإنسانية والخيرية، المساهمة في إعادة بناء ما دمره الاحتلال، بما فيها المنازل المدمرة كلياً وجزئياً، ومساعدة من فقد منزله من خلال إيجاد بديل لحين إعادة بناء المنزل المدمر، إلى جانب المساهمة في إصلاح البنية التحتية للقطاع.

كما أن دعم القطاع الصحي من خلال توفير الأدوية المفقودة، والمستلزمات والمعدات الطبية، إلى جانب الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات، يعد أمراً عاجلاً لتقليل الخسارة في أرواح المرضى المحرومين من العلاج، يضاف إلى ذلك كفالة الأسر التي فقدت معيلها، والعمل على خلق فرص العمل المناسبة لمن فقدوا مصدر عيشهم، تحتاج غزة ذلك كخطوة أولى من أجل إنقاذها من عواقب الانزلاق نحو الكارثة الإنسانية، والانفجار الاجتماعي، الذي لن يكون مقبولاً لدى كل حر، صاحب ضمير، ذو فطرة سليمة، ولن يقبل به سوى أعداء الأمة والإنسانية.