الدعم الكويتي لفلسطين..تاريخ من “الوفاء” للقضية العادلة

بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين

تحرص الكويت قيادةً وحكومةً وشعباً ومؤسسات، على التأكيد بين حين وآخر على رسوخ مواقفها المبدئية، والثابتة، في دعم القضية الفلسطينية، بل وإبراز فرادة طبيعة العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين، يواكب ذلك التزام الكويت الأخلاقي بتقديم كافة أشكال الإسناد والدعم، من سياسي واقتصادي وإنساني، وغير ذلك، للشعب الفلسطيني.

وتكتمل صورة الدعم بتكامل أدوار المؤسسات الأهلية، وجمعيات النفع العام، وتناغمها مع الدور الحكومي الذي يستلهم رؤية القيادة الكويتية الحكيمة في وقوفها إلى جانب الحق الفلسطيني، لتلتقي جميعاً في بوتقة الإجماع والثبات على مواصلة تبني دعم القضية الفلسطينية كقضية مركزية رغم اختلالات تشهدها المرحة السياسية الحالية، والتي أدت ببعض الأقطار العربية إلى الانجرار وراء سراب التطبيع مع دولة الاحتلال، وما يمكن أن يحققه من أوهام المكاسب الأمنية والاقتصادية لهذه البلدان.

وتأتي احتفالية تسلم ولي عهد الكويت الشيخ مشعل الأحمد لحجة الوقفية الخاصة بوقف أمير البلاد الراحل الشيخ صباح الأحمد، طيب الله ثراه، في مدينة القدس والتقرير السنوي لبرنامج الشيخ صباح الأحمد الخيري، في أغسطس الماضي، كمثال لمنهجية الدعم الكويتي لفلسطين وشعبها، ولتعددية أشكال الدعم، التي يسهم فيها الدعم الخيري والإنساني بحصة كبيرة، وتعبّر بدورها عن الارتباط الوجداني للشعب الكويتي وقيادته تجاه فلسطين وشعبها ومقدساتها، فضلاً عن تلبية النداء الإنساني، سيما وأن الكويت لم يُعرف عنها يوماً تخلياً عن أدائها لأي دور إنساني، بل على العكس يسجل التاريخ الحديث ريادتها في هذا المجال، بشهادة دول ومؤسسات المجتمع الدولي كافة.

وليس لأي متتبع لأشكال الدعم السياسي والاقتصادي، فضلاً عن الإنساني والخيري، أن يكوّن لها صورة حصرية، يمكن من خلالها وضع تصور لمجمل أشكال الدعم، كونه يتخذ طابعاً تاريخياً، يتسم بالديمومة، إضافة لتفاعله المتواصل مع الأحداث والانتفاضات الفلسطينية، والاعتداءات والحروب والانتهاكات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني، حيث تزيد هذه الأحداث من وتيرة الدعم، متخذة شكل الحملات الإنسانية، والتفاعل الشعبي المتضامن مع الفلسطينيين، إلى جانب تقديم ما يمكن تقديمه من دعم ومؤازرة سياسية من جانب القيادة والحكومات الكويتية.

وقد نظم عدد من أهل الخير في الكويت خلال أحداث الإضراب العام وثورة الشعب الفلسطيني على الاحتلال البريطاني عام 1936، حملة للتبرعات ليبادروا بعدها إلى تأسيس لجنة تجمع المساعدات العينية بكل أشكالها للمرابطين في فلسطين، مواصلةً عملها حتى انتهاء الثورة عام 1936م، واستأنفت اللجنة عملها مع بداية الستينيات في مرحلة بدت فيها البلاد عقب استقلالها، مقبلة على انتعاش اقتصادي مع التوسع في تصدير النفط، لتستمر عقب ذلك لسنوات طويلة.

ويُجمع كثير من المؤرخين على أن خلفيات العلاقة التاريخية بين الشعبين الشقيقين تشير لبداية تجذرها مع وصول فريق البعثة التربوية لمجموعة من المدرّسين الفلسطينيين إلى الكويت، بطلبٍ من الشّيخ أحمد الجابر الصباح، حيث ساهمت هذه البعثة التدريسية في تطوير التعليم في الكويت مساهمة مؤثرة، بشهادة مسؤولين وفعاليات شعبية كويتية، لتستقر فيما بعد بعض الأسر الفلسطينية في الكويت، ولتشهد معها بعد ذلك موجات من النزوح الفلسطيني بسبب النكبة عام 1948، والنكسة 1967، ومضاعفة أعداد الأسر الفلسطينية التي استقرت في الكويت حتى بلغت مئات الآلاف قبل العام 1990.

واتبعت الكويت الرسمية خلال العقود الماضية سياسة المناصرة والدعم للقضية الفلسطينية في مواقف ومنعطفات وأحداث مختلفة من تاريخ القضية الفلسطينية، ارتكزت على اعتبار أن الكويت دستورياً في حالة عداء رسمي مع إسرائيل، وتأطّر ذلك في المرسوم الأميري الذي صدر في 26 مايو/أيار 1957 الخاص بمقاطعة البضائع الإسرائيلية، ثم تلاه القانون رقم 21 لسنة 1964 في شأن القانون الموحد لمقاطعة إسرائيل. وعلى الصعيد الشعبي كان وعي أبناء الشعب الكويتي الأصيل بأهمية التضامن والوقوف بثبات دفاعاً عن حقوق الشعب الفلسطيني يزداد عمقاً ورسوخاً على مدى العقود الماضية.

وإزاء تلك المحددات في السياسة الكويتية سعت الكويت للتأكيد على نهجها الثابت على مدى عقود في دعم القضية الفلسطينية ومساندتها، باعتبارها “قضية العرب الأولى”، والقبول فقط، في حلّها، بما يقبل به الفلسطينيون، حيث كان خطابها وقرارها السياسي واضحاً فيما يتعلق بقضية التطبيع مع دولة الاحتلال الصهيوني، فقد رفضت الضغوط الأمريكية للتطبيع مع دولة الاحتلال في أكثر من مرحلة، إحداها كانت عقب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي مطلع التسعينيات من القرن الماضي.

ويمكن هنا تناول بعض المحطات التي تؤكد انسجام الموقف الرسمي مع الشعبي تجاه قضية التطبيع مع دولة الاحتلال الصهيوني، ففي 14 أغسطس 2020 أصدرت 7 قوى وتكتلات سياسية كويتية رفضها القاطع للتطبيع، في بيان مشترك، وبعد يومين أعلنت 16 جمعية ورابطة كويتية رفضها التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وفي الشهر ذاته وقع 41 نائباً -من أصل 50- في مجلس الأمة الكويتي، على بيان أكدوا فيه أن الكويتيين بجميع أطيافهم لن يقبلوا أي تراجع عن التزام حكومة بلادهم بقضية العرب والمسلمين الأولى.

وشهد التفاعل الشعبي مع مسألة رفض التطبيع حالة متقدمة إذ نظّم مواطنون كويتيون وقفة احتجاجية أمام السفارة الفلسطينية، في 18 أغسطس 2020، للتأكيد على تضامن الكويتيين مع الشعب الفلسطيني، فضلاً عن إندلاع مواقع التواصل الاجتماعي بالحملات الالكترونية التي تعبر عن رفض الشعب الكويتي للتطبيع، وكان من أبرزها إطلاق وسم #كويتيون_ضد_التطبيع، الذي تفاعل معه جمهور واسع من الكويتيين والعرب لإيصال رسالة شعبية واضحة تؤكد الرفض القاطع للتطبيع مع دولة الاحتلال.

وفي السياقات ذاتها، حرصت الكويت على الاستمرار في نهجها المؤيد للقضية الفلسطينية تجاه ما يعرف بـ”صفقة القرن”، إذ أعلن مجلس الأمة الكويتي، رفضه القاطع للصفقة، وفي أثناء المؤتمر الطارئ للاتحاد البرلماني العربي المنعقد في العاصمة الأردنية عمان، في 8 فبراير/شباط من العام 2020، أمسك رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، نسخة من “صفقة القرن” المزعومة، وألقاها في سلة النفايات، وكان الغانم قبلها وتحديداً في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي الذي عُقد في روسيا عام 2018، قد هاجم رئيس وفد دولة الاحتلال قائلاً له: “اخرجوا من القاعة إن كانت لديكم ذرة كرامة، يا محتلون يا قتلة الأطفال”.

ومع عدم إمكانية حصر المواقف والأحداث التي تؤكد على الثوابت المبدئية الكويتية تجاه القضية الفلسطينية، إلا أنه يمكن الإشارة في هذا المقام إلى السلوك السياسي والدبلوماسي العروبي المشرّف لدولة الكويت حين استثمرت مقعدها في الأمم المتحدة، بعدما تقدم مندوبها لدى مجلس الأمن، منصور العتيبي، في مايو/أيار 2018، بمشروع لحماية المدنيين الفلسطينيين بقطاع غزة والضفة الغربية، في موقف شجاع غير مسبوق يسجله التاريخ للكويت.

وتجدر الإشارة إلى أن الوعي الشعبي الكويتي المبكر فيما يتعلق بضرورة دعم ومناصرة القضية الفلسطينية، جرى ترجمته على الأرض في ما قبل استقلال الدولة الكويتية، فقد بدأ المجتمع الكويتي منذ منتصف العقد الثاني من القرن الماضي، بتشكيل اللجان لجمع التبرعات “شباب الكويت عام 1937 وكتلة الشباب الوطني عام 1938″، وذلك ردا على تقرير «بل» الذي دعا إلى تقسيم فلسطين مرورا بالموقف الرسمي لحاكم الكويت آنذاك، الذي خاطب الحكومة البريطانية، منبهاً إياها إلى مغبة تقسيم فلسطين، ثم إرسال من يمثله في مؤتمر بلودان لتأسيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر القومي العربي، بحسب مؤرخين كويتيين.

ولم يتوقف الدعم الشعبي الكويتي للقضية الفلسطينية طيلة عقود من الزمن، بل كان يشهد حالة من التكثيف وزيادة الزخم مع دخول القضية الفلسطينية منعطفات تاريخية، وقد كانت انتفاضة البراق في الثلاثينيات احدى هذه المنعطفات، حيث شهدت تلك الفترة موقفاً شعبياً ورسمياً كويتياً متطوراً في تقديم الدعم للفلسطينيين، عبّرت عنه حملات التبرع التي أطلقتها لجان شعبية، وشخصيات كويتية ناشطة، يضاف إلى ذلك ما عاشته الأراضي الفلسطينية خلال مرحلة انتفاضة الحجارة التي اندلعت عام 1987، وشهدت إطلاق الحملات بين حين وآخر رعتها مؤسسات خيرية، وجمعيات النفع العام الكويتية.

ويؤكد الشعب الكويتي في كل مرحلة من تاريخه إخلاصه في دعم قضاياه القومية والإسلامية والإنسانية، فقد كان تأسيس “لجنة كويتيون لأجل القدس” عام 2000 وهي لجنة مشتركة بين الجمعية الثقافية الاجتماعـية وجمعية الخريجين الكويتية الهادفة لدعم ومساندة الشعب الفلسطيني، كجيل يسلم آخر راية الإنسانية والانتماء لأخوة الدم والدين والمصير الواحد.

وفي السياقات ذاتها برز على صعيد الدعم الإنساني المقدم للفلسطينيين أسماء العديد من المؤسسات الخيرية الكويتية، ويمكن في هذا الإطار تناول عدد من النماذج المشرقة لبعض من الجمعيات التي كرست جزءًا كبيراً من جهودها لدعم الشعب الفلسطيني على مدى سنوات طويلة، من ضمنها “الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية”، التي شكلت لجاناً، ضمن لجانها المختلفة، عملت على توجيه جهودها بشكل خاص لتقديم الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني، من أبرزها “لجنة فلسطين الخيرية” والتي تخصصت في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، كما كثفت الهيئة من مشاريعها بالتشارك مع هيئات أممية كوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، حيث عملت على تنفيذ العديد من المشاريع الإنسانية في مخيمات اللجوء الفلسطيني، وفي الضفة الغربية.

وفي قطاع غزة تتنوع مشاريع الهيئة من توفير للأدوية والمعدات والمستلزمات الطبية، إضافة لتوفير الأغذية، والوقود، فضلاً عن تنفيذ المشاريع الهادفة لتوفير مياه الشرب، إلى جانب مشاريع إعادة الإعمار، حيث تتواجد هذه المشاريع على أجندة عملها بشكل مستمر.

وإبان انتفاضة الأقصى وقفت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية موقفاً متميزاً من ناحية نمط وطبيعة الدعم الذي قدمته من خلال لجنتها “فلسطين الخيرية”، حيث أرسلت مساعدات للفلسطينيين بقيمة 500 دولار لكل جريح و1000 دولار لأسرة كل شهيد، و25 ألف دولار من أجل المساهمة في تكاليف عيادة المسجد الأقصى لتقديم الإسعافات.

موقف الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية كان متناغماً بشكل كبير مع الموقف الرسمي، فقد استقبلت المستشفيات الكويتية خلال انتفاضة الأقصى عدداً من الجرحى الفلسطينيين، وقدمت الحكومة الكويتية كميات كبيرة من الأدوية والمساعدات العينية كدعم منها للشعب الفلسطيني الذي يتعرض للحصار الصهيوني منذ بدء الانتفاضة، وصرّح حينها سفير الكويت في عمّان السيد فيصل المشعان أن هذه المبادرة من أمير الكويت تأتي تأكيدا على دعم الكويت الدائم والمستمر للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل نيل حقوقه المشروعة.

أما “الرحمة العالمية” (إحدى المؤسسات الخيرية المنبثقة عن جمعية الإصلاح الاجتماعي)، فتؤكد بأن عدد مشاريعها التي قامت بإنشائها في الأراضي الفلسطيني حتى العام 2015، بلغت 16024، تشمل كفالة الأيتام والأسر، ومشاريع الإغاثة الغذائية والطبية، والمشاريع التنموية والإنشائية من بناء المدارس والمعاهد العلمية وبناء المساجد ومراكز تحفيظ القرآن، ودور الأيتام وبناء وترميم بيوت الفقراء ومساعدات المرضى وتشغيل المستشفيات، فضلاً عن المشاريع الوقفية والتأهيل المهني والدورات الشرعية للأيتام، والمشاريع الموسمية كإفطار صائم وسلة رمضان والحقيبة المدرسية والأضاحي وغيرها، وذلك بحسب رئيس مكتب فلسطين في المؤسسة الدكتور وليد العنجري.

مضيفاً بأن الرحمة العالمية تكفل شهرياً في فلسطين 10863 يتيماً، و2699 أسرة، و270 معاقاً، و45 طالباً، فيما نفذت المؤسسة مئات المشاريع الإغاثية والمساعدات المتنوعة والمشاريع الموسمية استفاد منها 597295 أسرة، منها إغاثات غذائية ومساعدات متنوعة وكسوة الشتاء، أما المشاريع الموسمية كإفطار الصائم فقد استفاد منها 1831515 صائماً، كما استفاد من الأضاحي 2604435 فرداً.

وللهلال الأحمر الكويتي جهوده المتواصلة في دعم الشعب الفلسطيني، في العديد من مناطق تواجده، وقد أبلت المؤسسة البلاء الحسن من خلال تنفيذ المشاريع الإغاثية في قطاع غزة على مدى سنين الحصار الإسرائيلي الطويل، حيث أرسلت العشرات من القوافل الإغاثية للقطاع بالتنسيق مع الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية محملة بالمواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة للخيام والأغطية التي يحتاجها أبناء القطاع سيما مع الحروب والاعتداءات العسكرية التي تشنها آلة الحرب الإسرائيلية على القطاع من وقت لآخر، كما ينفذ الهلال الأحمر الكويتي العديد من المشاريع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية كتوزيع لحوم الأضاحي، وكسوة العيد، وغير ذلك من المشاريع.

ويُسجَّل لجمعية الشيخ عبدالله النوري الخيرية استباقها المبادرات الإنسانية من خلال إطلاق الحملات الخيرية الداعمة لأبناء الشعب الفلسطيني، ويمكن اتخاذ مبادرتها العام الماضي 2021 بإطلاق 50 قافلة إنسانية لفلسطين، كمثال على سرعة استشعارها للاحتياجات العاجلة للشعب الفلسطيني المتضرر جراء انتهاكات الاحتلال، وتلبيتها النداء الأخلاقي تجاه المحتاجين، فقد تنوعت مساعداتها الإغاثية الموجّهة لأهالي القدس وقطاع غزة بما يعود بالنفع على مختلف الفئات المتضررة، حيث اشتملت القوافل على المواد الطبية والطرود الغذائية ومستلزمات الإيواء ومتطلبات التسكين وبدلات الإيجار، بتكلفة إجمالية بلغت ما يقرب من 300 ألف دينار كويتي.

وتنشط جمعية “النجاة الخيرية” في العديد من الأنشطة والفعاليات الإنسانية لصالح الشعب الفلسطيني، حيث تعتبر مشاريعها الإغاثية من بين الأكثر تميزاً، من ضمنها مشاريع دعم وكفالة الأيتام، ومثال على ذلك مشروع “7 سنابل” الذي أطلقته في يونيو 2021 والهادف لإتاحة الفرصة للمتبرع الواحد بالمساهمة في حزمة متكاملة في إطار تبرعه الواحد، حيث يشتمل تبرعه على 7 مشاريع متنوعة لرعاية وكفالة الأيتام في فلسطين، وتشمل الكفالة، ومشروع السلة الغذائية للأيتام، والكسوة (توفير الملابس الجديدة)، فضلاً عن توفير الرعاية الطبية للأيتام، ومشروع الكسب الحلال لتوفير فرصة عيش كريم وعمل لربة اليتيم، إلى جانب ترميم بيوت الأيتام.

بدورها تسهم “جمعية إحياء التراث الإسلامي” بشكل فاعل من خلال مشاريعها الخيرية الريادية في مناطق مختلفة من الأرض الفلسطينية كالقدس وقطاع غزة، حيث عملت خلال السنوات الماضية على تقديم الدعم المالي للجان الزكاة، ومن أبرزها لجنة زكاة القدس، كما عملت الجمعية في مايو 2021، على إعطاء الأولوية لحملة الإغاثة الخاصة بأهالي القدس المرابطين في وجه الاعتداءات التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي.

ولا تعرف حالة التلاحم الشعبي الإنساني الكويتي مع الأشقاء الفلسطينيين حدوداً فقد عملت الجمعيات المذكورة سالفاً، وغيرها من الجمعيات الخيرية في الكويت، على تجسيد حالة التلاحم تلك من خلال حملة “فزعة للأقصى”، في مايو 2021، التي لا بد من إعطائها صفة “الرمزية” و”الانموذج” لصفو ونقاء روح التكافل الإنساني، ومتانة وشائج الأخوة بين الشعبين الشقيقين، فقد بلغ عدد المتبرعين للحملة 59 ألف متبرع، بمشاركة 30 جمعية، بينما تمكنت الحملة من جمع تبرعات بقيمة 2.33 مليون دينار خلال 12 ساعة فقط من فتح باب التبرع.

وتأتي الحملة لتقدّم المزيد من البراهين على الدور الكويتي الرسمي والشعبي الثابت تجاه القضية الفلسطينية، إضافة للمكانة العظيمة للقدس والمقدسات الإسلامية، وعلى رأسها المسجد الأقصى في قلوب الكويتيين، سيما وأن الحملة كانت نتاج تنسيق عدد من وزارات الدولة، وأبرزها وزارتي الأوقاف والشؤون الإسلامية، والخارجية، فيما تم توجيه الدعم من خلال الحملة لصالح توفير الدواء والغذاء، والإيواء لآلاف المستفيدين، وتقديم الإغاثة العاجلة مثل الطعام والشراب والكساء، وكذلك إجراء العمليات الجراحية العاجلة للجرحى والمصابين، وتوفير الأدوية والأجهزة الطبية والإسعافات الأولية والملابس والبطانيات والخيام وغيرها من الاحتياجات الأساسية، وذلك في شتى مناطق فلسطين المحتلة.

الحرص على استمرارية الدعم الكويتي، وبزخم أكبر عند المنعطفات التاريخية للقضية الفلسطينية عبرت عنه العديد من المؤسسات الخيرية، وجمعيات النفع العام، مجدداً، حين بدأت آلة الحرب الصهيونية تدك غزة خلال عدوانها الأخير على القطاع، مطلع أغسطس الماضي، فقد كانت المؤسسات الإنسانية الكويتية من أولى المبادرين بإطلاق حملات الإغاثة بهدف تقديم الدعم الإنساني للمتضررين من العدوان بشكل فوري وعاجل، ويُحسب لجمعيات كـ”الـتميز الإنساني” التي سارعت بتقديم الدعم لجرحى ومتضرري الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، و”بلد الخير” الكويتية المبادرات والنداءات العاجلة في إطلاق المشاريع المتميزة والمتنوعة لتقديم الدعم للفلسطينيين في القدس والضفة وغزة، في هذا الإطار، حيث شملت مبادرات “بلد الخير” توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وترميم المنازل، وتوفير سلال الطعام للأسر الفقيرة، وكفالة طلبة العلم، فضلاً عن رعاية أيتام القدس، وغيرها من المشروعات.

كما أن تفاعل الشارع الكويتي المتضامن مع الشعب الفلسطيني خلال العدوان، أثبت حالة الوعي السياسي، الديني والقومي، إضافة للإنساني، المتقدم لدى الكويتيين تجاه القضية الفلسطينية التي يؤمنون بشكل لا يدع مجالاً للشك في “مركزيتها” بالنسبة للأمتين العربية والإسلامية، إلى جانب رسوخ العلاقة التاريخية بين الشعبين في الوجدان والذهنية الكويتية، حيث تمثل القضية الفلسطينية حالة إجماع لدى كافة المكوّنات الفكرية والاجتماعية في المجتمع الكويتي.

الدعم الرسمي والشعبي الكويتي للقضية الفلسطينية على مدى عقود، إضافة لثبات الدولة الكويتية في مناصرة نضال الشعب الفلسطيني من أجل استرداد حقوقه على أرضه، لا يمكن النظر إليه إلا من زاوية “الوفاء” الكويتي لقضايا الأمة، وانحياز الكويتيين لنقاء الضمير الإنساني الفطري، وللمبادئ الأخلاقية، فضلاً عن وفائهم للعلاقة التاريخية المتميزة التي ربطت الشعبين الشقيقين، وكرّست على مدى عقود صورة نموذجية للأخوّة المثلى بين الشعوب، صاغ جمالياتها قوة وشائج الوئام والإخلاص، إلى جانب الإيمان بوحدة الثقافة والمصير، وكذلك المسار الواحد في العمل من أجل الأمة وعدالة قضاياها، وصولاً لازدهارها وريادتها الحضارية والإنسانية.