كارتر .. وتوتو .. والخروج من مستنقع الصمت

لا زالت غزة تنوء بحملها الثقيل, مع إستمرار الحصار الخانق وتداعياته التي رسمت صورا قاتمة في ضمير الإنسانية جمعاء, قد لا تنساها, وإن أراد البعض أن يتناساها أو ينسيها للآخرين, فصور ضحايا الحصار ممن منعوا من مغادرة القطاع للعلاج, وصور غزة حين لفها الظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائي, وصور مركبات غزة ولا سيما مركبات الاسعاف المتوقفة بسبب إيقاف إمدادها بالوقود..كذلك صور أشلاء الأطفال والنساء والمدنيين عامة, الذين يذهبون ضحايا لغارات الفجر الاسرائيلية, بل غارات الطائرات والمدافع التي تلقي بحمم الموت في وضح النهار أيضاً…وصور أخرى كثيرة قد لا تتسع لها سطورنا هذه, بعد أن امتلأت بها من قبل الذاكرة.

وقد يكون في الظلمة وميض ما, فهنالك من أراد أن ينطق ويسمع العالم صوته, من أمثال الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي حاول زيارة غزة الشهر الماضي الا أن اسرائيل وضعت العراقيل لمنعه من القيام بها, وصرح بعدها بأن: “ما يجري هو إحدى أكبر الجرائم بحق حقوق الإنسان على وجه الأرض حالياً”., وأردف قائلاً: “لا يوجد أي مبرر لمعاملة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بهذا الشكل”.

وفي ذات السياق تأتي زيارة الأسقف ديزموند توتو لشمال غزة, وهو المبعوث كرئيس للجنة التحقيق الدولي في مجزرة “العثامنة” التي راح ضحيتها 19 من الأطفال والنساء, ليطلق صرخة مدوية للعالم, يقول في مضمونها نصاً من هول ما رأى, بأنه: “عار علينا أن نصمت إزاء ما يجري هنا، غزة بحاجة لمساعدة ودعم العالم الخارجي، لنيل حقوق سكانها الإنسانية المشروعة”. ليخلص توتو بعدها إلى مناشدة المجتمع الدولي بضرورة التدخل الفوري والعاجل لإغاثة الشعب الفلسطيني.

ويقول توتو في معرض تصريحاته التي أدلى بها: ” ان الوضع في غزة صعب ومأساوي ومؤلم، لم نر أية ملامح للحياة، ولا أي عابر طريق، كما نرى في كافة بلدان العالم، لم نشاهد أطفال يضحكون ويلعبون، ولم نر حتى سيارات لنقل المواطنين لانعدام الوقود”.

ومما يجدر ذكره أن الوفد الذي كان يرأسه الأسقف توتو منذ قرار تشكيله من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وهو يحاول دخول القطاع للتحقيق في هذه المجزرة، إلا أن اسرائيل كانت تمنع دخوله باستمرار.

لقد أثقلت المشاهد القادمة من غزة منذ ما يزيد عن الإحدى عشر شهرا, الضمير العالمي وأرهقت إنسانيته, بعد أن نضبت المسوغات والحجج غير المقنعة لتبرير ما يحدث من صمت على جريمة العصر, فإلى أين يتجه العالم, وكيف سيحكي للأجيال القادمة إذا سألته عن ما جرى في غزة, وكيف سيستطيع أن يخبئ هذا العالم الصامت عاره؟