على الرغم من كونها تشغل العناوين الرئيسية من أجندات عمل الكثير من المنظمات الحقوقية الفلسطينية وربما بعض المنظمات العربية والدولية, إلا أن قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي لا تلقى الاهتمام الواسع بما يليق بحجم المأساة الانسانية, فالمعتقلات الاسرائيلية لم تكد تفرغ يوماً من الأسرى الفلسطينيين منذ إعلان قيامها, ولا يكاد فلسطيني واحد إلا وحل “ضيفاً” مرغماً على سجون الاحتلال يذوق فيها ألوان العذاب والمذلة, حيث يقدر عدد عمليات الاعتقال ضد الفلسطينيين منذ عام 1967 (800.000) معتقل, أي أكثر من 20% من أبناء الشعب الفلسطيني قد دخلوا سجون الاحتلال لفترات وطرق مختلفة. لذا فإن خمس الشعب الفلسطيني قد دخل السجون منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي.
وتعتبر قضية الأسرى الفلسطينيين من القضايا البالغة الحساسية والتأثير في المجتمع الفلسطيني لما يترتب عليه غياب أحد أفراد الأسرة وغالباً ما يكون معيلها الوحيد من انعكاس لحال التفسخ والتشرذم الذي قد تعيشه الأسرة وبالتالي المجتمع برمته, وما تتمخض عنه لوعة الفراق بين الأسير وأفراد عائلته من كمد وحزن مزمن له أثار نفسية تتراكم على مدى سنين الأسر الطويلة, وفي كثير من الأحيان تمنع ادارة السجون الاسرائيلية مجرد السماح بزيارة الأسير.
ويقبع أكثر من 11500 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال حالياً, في ظل ظروف حياتية أقل ما يمكن وصفها به هو انها “سلب لآدمية الآدمي”, فممارسات الاحتلال مع الأسرى والأسيرات والأسرى من الأطفال القصر (من تعذيب وابتزاز, وتهديد بالاغتصاب, واهمال طبي وغذائي, والعقاب بالعزل الانفرادي, وحرمان الأسير من زيارة أهله, واعتقال اداري دون محاكمة..وغيرها الكثير) تجاوزت كل الأعراف والمواثيق الدولية واتفاقيات حقوق الانسان, فضلا عن استغلالهم كورقة ضغط سياسي تشهرها وقتما تشاء.
وفي هذا الصدد تشير الاحصائيات بأن قوات الاحتلال منذ بداية انتفاضة الأقصى: ” قد قامت باعتقال ما يقارب (500) امرأة فلسطينية بقي منهم (120) أسيرة يقبعن في سجن تلموند الإسرائيلي, و(3000) طفل قاصر أعمارهم اقل من 18 عام لا زال (350) منهم داخل السجن, وفيما يتعلق بالتعذيب تشير ذات الإحصاءات إلى أن أكثر من 80% من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين تعرضوا للتعذيب خلال التحقيق على يد الجنود الإسرائيليين. وهناك أشكال عدة للتعذيب الذي يمارسه السجانون الإسرائيليون بحق المعتقلين الفلسطينيين، مثل الشبح، ومنع النوم، ونزع الملابس خلال الليل، والضرب، والهز، وحتى محاولات الاغتصاب، ذلك عدا عن التعذيب النفسي.
وتؤكد هذه الاحصائيات فيما يتعلق بالاعتقال الاداري (وهو اعتقال بدون لائحة اتهام، أو سبب مادي ملموس، وبدون محاكمة حقيقية، فالحكم يصدر بلا حاجة إلى اعترافات، أو إثباتات), بأن:” عدد حالات الاعتقال الإداري وصلت لأكثر من 3000 حالة بقي منها 800 معتقل دون توجيه لائحة اتهام، وقد جدد هذا الاعتقال المحرم دولياً لحوالي (150) أسير أكثر من 3 مرات بعضهم جدد له الاعتقال 8 مرات على التوالي. وعن اغتيال الأسرى والظروف الصحية تقول الاحصائية بأن:” قوات الاحتلال اغتالت أكثر من 150 أسيراً فلسطينياً خارج نطاق القانون بعد القاء القبض عليهم. وهنالك قرابة 1000 معتقل فلسطيني يعانون من أمراض مزمنة مختلفة، ولا يتلقون العلاج اللازم، واستشهد من الأسرى الفلسطينيين منذ العام 67 وحتى اليوم قرابة 180 معتقل بينما هنالك (2000) أسرة فلسطينية لا تستطيع زيارة أبنائها بسبب المنع الأمني لهم.
يحدث ذلك كله في أقبية سجون الاحتلال, بعيداً عن أنظار العالم, إلا أن ذلك لا يعني بأن ممارسات الاحتلال بحق الأسرى لا ترشح أخبارها بين الحين والآخر, غير أن هنالك – بالذات أصحاب القرار الدولي والقوى العظمى – من يمثل دور الأعمى والاصم والابكم حتى يتنصل من مسؤولياته الاخلاقية تجاه جرائم الاحتلال, على الرغم من مشاهدته لاعتصامات امهات الأسرى أمام مبنى الصليب الأحمر وغيره من وقت لآخر, للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهن, وسماعه لصيحات ومناشدات المنظمات والمؤسسات الحقوقية المطالبة بالشيء عينه. وحتى لا يصبح الأسرى اناس “لا بواكي” لهم, أليس من حقهم علينا – وهم شركاء لنا في الانسانية على الأقل – أن نصدح بذات الصوت مطالبين برفع يد الظلم والبطش عنهم وإعادتهم لأحضان أسرهم؟ أم سنبقى – ونحن السواد الأعظم- نستمع لقصص معاناتهم كما لو كانت حكايات اسطورية تستعذبها المسامع؟
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=68638
